من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
نظم ابن خميس (٢)
انتهى.
قال صاحب الإشادة العزفي المذكور: القاضي أبو حفص من مفاخر المغرب، لم يذكره أحد من لقيه وتعرض لذكره، إلاّ أطنب في الثناء عليه، ووصفه بالعلم والفضل، والعدل في القضاء، مع براعة النظم والنثر؛ ويكفي من ذلك ثناء المحدث أبي عبد الله محمّد أبن عبد الرحمن التجيبي، نزيل تلمسان عليه، وقد ذكره في شيوخه فقال: ونقلته من خط الشيخ الفقيه الأجل، الكاتب المجيد، الحسيب الأديب، الأرفع الأكمل، القاضي المسدد، الموفق الأعدل، أبي حفص. ثم قال: لقيته بتلمسان حرسها الله، قدمها علينا قاضيا، فشمل أهل البلد كلهم أجمعين بفضله وأدبه وعدله، وإجلاله وإكباره وحسن خلقه، لا سيما مع طائفة الطلب، وأهل الأدب والحسب، فجزاه الله عن نفسه وعنهم افضل الجزاء، فلا يعرف الفضل إلاّ فاضل، ولا يكرم الناس إلاّ الكريم، وكل يميل إلى جنسه، وما هو من طبعه، كما قال بعض الأدباء، وأجاد في مقالته، وأحسن
القول: " ما عبر الإنسان عن فضله، بمثيل إلى أهله ".
وذلك منظوم في قول الشاعر:
وما عبر الإنسان عن فضل نفسهبمثل اعتقاد الفضل في كل فاضل
وإنَّ أخس النقص إنَّ بنفي الفتىقذى النقص عنه بانتقاص الأفاضل
وامتثال رضى الله عنه قول الآخر: " أصحبوا الناس صحبة إنَّ عشتم معها حنوا عليكم، وإنَّ متم بكوا عليكم ". واستعمل ما قاله الشاعر في كلماته، ونظمه في قافيته:
وإنّما المرء حديث بعدهفكن حديثا حسنا لمن وعى
ففعل والله ذلك أيام كونه بتلمسان، واستعمله بطبعه وطبيعته، وخلقه وخليقته، إلى أنَّ نقله الخليفة إلى قضاء فاس، فلا تسأل عما أصاب الناس والإخوان من فقده، وفقد أدبه وعلمه، فذكر الطيب، والثناء الجميل، باقيان عليه إلى الآن بتلمسان، وهو مستقر في غيرها من الأوطان.
وكان أبو حفص ﵀ حسن الخَلقِ والخُلقِ، مليح الخط، فصيح الخطابة والكتابة، وكنت إذا رايته تمثلت عند رؤيته والنظر إليه، باب الرجل أنشدنا شيخنا الحافظ أبو طاهر السلفي الأصبهاني، ﵁، في مدح هادي بن إسماعيل:
لهادي بن إسماعيل خلات أربعبهن غدا مستوجبا للإمامة
خاطب أبن عبادة، وخط أبن مقلةوخلق أبن يعقوب، وخلق أبن مامة
وأنشدته ﵁ البيتين، فاستحسنهما وشكر لي ذلك، وكان لي من بره وتأنيسه وبشره حظ جزيل، وقسم كبير، ورغب إلى أنَّ كتب له بخطي بعض ما عندي من أخبار الصالحين، وأئمة المتقين، وأولياء الله المطيعين، فكتبت له من الأحاديث الوعظية العلمية، والأشعار الحكمية، ما أمكنني، فسر بذلك، وشكر عليه؛ ولمّا أتى مدينة فاس، صار يرى ذلك أوداءه وأحبابه، ويشكر عليه، ويثني خيراً، وبارك الله تعالى فيه. ثم قدر الله تعالى بوصولي بعد انفصاله عن مدينة فاس، وتوليته لقضاء أغمات، إلى حضرة مراكش، حرسها الله تعالى، وكان بالحضرة المذكورة، فسمع بذلك، وكنت نزلت بفندق من فنادقها، يقال له فندق السكر، فوصل إليه، واجتمع بي، فدعوت له وشكرت، ثم أولاني من بره وتأنيسه ما عهدت قبل منه، وزاد عليه، ورغب في الوصول إليه إلى أغمات، فوصل إليه بعد ذلك، فرحب وسهل وانزل، وأثنى على عند الأصحاب والإخوان خيرا، وقال ما يصدر عن مثله، فالعنصر الطيب لا يخرج منه إلاّ الطيب، وكنت معه في داؤه في خصب وسعة، وطلاقة وجه، وحسن خلق، وطيب حديث، وكريم مشاهدة ومناشدة، لنفسه ولغيره.
انتهى ما قدصت جلبه من كلام صاحب الإشادة، المنقول عن التحيبي نزيل التلمسان، رحم الله الجميع.
لنجعل آخر نظم القاضي أبي حفص رخ قوله:
العلم يكسو الحلل الفاخرةوالعلم يحيي الأعظم الناخرة
كم ذنب أصبح رأسا بهومذنب أبحره زاخرة
ما شرف النسبة إلاّ التقيأين تهيم الأنفس الفاخرة
من يطلب العز بغير التقيترع عنه نفسه داخرة
أعرض عن الدنيا تكن سيدابل ملكا فيها وفي الآخرة
وبين العزفين، الذين منهم صاحب الشهادة بسبتة أعادها الله مشهور، وكانت لهم الرياسة بها مدة، ثم أعقب الدهر جدتها بالبلى، ثم كل شيء فأن ولا يبقى إلاّ الواحد الذي ليس معه ملكه ثان.
وأبو القاسم منهم هو الذي تأمر ورأس سبتة هو أبو القاسم محمّد بن القاضي المحدث أبي العباس أحمد بن محمّد بن الحسين، بن الفقيه الإمام على المعاصر لابن أبي زيد، بن محمّد بن سليمان بن محمّد، الشهير بابن عزفة اللخمي. ينتهي نسبهم إلى قابوس بن النعمان بن المنذر، وكان قيامه بسبتة ليلة سبع وعشرين من رمضان، من عام سبعة وأربعين وست مائة، في دولة المرتضى الخليفة بمراكش، وقتل والي سبتة أبا عثمان بن خالد تلك الليلة، وملك طنجة، ودخل أصيلا، وهدم سورها، وتوفي بسبتة يوم الخميس الثالث عشر من ذي الحجة من عام سبعة وسبعين وسن مائة وله سبعون سنة، وكانت دولته ثلاثين وشهرين وسنة عشر يوماً، من شهدة بين كتفيه، مرض بها واحد وعشرين يوما، وكان مولده بسبتة في منتصف شوال عام سبعة وست مائة.
وهو الذي اكمل " الدر المنظم، في مولد النبي المعظم ". من تأليف أبيه أبي العباس ﵀.
ورأيت على نسخة كتبت في حياته أول الكتاب المذكور ما نصه: قال سالك سنن السنة، القائم من أعمال البر بما يضيق عنه وسع المنة المعتصم بجبل الله القوي المتين، المعتمد على لطفه الشامل وفضله العميم المبين، الشيخ الفقيه الأجل، العلم الأكمل، أبو القاسم بن الشيخ الفقيه الإمام، العارف العالم، علم العلماء العاملين المتقنين، ونخبة الفضلاء الصالحين المتقنين، أبي العباس أحمد بن الشيخ الفقيه القاضي العالم المحدث، أبي عبد الله اللخمي، ثم العزفي، من أهل سبتة حرسها الله وأجزل قسمه من عفوه ورضاه، وأنجح عمله وقوله وقصده، وجعل في ذاته وسبيل مرضاته صدوره ووروده. انتهى.
وفي موضع آخر من هذه النسخة ما نصه: السفر الأول من كتاب " الدر المنظم في مولد النبي المعظم، ﷺ، وشرف وكرم ".
لمّا شرع في تأليفهن ومات ولم يكمله الشيخ الفقيه الصالح، علم العلماء، ونخبة الصالحين الفضلاء، أبو العباس أحمد، بن الشيخ الإمام الفقيه، الصالح القاضي، العالم المحدث، المقدس المرحوم، أبي عبد الله اللخمي، ثم العزفي السبتي، ﵀، ورضي عنه، ونضر وجهه، وأجزل ثوابه، وأكمل بعده، وأوضح فيه قصده، أبنه الشيخ الفقيه الأفضل، العلم الأوحد، السني السبتي، المبارك الأكمل، أبو القاسم، أدام الله عافيته ووفقه، وشرح صدره، وختم بالكتاب والسنة ديوان علمه الصالح وعمره، يذكر فيه بعض ما خص الله تعالى به نبيه)
وفضله على كل من تأخر من خلقه أو تقدم، وما امتن به عليه وعلى أمته، في أنَّ جعله أفضل الأنبياء، وجعلهم أفضل الأمم، من بين ولد آدم، ليتخذوا مولده الكريم موسماً، يتركون به ما كانوا يقيمونه من أعياد النصارى وعوائدهم، التي يجب لمغانيها أنَّ تعطل، ولمبانيها أنَّ تهدم. انتهى.
وكان الرئيس أبو القاسم المذكور كتب خطه بالإجازة في هذا الكتاب للخطيب أبي على، بن الخطيب أبي فارس بن غالب الجمحي، مع جماعة من أهل سبتة وأعيانها، حين قرءوه عليه بالجامع الأعظم من سبتة، في شهر ربيع الثاني، من عام سبعة وخمسين وست مائة، قائلا: أجزت له بحق روايتي لمّا فيه عن أبي، ومشاركتي له في تأليفه، على حكم الإجازة وشرطها، وصحة الرواية، عاشر الربيع المذكور. انتهى. وبعضه بالمعنى. ونسبهم إلى لخم لا مدفع فيها عند الثقات، وبذلك وصفهم الأكابر، غير أنَّ أبن الخطيب في الإحاطة، نقل عن " الكتاب المؤتمن، في أنباء أبناء الزمن " ما نصه: وتزعم بعض أهل سبتة أنَّ أصلهم من مجكسة من البربر، فيقولون: ما للخم ومجكسة؟ وهذا موكول إلى قائلة، إذ لا نعلم حقيقة الأمر فيه. نعم، الإنصاف في المسألة أنَّ كل من عرف بالأصالة في المغرب الأقصى، ولم يعلم لآبائه قدوم من المشرق، حيث جراثيم العرب، ولا قدوم من الأندلس، حيث أبناء العرب، وانتسب مع ذلك إلى قبيلة، فلا بد له من الاستظهار على ذلك، وإلاّ كان ما أتى به مظنة لأحد أمرين: أما لكون سلفه من الموالي، فانتسبوا إلى ساداتهم، إذ يجوز لمن كان مولى عربي أنَّ ينتسب إلى قبيلة سيده؛ وأما للكذب. وهذا أعدل ما يقال. انتهى.
ونقله في الإحاطة في ترجمة الفقيه المشارك في الطلب والأدب أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن أبي عزفة اللخمي. وإلى ترجع الأمور.
وكان الرئيس الفقيه أبو القاسم العزفي المذكور فقيها أصوليا نحويا لغويا محدثا عارفا بالرواية شاعرا مجيدا.
فمن نظمه في آل بيت المصطفى ﷺ:
ذرية المصطفى إني احبكموحبكم واجب في الدين مفترض
فليس يبغضكم لا كان باغضكمإلاّ امرؤ مارق في قلبه مرض
وحسبكم شرفا في الدهر أنكمخير البرية هذا ليس يعترض
ولست أظالب في حبي لكم ثمناإلاّ الشفاعة فهي السؤل والغرض
ولمّا توفي رحمه الله تعالى قام بعده بالأمر ابنه أبو الحاتم أحمد ثم خلع وتولى أخوه أبو طالب عبد الله في سنة ثمان وسبعين وست مائة وخلع ليلة الأربعاء السابع والعشرين من شوال سنة خمس وسبع مائة فكانت دولته سبعا وعشرين سنة وتوفي بفاس مخلوعا عام ثلاثة عشر وسبع مائة وله خمس وسبعون سنة. والذي خلعه الأمير فرج بن إسماعيل بن يوسف بن الأحمر دخل عليه سبتة عنوة في الليلة المذكورة وقبض عليه.
ثم تولاه الأمير يحيى بن الأمير أبي طالب أبن أبي القاسم ويكنى أبا عمر وبويع سبتة عام عشرة وسبع مائة وخلع في سنة إحدى عشرة وسبع مائة وكانت دولته الأولى هذه سنة وستّة أشهر. وبويع ثانيا بسبتة في سنة أربع
عشرة وسبع مائة وتوفي بها في ظهر يوم السبت السادس لشعبان سنة تسع عشرة وسبع مائة وكانت ولادته بها في رمضان سنة سبع وسبعين وست مائة. وكان فقيها فاضلا جميل الوجه شجاعا بطلا عافا بالأصول والفقه والمنطق والعربية واللغة والحديث وقيل أنه أول من ركب بالرمح والسيف من بني العزفي وجند الجنود.
ثم تولى بعده ابنه أبو القاسم محمّد بن يحيى وبويع بعد أبيه في شعبان من عام تسعة عشر وسبع مائة وخلع في صفر سنة عشرين وسبع مائة فكانت دولته ستّة أشهر وتوفي بفاس وهو كاتب الحضرة المرينية ليلة السبت حادي عشر صفر عام ثمانية وستين وسبع مائة وله ثمان وستون سنة وولد بسبتة في شوال عام تسعة وتسعين وست مائة. وكان فقيها شاعرا مكثرا مليح الفكاهات وشاحا وقد بز أهل زمانه في الموشحات وقد حكي عنه أنّه أراق الدواة في في محفل جليل فقال بديهية:
ألا يا كرام الناس غضوافإني من الفعل القبيح مريب
هرقت دواة وهي كالكأس بينكموللأرض من كأس الكرام نصيب
وكان مولعا بنظمه بالتورية.
وعزم السلطان أبو عنان لمّا أخذ قسطنطينية على استعماله بها فبكى لبعد الشقة عن ولده وبلده فتركه. وهو آخر المذكورين من هذا البيت رحم الله الجميع. وصاحب الإشادة المتذدم الذكر هو عم أبي القاسم محمّد بن يحيى هذا لأنَّ صاحب الإشادة كما أسلفنا هو عبد الرحمن بن أبي طالب عبد الله بن محمّد بن أحمد أبن محمّد بن أحمد وهذا محمّد بن يحيى بن أبي طالب عبد الله بن محمّد بن أحمد. وقد عرف في إشادته بابن خبارة ورأيت أن أذكر بعض ذلك فنقول:
هو أبو عمرو ميمون بن علي بن عبد الخالق الخطابي نسبة إلى قبيل من صنهاجة الذي بقطر فاس ويعرف بابن خبارة نسبة إلى خاله الشاعر المشهور بابن خبارة. عرف به أبو عبد الملك المراكشي فقال: كان بارع الخط وكان من أكبر أعاجيب الدهر في سرعة البديهة ناظما أو ناثرا مع الإجادة التي لا تجاري والتفنن في أساليب الكلام معربه وهزله على اختلاف اللغات. تطور كثيرا وتصوف ونسك ووعظ وكان في أخر عمره جانحا إلى امتداح ملوك عصره فكان يأتي في ذلك بما لم يسمع بمثله ولا يطمع في لحاقه بسرعة ارتجاله وحسن افتنان وسرعة امتثال وله في ذلك أخبار غريبة عريقة. وولى بأخرة حسبة الطعام بمراكش.
وذكر أبو عبد الله بن الأبار في التحفة فيمن لم يجد له غير الهجاء وظلمه كما أثبت أبو بكر بن رفاعة الشريشي وقد شهد فيه في كتاب التكملة له بما يخالف ذلك وكناه أبا سعيد وذكر أنه لقيه بإشبيلية وسمع منه بعض كلام في غير ذلك بمالقة وتوفي برباط الفتح في أول سنة سبع وثلاثين وست مائة.
وأنشد له من قصيدة:
وجد النبوة حلة مطويةلا يستطيع الخلق نسج مثالها
فأسر حسوا في ارتغاؤ يبتغيبمحاله نسجا على منوالها
وذكر أنّه قالها بمراكش. انتهى.
قال صاحب الإشادة: قال هذه القصيدة في المأمون بن المنصور حين تبرأ من إمامهم المهدي وأبدى مساوية. وأسقط اسمه من الخطبة وهو المعنى بقوله: وجد النبوة حلة مطوية.
وقد كتب عن أبي عمرو هذا كثيرا من شعره أبو عمرو بن سالم بن صالح النهرواني المالقي الأديب المقيد الضابط وتاريخ إجازته إياه سنة أربع وست مائة. ومات ابن سالم فبله بست عشرة سنة.
ومن شعره أي أبي همرو المذكور يرثي أبا محمّد عبد الله أحمد بن محمّد أبن عبد الملك بن الحافظ أبي بكر بن الجد ويعزي أباه عنه وهو يومئذ وزير إشبيلية وعظيمها وكانت حينئذ حاضرة الأندلس:
أرجة الصعق يوم النفخ في الصورأم دكة الطود يوم الصعق في الطور
أم هدت الأرض إظهارا لمّا زجرتبه الخليفة من إيقاع مخدوع
أم الكواكب في آفاقها انتثرتوباتت الشمس في طي وتكوير
ما للنهار تعرى من ثياب سنىوأشبه الليل في أثواب ديجور
قد كان للصبح طرف زان بلقفقسم الخلق بين الدجن والنور
فما الملم الذي غشى بدهمتهأديمه عنبر من بع كافور
أصح لتسمع من أبائها نبأيطوي من الإنس فيها كل منشور
وانظر فإن بني عدنان ما حشرواإلاّ لرزء عظيم القدر مشعور
وافى مع العيد لا عادت مضاضتهفشاب سلساله الأصفي بتكدير
واعتا دارا لها في السبق جمهرةمن المفاخر أزرت بالجماهير
رمى قريشا فأصمى سهم حادثهأبناء فهر بتفريق المقادير
فحانه الجد في أبن الجد حين قضىوأثر الخطب فيها أي تأثير
لله المجد ما أبقاه من أثرأخرى الليالي بطيب الذكر مأثور
نوارة عندما راقتبدوحتهاأهوت إلى الترب من بين النواوير
جار الذبول عليها بعدما ملأتمعاطس الدهر من طيب وتعطير
وسيف بأس الخطب أغمدهصرف الحوادث فيها بعد تكسير
ثضى فوافق شهر الصيام مرتجلاووافق الشهر في فضل وتطهير
واختاره خاطب الخطب الملم بهللصهر كفئأ فأمضى العقد للحور
فسار للحين مسرورا وخلفاللحزن فاعجب لمجزون بمسرور
نادته أنجشة الأحزان يوم حداأظعان فلبي رفقا بالقوارير
فالوجد والدمع من الحزن قد اقتسماقلبي وجفني بمنظوم ومنثور
فالقلب بالغيظ في تصعيد مستعروالجفن بالفيض في تصويب ممطور
وساق الخطاب يشدو الحاملين بهيسوقهم سوق حادي العير للعير
وللملائك في آفاقها زجلقد شيعته بتهليل وتكبير
أثنى المصاب على شيخ الجزيرة فيعقد وحل وتقديم وتأخير
ز خي طويلة جدا منها:
مقدمات الليالي طالما فضحتنتائج الغدر منها كل مغرور
جمع السلامة معدوم الوجود بهاوكم بها للردى من جمع تكسير
وعامل الموت فيد أحصى مهنديهمنازل العمر عدا دون تكسير
والأرض طرس وهذا الخلق أحرفهوالحرف ما بين ننحو ومبتور
والدهر بالأفعال يظهراهاطورا ويعجم منها كل مسطور
وإنما الخلق أسماء تعاورهاإعرابه بين مرفوع ومجرور
وكلهم في مدى الأعمار تحسبهمكحالها بين ممدود ومقصور
والموت مثل عروضي يقطع منأبياتهم كل موزون ومكسور
يا من يؤمل أن يبقى وقد نفضتأيدي المقادير من إبرام تقدير
هذي الحقيقة لا ما حدثتك بهآمال نفسك عن دنياك من زور
لا تخدعنك الليالي إن فتنتهاكادت فكادت ترينا كل محذور
كم بادرت بعبوس الخطب من ملكقد بات بالبشر وضاح الأسارير
سائل كسرى مليك الفرس هل تركتله المنايا جناحا غير مكسور
وانزلا بصنعاء في قصر ذي يزنتلمم بقصر على الأغيار مقصور
اعبر على حيرة النعمان معتبرتعبر بأطلال نعمى ذات تغيير
وأين من كان سجن الجن في يدهوالإس والجن في قهر وتسخير
وأين مخترق الدنيا بعزمتهيطوى البلاد بها طي الطوامير
بادروا فليس باب الرجل باد يحس بهمنهم وأفناهم ريب الدهارير
هو القضاء أبا بكر أصبت بهفاصبر وسلم تسليم مأجور
والله يحرس دنياكم ويدفع عنسامي معاليك أنواع المحاذير
وحكي أنَّ المتصم يحيى بن الناصر بن المنصور الموحدي ضرب بظاهر مراكش قبة حمراء فبادر إليها العرب والنصارى من عسكر عمه المأمون فقطعوا أطنابها فسقطت فقال في ذلك أبو عمرو هذا من قصيدة:
انظر إلى القبة الحمراء ساقطةلمّا رأت مضر الحمراء عن كثب
من كان أولى بها إن كنت ذا بصرلعجم أو معدن العليا من العرب
ونما سجدت لمّا سمت وغدتفوق الضلال وكانت أعجب العجب
ومن رائق نظم أبي عمرو قوله:
هب النسيم ضحى ففاح المندلوتأرجت منه الصبا والشمال
أسرى عليلا فاستحث إلى الصباصبا بأنفاس الصبا بتعلل
يهوى العذير وساكنيه ومن لهلو كان يدنو منه ذاك المبزل
ما شام برقا بالفضا إلاّ انبرىشوقا على جمر الغضى بتمليل
والبرق في نقع السحائب سيفهسيف الكمى إذا يكر ويحمل
فكأن ذاك البرق واش قد مشىبنميمة والرعد لاح يعذل
وأنا الفداء لجيرة نزلوا الحمىوحمى القلوب هو الحمى والمنزل
وتحلوا يوم الفراق وإنمابقلوبنا يوم الفراق تحملوا
قبسوا ومن قلب المعذب موقدوردوا ومن جفن المعنى منهل
ما ضرهم إذ أعرضوا لو عرضواللوصل أو ذكروا العهود فأقبلوا
حملوا الجمال على الجمال كأنماأفلاكها منها الأهلة تكمل
أبدت لنا حلي الطلى وتبسمتزهرا فراق مقلد ومقبل
ومن العجائب أن أهيم بجنةحلت بقلبي هو نار تشعل
ويهان مرسل ناظري في حبهاومن التناصف أن يعز المرسل
ومن شعره رحمه الله تعالى هذه القصيدة الفريدة التي ندح بها المصطفى ﷺ وأشار إلى جملة من مناقبه الربانية ومآثره العرفانية وآياته
الباهرة ومعجزات الظاهرة ﷺ وشرف وكرم ومجد عظم وبارك انعم وتحنن وترحم وهي قوله:
حقيق علينا أن نجيب المعاليالنفني في مدح الحبيب المعانيا
ونجمع أشتات الأعاريض حسبةونحشد في ذات الإله القوافيا
ونقتاد للأشعار كل كتيبةلنصر الهدى والدين تردى الأعاديا
فألسن أرباب البيان صوارممضاربها تنسي السيوف المواضيا
لنطلع من أمداح أحمد أنجماتلوح فتجلو من سناه الدياجيا
كواكب إيمان تنير فيهتديبأضوائها من بات للحق ساريا
سهوت بمدح الخلق دهري فهذهلجبري كل ما قلت ساهيا
فلا مدح إلاّ للذي بمديحهتطيع إذا ما كنت بالمدح عاصيا
رسول براه الله من صفو نورهوألبسه برادا من النور ضافيا
وما زال ذاك النور من عهد آدمينير به الله العصور الخواليا
ثوى في ظهور الطيبين يصونهوديعه سر صار بالبعث فاشيا
وخص بطون الطيبات بحملهليحمل فرعا بالسيادة زاكيا
به وزن الله الخلائق كلهمفألقاه فيهم راجح الوزن وافيا
وأنقذنا من ناره بظهورهولولاه كان الكل بالشرك صاليا
وآدم لمّا خاف يجزى بذنبهتوسل بالمختار لله داعيا
فتاب عليه الله لمّا دعا بهوأدنا منه بعد ما كان نائيا
وقد يهجر المحبوب في حالة الرضاويأبى إلاّ يصدق واشيا
وعين الرضا عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا
وأدرك نوحا في السفينة رعيةفخلصه الله كان في الموج داعيا
وما زال سام وهو ثاو بظهرهعلى أخويه بالفضائل ساميا
فخصص حتى بالمكان كرامةوأسكن في أعلى البلاد مراقيا
وأنزل حام بالجنوب مجانياويافث في أقصى الشمال مؤازيا
وأنزل سام للفضيلة وحدهبأوسط معمور البلاد الأعاليا
وبادر جبريل الخليل لأجلهليحميه إذ أبصر الجمر حاميا
ويخبر في وقت البلاء يقينهفصادف ورد الخلة العذب صافيا
فقال له: هل تسألني كفايةفجاوبه حسبي بربي كافيا
فكانت عيه النار بردا كما أتىبه وسلاما وهي نار كما هيا
وجازاه في الإسراء عنها نبيناوألهمنا فوق السموات ساريا
فلما انتهى جبريل عند مقامهبحيث تلقى الأمر ألا تماديا
أشار على المختار أن سر فإنهمقامي لا أعدوه ما دمت باقيا
فناداه يا جبريل: هل لك حاجةإلى الله فأسألها لتعطي الأمانيا
فقال له: سله لأبسط رغبةعلى النار منى للعصاة جناحيا
فدلي في أفق المهامه رفرفوزج براق العز في النور راقيا
ومن أجله خص الذبيح فداؤهوفد ظهره المختار أصبح ثاويا
فداه بذبح عظيم الله شأنهلأن كان دهرا في الفيراديس راعيا
وثنى بعد الله حامل فضلهفكان بذاك الفرع للأصل راقيا
لذلك ما قال الرسول منبها:أنا أبن ذبيحيها بعد المعاليا
وعف أبوه إذا دعته لنفسهافتاة رأت نور النبوة غاديا
مضى ولذلك النور بين جبيتهشعاع السنى يعشى العيون الروانيا
فأعرض عنه ثم سار لشأنهوكان له الرحمن بالحفظ واقيا
وعاد وقد أدى أمانة ربهلأمته وعدا من الله ماضيا
ومر على حي الفتاة فنوديتهلمي تصادف لذعة الحب راقيا
فقالت لهم قد كان ذلك مرةلأمر عصينا في هواه النواهيا
أردت بأن أعطي سناه وقد قضىلغيري به من كان بالحق قاضيا
وكم طالب ما لا ينال وقاعدسعادته تبدي له السؤل دانيا
وكم شاهدت من آية أمة بهيصيربها جيد الديانة حاليا
رأت في معاليه مرأئي جمةفصدقت الآثار منه المرائيا
وقيل لها بشاك فزت بخير منيرى فوق أكناف البسيطة ماشيا
وحفت به الأملاك في حين وضعهبليلة إفضال تزين اللياليا
وبشر رضوان الجنان بخلقهففتح جنات النعيم الثمانيا
ونادى منادي العز طوفوا بأحمدجهات الدنا طرا وعموا النواحيا
بدا واضعا كفيه بالأرض رافعابعينيه نحو الأفق بالطرف ساميا
وأعول إبليس اللعين وقال قديئست وقدما كنت للكفر راجيا
وصار إلى صنعاء شيبة جدهفحل محلا للوفادة قاضيا
وحيا بغمدان أبن ذي يزن بهاوهنأه بالملك إذ عاد واليا
فقربه دون الوفود وخصهليسمع قولا في الرسالة شافيا
وقال له أنا وجدنا بكتبنانبيا يرى من نحو أرضك آتيا
يموت أبوه ثم تهلك أمهويكفل بعض العمومة حانيا
وقال له والبيت ذو الحجب زارهوفود الورى جابوا إليه الفيافيا
لأنت على ما يقتضيه الوعد جدهفشيد به للمجد ما كنت بانيا
وقال له احفظ ما أقول فإنهسيملك أرضي إذ رأى الملك واهيا
وقول هرقل إذ أظل زمانهفقال أرى ملك الختان مدانيا
وطالع فيه مصحف الأفق ناظراكما زعمو يستشير الدراريا
فلم تنقض الأيام حتى أتى لهكتاب رسول الله للحق داعيا
فباحث عن أهل مكة ائلاوكان بأوصاف النبيين داريا
ولبى الهدى لمّا دعاه الهوهام قليلا ثم ألفى ساليا
وورد الرضا لا يتدي لسبيلهفيروي به من كان في الله صاديا
وإيوان كسرى ارتج يوم وضعهوبات عليه قصره متداعيا
وزاد برؤيا الموبذان ارتياعهفأذهله أن يستبين المساعيا
وفسرها شق وشق غبارهسطيح بسجع قصَّ ما كان رائيا
فنصا على إرسال أحمد مثبتالدين الهدى بالرغم للكفر ماحيا
وأخمدت النيران نيران فارسوكانت تلظى ألف عام تواليا
وحمل ذاك الحلم حجر حليمةلترضعه در الفضائل صافيا
أبى حملة النسوان لليتيم وانبرتله فرأت من حينا الرزق ناميا
فحاز به السبق الأتان كرامةوأخصب مرعاها ففاق المراعيا
وشارفها إذ لا تبض بقطرةفصارت به ثجا تروى الصواديا
وفي حياه وافاه جبريل قاصداوأقبل ميكائيل بالأمر تاليا
فشقا به صدر النبي لشرحهفكان لمّا يلقى له الله واعيا
ورداه في الحين التئاما فما ترىسوى أثر ما زال للشرح باقيا
وجاءا بمنديل وطست ليغسلابماء الرضا قلبا عن الله راضيا
وعاد أخوه جازعا مخبرا بماجرى من مخوف كان للأمر جاريا
فسارت به من حينه نحو أمهتخاف عليه إن أقام العواديا
وما زال محروسا أمينا مؤمناسبوقا صدوقا سامي القدر عاليا
حبيبا وفيا خاشعا متواضعاكريما حليما يستفز الرواسيا
وفي سيره للشام شام بقربهبروق الهدى من لم يكن قط رائيا
أكب عليه في طريق مسيرهإليها بحيرا للهدى متراميا
ولمّا رأى تلك العلامة لم يزللمّا وافق الكتب القديمة باكيا
وكانت به من غلة الشوق علةفساق له الله الطبيب المداويا
وقصدته في ذي المجاز وعمهبه ظمأ قد صير الصبر فانيا
فأهوى ولا ماء إلى الأرض راكضاففجر ينبوعا من الماء جاريا
وكم بان من يسر لميسرة بهيرد أخا سكر الغواية صاحيا
فكان إذا اشتد الهجير أظلهغمام عليه لا يزال مماشيا
وأخبره نسطور بصري ببعثهفأظهر من غيب الرسالة خافيا
وبغضت الأصنام للمصطفى فلميزل هاجرا فعل الضلالة قاليا
وكان يرى ضوءا يلوح لعينهويسمع تسليما عليه محاذيا
ويأتي حراء للتعبد قاصداحبا لأسباب الوصال مراعيا
ويخرج من بيت البيوت لعلهيحدث عن نفسه في السر خاليا
وكان رآه الله أكرم خلقهفأرسله الحق للخلق هاديا
وأسرى به ليلا إلى حضرة العلافما زال فيها للحبيب مناجيا
وسار على ظهر البراق كرامةله راكبا إذ سار جبريل ماشيا
ولمّا أتاه الوحي وارتاع قلبهلشدة ما قد كان منه ملاقيا
فسارت به عمدا خديجة زوجهلتسأل حبرا بالزمانة فانيا
وكان امرأ قد مارس الكتب قارئاوبات لضيفان المعارف قاريا
فبشره أن سوف يطلع صبحهفيكشف من ليل الغواية داجيا
وقال له يا ليتني كنت حاضرابها جذعا أوليك نفسي وماليا
ووقتك أن يدرك زماني يومهومن لي به أنصرك نصرا مواليا
وآيته في الغار إذ نزلا بهوكان له الصديق بالصدق ثانيا
وقد أرسل الله الحمام لبابهوقارنه بالعنكبوت مضاهيا
فباض على الفور الحمام وشيدامن النسيج أيدب العنكبوت مبانيا
فدافع عن صديقه ورسولهبأضعف أسباب الوجود مقاويا
وكم آية خصت سراقة إذ مشىعلى أثر المختار للغار قافيا
فشاهد آثارا من الخسف كاد أنيكون لقارون السفاه مؤاخيا
ولمّا دعا بالهاشمي أجارهفأبصر في الحين من ذاك ناجيا
وأصبحه منه ظهيرا مكرمابخط أبي بكر يخيف الدواهيا
وأخبره أن سوف يفتح أمرهمدائن كسرى والبلاد الأقاصيا
ويجعل في كفيه من بعد فتحهاسواراه مما يحز الدين ساميا
فأنجرها الفاروق في حين فتحهاله عدة بالصدق فيها مباهيا
وآيته في خيمتي أم معبدوفي الشاة إذ لم تبق تصحب راعيا
وفي الذئب إذ أقعى وأخبر مفصحاعن المصطفى والذئب ما زال عاويا
وفي الضب لمّا أن دعاه أجابهوقال لبيك داعيا
وآيته إذ فارق الجذع فضلهفحن إليه الجذع في الحال شاكيا
وإنَّ انشقاق البدر أعظم آيةترد على من كان للدين زاريا
وفي الجمل الآتي بحضرة صحبهليشكو تكليف المشقة راغيا
وقصته في المحل لمّا دعا لهمفأبصرت سحبا كالجبال هواميا
وسال به وادي قناة لأجلهثلاثين يوما لم يزل متواليا
وفي قصة الزوراء للخلق آيةوذكرى لعبد كان للذكر ناسيا
دعا بإناء ليس ينقع مائهلقتلته بالرى من كان صاديا
ففاض نمير الماء من بين بنانهوكان ضوءا للكتيبة كافيا
وكونه يوم الحديبية التيأفاض بها الله البنان سواقيا
وإشباعهم الجم الغفير بقبضةمن التمر حتى شاهدوا التمر باقيا
وإخباره بالشيء من قبل كونهفيأتي على النص الذي قال حاكيا
فأخبره ذا النورين أن ستصيبهعلى الأمر بلوى تعقب الأجر وافيا
وأخبر عمارا بأن حياتهسيقطعها بالبغي من كان باغيا
وقال لذي السبطين أشقى الورى الذيسيخضبها من هامة الرأس عاصيا
يصادف نور الشيب أبيض ناصعافيسقسه صوب الحتف أحمر قانيا
ونص على السبط الشهيد بكر بلافقام له الدين الحنيفي ناعيا
وفي الحسن الزاكي أبان بأنهسيصلح بين الناس للأجر ناويا
وقال لقوم إن آخركم بهامماتا سيصلى جاحم الجمر حاميا
وقال إذا ما مات كسرى فما ترىسميا له أخرى الليالي مساميا
وأخبر عن موت النجاشي حينهوبينهما بحر من الموج طاميا
وقال على قرب الحمام لبنتهتموتين بعدي فافرحي بلقائيا
وآياته جلت من العد كثرةفما تبلغ الأقوال منها تناهيا
وأعظمها الوحي الذي خصه بهفبلغ عنه آمرا فيه ناهيا
تحدى به أهل البين بأسرهمفكلهم ألفاه بالعجز وانيا
وجاء به وحيا صريحا يزيدهمرور الليالي جدة وتعاليا
تضم أحكام الوجود بأسرهاوحكم القضاء مثبتا فيه نافيا
وأخبر عما كان أو هو كائنيرى ماضيا أو ما يرى بعد آتيا
ووافق أخبار النبيين كلهموتمم بالغابات منها المباديا
وما كتبت يمناه قط صحيفةولا رئ يوما للصحائف تاليا
﵇ الله زال رائحاعليه مدى الأيام منا وغاديا
ولتكن هذه القصيدة الفريدة النبوية آخر ما أوردناه في روضة الورد فقد طال الكلام واتسع وكثر السرد على أنَّ ما تركناه أكثر مما جلبناه وقد انثالت علينا أشغال شاغلة من خطوب الدهر والله يبلغنا من رضوانه ما طلبناه.
ونسأل الله تعالى حسن الختام وأن يدفع عن قلوبنا القتام بجاه سيدنا ومولانا محمّد المصطفى خير الأنام ﷺ الذي جعلنا مديحه مسك الختام.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع