من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ابن زمرك (٥)
الصفحة ١ من ٢
وأنشد في لحده المقدس ﵀ في المعنى قوله:
ضريح أمير المسلمين محمّديخصك ربي بالسلام المردد
وحياك من روح الإله تحيةمع الملإ الأعلى تروح وتغتدي
وشقت جيوب الزهر فيك كمائميرف بها الريحان عن خضر ندى
وصابت من الرحمى عليك غمائمتروى ثرى هذا الضريح المنجد
وزارتك من حور الجنان أوانسنواعم في كل النعيم المخلد
وجاءتك بالبشرى ملائكة الرضاكما جاء في الذكر الحكيم الممجد
وصافح منك الروض أطيب تربةوعاهد المزن أكرم معهد
رضا الله والصفيح الجميل وعفوهيوالي على ذلك الصفيح المنضد
ويا صدفا قد حاز من جوهر العلالكل نفيس بالنفاسة مفرد
أعندك أنَّ الحلم والعلم والحجاوزهر الحلى أدرجت طي ملحد
وهل أنت إلاّ هالة القمر الذيبنور هداه الشهب تهدي وتهتدي
ويا عجبا من ذلك الترب كيف لايفيض ببحر للسماحة مزبد
لقد ضاقت الأكوان وهي رحيبةبما حزت من فخر عظيم وسؤدد
قدمت على الرحمن أكرم مقدموزودت من رحماه خير مزود
أقام بك المولى الإمام محمّدمؤمل فوز بالشفيع محمّد
فجاء كما يرضى وترضى به العلاوأنجز للآمال أكرم موعد
ومدينة ظلال العدل في كل وجهةوكف أكف البغي من كل معتدي
وقام بمفروض الجهاد عن الورىوعود دين الله خير معود
قضى بعد ما قضى الخلافة حقهاوعامل وجه الله في كل مقصد
وفتح بالسيف الممالك عنوةومدت له أملاكها كف مجتدي
وكسر تمثال الصليب وأخرستنواقيس كانت للضلال بمرصد
وطهر محرابا وجدد منبراوأعلن ذكر الله في كل مسجد
ودانت له الأملاك شرقا وغرباوكلهم ألقى له الملك باليد
وطبق معمور البسيطة ذكرهوسارت به الركبان في كل فدفد
وسافر عن دار الفناء ليجتنيبما قدم اليوم السعادة في غد
وقام بأمر الله حق قيامهبعزمة لا وان ولا متردد
لثن سار للرحمن خير مودعوحل من الفردوس أشرف مقعد
فقد خلف المولى الخليفة يوسفاله غر المساعي ويبتدي
سبيلك في سبيل المكارم يقتفيوهديك يا خير الأئمة يقتدى
محمّد جلى الخطب من بعد يوسفويوسف جلى الخطب بعد محمّد
ولو وجد الناس الفداء مسوغافداك ببذل النفس كل موحد
ستبكيك أرض كنت غيث بلادهاوتبكيك حتى الشهب في كل مشهد
وتبكي عليك السحب ملء جفونهابدمع يروي غلة المجدب الصدي
وتلبس فيك النيرات ظلامهاحدادا ويذكى النجم جفن مسهد
وما هي إلاّ أعين قد تسهدتفكحلها نجم الظلام بإثمد
فلا زلت في ظل النعيم مخلداونجلك يحيا بالبقاء المخلد
وأوردك الرحمن حوض نبيهوأصدر من خلفت عن خير مورد
علك سلام مثل حمدك عاطرايفض ختام المسك عن تربك الندى
وصلى على المختار من آل هاشمصلاة بها نرجو الشفاعة في غد
ثم قال: وقال أيضاً في هذا الغرض من رثائه ومدح مولانا الوالد في أثنائه:
سلام على الدنيا جميعا وما فيهاغدات نعت شمس الخلافة من فيها
نعت ملك الأملاك والكلمل الذييكف عواري الحادثات ويكفيها
عميد بني الأنصار غير مدافعومحي معاليها ومولى مواليها
وبدر دياجها وشمس نهارهاوبشر محياها ونور مجاليها
خفا الكواكب الوقاد قد كان نورهيجلى من الدهم الخطوب دياجها
هوى القمر الوضاح من أفق العلافأظلم جو النيرات بساريها
وقد كسفت شمس الهداية بعدماأبان سبيل الحق للخلق هاديها
هو الجبل الراسي تصدع بعد ماأقرت به شم الجبال رواسيها
يعز على دين الهدى أنَّ شمسهيطول بأطباق التراب تواريها
يعز على زهر النجوم متى سرتولا تلمح الهدى الذي كان يهديها
لأندلس ثكل عليه مرددله لبست سود المسوح نواحيها
ثلاثين حولا بعد خمس تعودتيدافع عنها كل خطب ويحميها
أبيه للرايات يخفق بندهاوفي مرقاب النصر المؤزر يعليها
أبيه للخيل المغيرةبالضحى وقد أبعد الفتح الميبن مراميها
ويبكيه معمور البسيطة كلهاوما ضم من داني البلاد وقاصيها
وتبكيه سحب أخجلتها بنانهوترسل دمع الغيث حزناً مآقيها
وتبكيه حتى الشهب في أفق العلاوتلبس جلباب الظلام جواريها
عزاء أمير المسلين فإنهامقادير رب الخلق في الخلق يجريها
هو الموت ورد للخليفة كلهاأواخرها تقفو سبيل أواليها
وما بيننا حي وما بين آدمإلاّ هكذا سوى البرية باريها
وفي موت خير الخلق أكبر أسوةتصبر أحرار النفوس وتسليها
أمولاي لو كان الفداء مسوغافديناك بالدنيا جميعا وما فيها
أمولاي كم من نعمة لك عندناإذا نحن رمنا حصرها ليس بحصيها
أمولاي خلفت العبيد إلى الأسييناجيك من فرط الشجون مناجيها
وقد مات منا الصبر إلاّ صبابةبذكرك في جنح الدجنة نحييها
أمولاي يا مولاي هل أنت سامعيأبثك ما يشجى القلوب ويدميها
تحفيت بي حتى نضوت شبيبتيعزيزا وجيها حيثما رمت توجيها
وقد كان ظني أن تكون جنازتييشيعها منك الرضا ويواريها
وقد عشت حتى ذقت فقدك قلماتبلغ نفس ما تريد أمانيها
ز لولا أبو الحجاج نجلك لم يكنلدين الهدى كرات بحر يزجيها
ولكنه والله يجمل صبرهمناقبك الغر الكرام سيحييها
فخلفتنا منه لأكر كافليحمل أعباء الخلافة كافيا
سريرته الرحمى وسيرته الرضاوأخلاقه الغر الكريمة تدريها
وسيلتك العظمى وظلك فوقناوعمدتنا والله في العز يبقيها
فما كنت إلاّ الشمس قد غربت لناوأنوارها بدر التمام يجليها
وما أنت المسك إن تخف ذاتهيم بها العرف الذكي فيفشيها
إلاّ قدس الرحمن نفيسا كريمةبكل عزيز في الوجود نفديها
وبشرى لنا أنَّ السعادة نزلهاوأنَّ رضا الله الكريم يرضيها
وحاشا وكلا أن تضيع وسائلسيذخرها الرب الكريم وينشيها
فكم من جهاد رفعت بنودهوقد أثمرت فيها المعالي عواليها
كسرت تماثيل الصليب وأخرستنواقيس كانت بالضلال تناغيها
وكم من منار قد أعدت أذانهوأعلن فيه دعوة الحق داعيها
وكم من رياض للكتائب قد غدتتضيق بمستن الجياد نواحيها
وملتف زرع الأسنة مزهرولكن به المران تحلو مجانيها
إذا ظمئت منها الذوابل في الوغىجداول أنهار السيوف ترويها
غرس زكي للجهاد غرستهفصرت إلى دار السعادة تجنيها
ولو لم يكن إلاّ سنين قطعتهارهين شكاة لا تزال تعانيها
صبرت لها صبر الكرام وإنماذخرت أجورا فضل ربك جازيها
أمالك في الأنصار خير وسيلةوقد كنت بالنصر العزيز تحييها
وحسبك بالمختار أكرم شافعوسنته والله لا زلت تحييها
على علم الدنيا وفخر ملوكهاتحية رب لا يزال يواليها
سأبكيه ما دام الحمام مطوقاوما سجعت تبكي الهديل قماريها
وأهديه من طيب السلام معطراكما فتقت أيدي التجار غواليها
وأسبل رب العرش سحب كرامةنسخ على ذاك الضريح غواديها
ونسأل فتحا للخليفة يوسفيملكه أقصى البلاد ومن فيها
ثم ذكر هذا المؤلف جملة نظم أبن زمرك في السلطان أبي الحجاج واستعطافه وما يهز له لرضا من شمائل أعطافه ومنها:
بما قد حزت من كرام الخلالبما أدرت من رتب الجلال
بما خولت من دين ودنيابما قد حزت من شرف المعالي
بما أوليت من صنع جميليطابق لفظه معنى الكمال
تغمدني بفضلها واغتفرهاذنوب في الفعال وفي المقال
ثم قال: ومن ذلك أيضاً يخاطب أخانا السلطان أبا عبد الله رحمه الله تعالى متوسلا بقديم ذمامه والخدم المتدععة من نظامه:
أتعطش أولادي وأنت غمامةتعم جميع الخلق بالنفع والسقيا
وتظلم أوقاتي ووجهك نيرتفيض به الأنوار للدين والدنيا
وجدك قد سماك ربك باسمهوأورث الرحمن رتبته العليا
وقد كان أعطاني الذي أنا سائلوسوغني من غير شرط ولا ثنيا
وشعري في غر المصانع خالديحييه عنى في الممات وفي المحيا
وما زلت أهدي المدح مسكا مفتقافتحمله الأرواح عاطرة الريا
وقد كثر العبد التشكي وأنّهوحقك يا فخر الملوك قد استحيا
وما الجود إلاّ ميت غير أنّهإذا نفخت يمناك في روحه يحيا
فمن شاء أن يعدو لدين محمّدفيدعو لمولانا الخليفة بالبقيا
ثم ذكر قصائد كثيرة ومقطوعات في مدحه لأخيه أبي عبد الله إلى أن قال: وقال أيضاً وقد نزل بالولجة من مرج الحضرة:
منزل اليمن والرضا والسعودأنجزت فيه صادقات الوعود
كل يوم نزاهة إن تقضتأنشدتها السعود بالله عودي
جمع المستعيف وصف الكمالبين بأس عم الملوك وجود
فاهن في غبطة وعزة ملكأنت والله فخر هذا الوجود
وقال أيضاً مشيرا لتوليته العلامة:
لك غرة ود الصباح جمالهاومحاسن تهوي البدور كمالها
وشمائل تحكي الرياض خلالهاوأنامل ترجو الأنام خلالها
للمستعين خلافة نصريةعرفت ملوك العالمين جمالها
وأنا الذي قد نال منك معاليهاتهوي النجوم الزاهرات منالها
تهديه ما قد نلته من بعضهاوالفخر كل الفخر فيمن نالها
في كل يوم منك منة منعملو طاولت سمك العلا ماطالها
بلغت آمال العبيد فبلغتفيك العبيد من البقا آمالها
ثم قال: وقال أيضاً وكتبها إليه مع خمسة أقلام:
أيا ملكا لم يبد للعين حسنةسوى ملك قد حل من عالم القدس
لك الخير خذها كالأنامل خميةتعوذ مرآك المكمل بالخمس
فمن أبصرت عيناه مرآك فليقلأعوذ برب الناس أو آية الكرسي
ثم قال بعد ذكر قصيدة: وقال يخاطب مولانا الوالد رحمه الله
وقد مر معه بفحص رية والثلج قد عم أنديته وبسط أرديته في وجهة توجهها مولانا الجد ﵀:
يا من رتب المعالي تعتليومعالم الفخر المشيد تبتني
ازجر بهذا الثلج فألا إنهثلج اليقين بنصر مولانا الغني
بسط البياض كرامة لقدومهوافتر ثغرا عن مسرة معتني
فالأرض جوهرة تلوح لمجتلوالدوح مزهرة تفوح لمجتنى
سبحان من أعطى الوجود وجودهليدل منه على الجواد المحسن
وبدائع الأكوان في إتقانهاأثر يشير إلى البديع النقتن
ثم قال: ومن غير السلطانيات مما بز فيه سبقا وتبريزا وعرضه على نقدة البيان فرأت منه كل مذهبة خلصت إبريزا مرثيته للقاضي المعظم الشريف أبي القاسم الحسني من شيوخه أنجزها الوعد السابق في المقدمة بها:
أغرى سراة الحي بالإطراقنبأ أصم مسامع الآفاق
أمسى به ليل الحوادث داجياوالصبح أصبح كاسف الإشراق
فجع الجميع بواحد جمعت لهشتى العلا ومكارم الأخلاق
هبوا لحكمكم الرصين فإنهصرف القضاء فما له من واق
نفش الزمان بصرفه في صفحة:كل جماع مؤذن بفراق
ماذا ترجى من زمانك بعدماعلق الفناء بأنفس الأعلاق
من تحسد السبع الطباق علاءهعالوا عليه في الثرى بطباق
إنَّ المنايا للبرايا غايةسبق الكرام لخصلها بسباق
لمّا حسبنا أن تحول أبؤساكشفت عوان حروبها عن ساق
ما كان إلاّ البدر طال سرارهحتى رمته يد الردى بمحاق
أنف المقام مع الفناء نزاهةفنوى الرحيل إلى مقام باقي
عدم الموقف في مرافقة الدنافثنى الركاب إلى الرفيق الباقي
أسفا على ذلك الجلال تقلصتأفياؤه وعهدن خير رواق
يا آمري بالصبر عيل تصبريدنى عدتك لواعج الأشواق
وذر اليراع تشي بدمع مدادهاوشى القريض يروق في الوراق
يا حسرتي للعلم أقفر ربعهوالعدل جرد أجمل الأطواق
ركدت رياح المعلوات لفقدهاكسدت به الآداب بعد نفاق
كم من غوامض قد صدعت بفهمهاخفيت مداركها على الحذاق
كم قاعد في البيد فوق قعودهقعدت به الآمال دون لحاق
لمن الركائب بعدك تنتضيما بين شأم ترتمي وعراق
تفلى الفلا بمناسم مفلولةتسم الحصى بنجيعها الرقراق
كانت إذا اشتكت الوجى وتوقفتيهفو نسيم ثنائك الخفاق
فإذا تنسمت الثناء أمامهامدت لها الأعناق في الإعناق
يا مزجي البدن القلاص خوافقارفقا بها فالسعي في إخفاق
مات الذي ورث العلا عن معشرورثوا تراث المجد باستحقاق
رفعت لهم رايات كل جلالةفتميزوا في حلبة السباق
علم الهدة وقطب أعلام الورىحرم العفاة لمجتني الأرزاق
رقث سجاياه وراقت مجتلىكالشمس في بعد وفي إشراق
كالزهر في لألائه والبدر فيعليائه والزهر في الإبراق
مهما مدحت سواه قيد وصفهوصفاته حمد على الإطلاق
يا وارثا نسب النبوة جامعافي العلم والأخلاق والأعراق
يا بن الرسول وإنها لوسيلةيرقى بها أوج المصاعد راقي
ورد الكتاب بفضلهكم وكمالكمفكفى ثناء الواحد الخلاق
مولاي إني في علاك مقصرقد ضاق علم النجوم نطاقي
ومن الذي يحصى مناقب فضلكمعد الحصى والرمل غير مطاق
يهني قبورا زرتها فلقد ثوتمنا مصون جوانح وحداق
خط الردى منها سطورا نصها:لا بد أنك للفناء ملاق
ولحق ترجمة الكتاب وصدرهوفوائد المكتوب في الألحاق
كم من سراة في القبور كأنهمفي بطنها در ثوى بحقاق
قل للسحاب اسحب ذيولك نحوهوالعب بصارم برقك الخفاق
أودي الذي غيث العباد بكفهيزري بواكف غيثك الغيداق
إن كان صوبك بالمياه فدرهادر يروض ما حل الإملاق
بشر كثير قد نعموا لمّا نعىقاضي القضاة وغاب في الأطباق
ألبستهم ثوب الكرامة ضافياوأرحت من كد ومن إرهاق
يتفيئون ظلال جاهك كلمالفحت سموم الخطب بالإحراق
عدموا المواقف في فراقك وانطوىعنهم بساط الرفق والإرفاق
رفعوا سريرك خافضين رءوسهمما منهم إلاّ حليف سياق
لكن مصيرك للنعيم مخلداكان الذي أبق على الأرماق
ومن العجائب أن يرى بحر الندىطود الهدى يسري على الأعناق
إن يحملوك على الكواهل طالماقد كنت محمولا على الأحداق
أو يرفعوك على العواتق طالمارفعت ظهر منابر وعتاق
ولئن رحلت إلى الجنان فإننانصلى بنار الوجد والأشواق
لو كنت تشهد حزن من خلفتهلثنى عنانك كثرة الإشفاق
أن جن ليل جن من فرط الأسىوسوى كلامك ماله من راق
فابعث خيالك في الكرى يبعث بهميت السرور لثاكل مشتاق
أغليت يا رزء التصبر مثلماأرخصت در الدمع في الآماق
إن يخلف الأرض الغمام فإننيأسقي الضريح بدمعي المهراق
ومن أوليات نظمه يخاطب شيخه الوزير أبا عبد الله بن الخطيب ﵀ مادحا قوله من قصيدة مطلعها: أما وانصدع النور من مطلع الفجر يقول فيها بعد أبيات:
لك الله من فذلك الجلالة أوحدتطاوعه الآمال في النهي والأمر
لك القلم الأعلى الذي طال فخرهعلى المرهفات البيض والأسل السمر
يقلد أجياد الطروس تمائمابصنفي لآل من نظم ومن نثر
تهيبك القرطاس فاحمر إذ غدايقل بحور من أناملك العشر
كأن رياض الطرس خد مورديطرزه وشي العذار من الحبر
فشارة على الملك رائقة الحلىبألوية حمر وبالصحف الحمر
وما روضة غناء عاهدها الحيابها وشى الربيع يد القطر
تغنى قيان الطير في جنباتهافيرقص غصن ألبان في حلل خضر
تمد لأكواس العرار أناملامن السوسن الغض المختم بالتبر
ويحرس خد الورد صام نهرهاويمنع ثغر النور بالذابل النضر
يفاخر مرآها السماء محاسنافتزرى نجوم الزهر منها على الزهر
إذا مسحت كف الصبا جفن نورهاتنفس ثغر الزهر عن عنبر الشحر
بأعطر من ريا ثنائك في السرىوأبهر حسنا من شمائلك الغر
عجبا له يحكى خلال خميلةوتفوق منه الأسد في موقف الذعر
إذا أضرمت من بأسها الحرب جاحماتأجج منه العضب في لجى البحر
وإن كلح الأبطال في حومة الوغىترقرق ماء البشر في صفحة البدر
لك الحساب اوضاح والسؤدد الذينطاق الوصف فيه عن الحصر
تشرفت أفق أنت بدر كمالهفغرناطة تختال تيها على مصر
تكلل تاج الملك منك محاسناوفاخرت الأملاك منك بنو نصر
بعزمة مضمون السعادة أوحدوغرة وضاح المكارم والنجر
طوى الحيف منشور اللواء مؤيداحمى الإسلام بالطي والنشر
ومدينة ظلال الأمن إذ قصر العدافيتلى ثناء الملك بالمد والقصر
إذا احتفل الإيوان يوم مشورةوتضطرب الآراء من كل ذي حجر
صدعت بفضل القول غير منازعوأطلعت آراء قبس من الفجر
فإن تظفر الخيل المغيرة بالضحىفعن رأيك الميمون تظفر بالنصر
فلا زلت للعلياء تحمى ذمارهاوتسحب أذيال الفخار على النسر
وللعلم فخر الدين والفتك بالعدابأوت به يا بن الخطيب على الفخر
يهنيك عيد الفطر من أنت عيدهويثنى بما أوليت من نعم غر
جبرت مهيضا من جناحي ورشتهوسهلت لي من جانب الزمن الوعر
وبوأتني من ذروة العز معتلىوشرفتني من حيث أدري ولا أدري
وسوغتني الآمال عذبا مسلسلاوأسميت من ذكرى ورفعت من قدري
فدهير عيد بالسرور وبالمنىوكل ليالي العمر لي ليلة القدر
فأصبحت مغبوطا على خير نعمةيقل لأدناها الكثير من الشكر
قال: وكتب إليه جوابا عن رسالة خاطب أولاده بها صدرها: مالي بحمل الهوان يدان قال جامع هذا الموضوع وفقه الله تعالى: هذه قد تقدمت في هذا الموضوع فراجعها.
ثم قال: وكتب إليه جوابا عن آخر كذلك:
حيت صباحا فأحييت ساكني القصبةواسترجعت أنفسا بالشوق مغتصبة
قضى البيان لها إلاّ نظير لهافأحرزت من معاني فضله قصبة
ناجت طليح سرى لا يستفيق لهاهدت جوارحها واستوهنت عصبة
فحركته على فتك الكلال بهوأذهبت بسرور الملتقى نصبه
وأذكرت عهد مهديها على شحطفعاود القلب من تذكاره وصبه
ما كنت أسمح من ذهري بجوهرهلو كان يسم لي بالقلب من غصبة
سل أدمع الصب من أغرى السحاب بهاوقلبه بجمار الشوق من حصبة
فالله يحفظ مهديها ويشكرهفوجهها بعصاب الحسن قد عصبه
من كان وارث آداب يشعشعهابالفرض إني في إرثي لها عصبة
هذا الملاذ ملاذ الناس قاطبةسبحان من لغياث الخلق قد نصبه
وخاطب كذلك:
طالعتها دون الصباح صباحالمّا جلت غرر البيان صباحا
ولقد رأيت وما رأيت كحسنهاوجها أغر ومبسما وضاحا
عذراء أرضعها البيان لبانهوأطال مغدى عندها ومراحا
فأتت كما شاءت وشاء نجيهاتذكى الحجا وتنعم الأرواح
لا بل كمثل الروض باكره الحياوسقى به زهر الكمام ففاحا
وطوت بساط الشوق منى بعدهانشرت على من القبول جناحا
وخاطبه كذلك:
يكلفني مولاي رجع جوابهوما لتعاطي المعجزات وما ليا
أجيبك للفضل الذي أنت أهلهوأكتب مما قد أفدت الأماليا
فأنت الذي طوقتني كل منةوأحييت آمالي وأكسبت ماليا
وأنت الذي أعدى الزمان كمالهوصيرت أحرار الزمان مواليا
فلا زلت للفعل الجميل مواصلاولا زلت للشكر الجزيل مواليا
وخاطبه كذلك:
ذروني فأني بالعلاء خبيرأشير فإن النيرات تسير
وكم بت أطوي الليل في طلب العلاكأني إلى نجم السماء سفير
بعزم إذا ما الليل مدينة رواقهيكر على ظلمائه فينير
أخو كلف بالمجد لا يستفزهمهاد إذا جن الظلام وثير
ذاما طوى يوما على السر كشحهفليس له حتى الممات نشور
وإني وإن كنت الممنع جارهلتسبى فؤادي أعين وثغور
وما تعتريني فترة في مدى العلاإلى أن أرى لحظا عليه فتور
وفي السرب من نجد ظبيةتصول على ألبابنا وتغير
وتمنع ميسور الكلام أخا الهوىوتبخل حتى بالخيال يزور
أسكان نجد جادها وأكف الحياهواكم بقلبي منجد ومغير
ويا سكنى بالأجرع الفرد من منىوأيسر حظ من رضاك كثير
ذكرتك فوق البحر والبعد بيننافمدته من فيض الدموع بحور
وأومض خفاق الذؤابة بارقفطارت بقلبي أنه وزفيره
ويهفو فؤادي كلما هفت الصباأما لفؤادي في هواك نصير
ووالله ما أدري أذكرك هزنيأم الكأس ما بين الخيام تدور
فمن مبلغ عني النوى ما يسؤهاوللبين حكم يعتدىو يجور
بأنا غدا وبعده سوف نلتقيونمسي ومنا زائر ومزور
إلى كم أرى أكني ووجدي مصرحوأخفي اسم من أهواه وهو شهير
أمنجد آمالي ومغلي كاسديومصدر جاهي والحديث كثير
أنَّ أنسى ولا أنسى مجالسك التيبها تلتقي نضرة وسرور
نزورك في جنح الظلام وننثنيوبين يدينا من حديثك نور
على أنني إن غبت عنك فلم تغبلطائف لم يحجب لهن سفور
نروح ونغدو كل يوم وعندهارواح علينا دائم وبكور
فظلك فوقي حيثما كنت وارفومورد آمالي لديك نمير
وعذرا فأني إن أطلت فإنماقصارى من بعد البيان قصور
وكتب إليه خاتمة رسالة كذلك:
وحقك ما استطعت بعدك غمضةًمن النوم حتى آذن النجم بالغروب
وعارضت مسرى الريح قلت لعلهاتنم بريا منك عاطرة الهبوب
إلى أن بدا وجه الصباح كأنهمحياك إذ تجلى بغزته الخطوب
فقلت لقبي استشعر الأنس وابتهجفإنَّ تبعد الأجسام لم تبعد القلوب
وسر في ضمان الله حيقث توجهتركابك لا تخشى الحوادث أن تنوب
ثم قال: وقال - بعد إيراد جملة من نظمه في النسيب وما يناسبه - يصف مصباحاً:
لقد زادني وجداً بي الجوىذبال بأذيال الظلام قد التفا
تشير وراء الليل منه بنانةمخضبة والليل قد حجب الكفا
تلوح سناناً حين لا تنفح الصباوتبدو سروراً حين تثنى له العطفا
قطعت بها ليلي يطار حتى الجوىفآونة يبدو وآونةً يخفى
إذا قلت لا يبدو أسال لسانهوإن قلت لا يخبو الضياء به كفا
إلى أن أفاق الباح من غمرة الدجىوأهدى نسيم الروض من طيبه عرفا
لك الله يا مصباح أشبهت مهجتيوقد شفها من لوعة الحب ما شفا
ثم قال وكتب له صدر رسالة:
أزور بقلبي معهد الأنس والهوىوأنهب من أيدي النسيم رسائلا
ومهما سألت البرق يهفو من الحمىيبادر به دمعي مجيباً وسائلا
فيا ليت شعري والأماني تعللأيرعى لي الحي الكرام الوسائلا
وهل يجيرني الأولى كما قد عهدتهميوالون بالإحسان من جاء سائلا
ثم قال بعد أن ذكر عدة قطع: وقال يصف الزرافة في قصيدة مدح بها السلطان أبا سالم ملك المغرب ﵀ وقد ورد عليه بها وفد الأحابش في هدية من ملكهم، ونصها:
لولا تألق بارق التذكارما صاب واكف دمعي المدرار
لكنه مهما تعرض خافقاًقدحت يد الأشواق زند أواري
﵇ المشوق إذا تذكر معهداً أن يغري الأجفان باستعبار
أمذكري غرناطة حلت بهاأيدي السحاب أزرة النوار
كيف التخلص للحديث ودونهاعرض الفلاة وطافح زخار
هذا على أنَّ التغرب مركبيوتولج الفيح الفساح شعاري
فلكم أقمت غداة زمت عيسهمأبغي القرار ولات حين قرار
وطفقت استقري المنازل بعدهميمحو البكاء مواقع الآثار
إنا بني الآمال تخدعنا المنىفنخادع الآمال بالتسيار
نتجشم الأهوال في طلب العلاونروع سرب النوم بالأفكار
لا يجوز المجد الخطير سوى امرئيمطي العزائم صهوة الأخطار
إلا يفاخر بالعتاد ففخرهبالمشرفية والقنا الخطار
مستبصر مرمى العواقب واصلفي حمله الإيراد بالإصدار
فاشد ما قاد الجهول إلى الردىعمه البصائر لا عمى الأبصار
ولرب مربد الجوانح مزبدٍسبح الهلال بلجه الزخار
فتقت كمائم جنحه عن أنجمٍسفرت زواهرهن عن أزهار
مثلت على شاطي المجرة نرجساًتصطف منه على خليج جاري
فكأنما بدر التمام بجنحهوجه الإمام بجحفل جرار
وكأنما خمس الثريا راحةذرعت مسير الليل بالأشبار
اسرجت من عزمي مصابيحاً بهاتهدي السراة لها من الأقطار
وارتاع من بازي الصباح غرابهلمّا اطل فطار كل مطار
ومنها:
وغريبةٍ قطعت إليك على الونىبيداً تبيدها هموم الساري
تنسيه طيبته التي قدأمهاوالركب فيها ميت الأخبار
يقتادها من كل مشتمل الدجىوكأنما عيناه جذوة نار
تشدو بحمد المستعين حداتهايتعللون به على الأكوار
إن مسهم لفح الهجير أبلهممنه نسيم ثنائك المعطار
خاضوا بها الفلا فتخلفتمنها خلوص البدر بعد سرار
سلمت بسعدك من غوائل مثلهاوكفى بسعدك حامياً لذمار
وأتتك يا ملك الزمان غريبةقيد النواظر نزهة الأبصار
موشية الأعطاف رائعة الحلىرقمت بدائعها يد الأقدار
راق العيون أديمها فكأنهروض تفتح عن شقيق بهار
ما بين مبيض وأصفرٍ فاقعٍسال اللجين به خلال نضار
يحكي حدائق نرجسٍ في شاهقٍتنساب فيه أرقام الأنهار
تحدو قوائم كالجذوع وفوقهاجبل أشم بنوره متواري
وسمت بجيد مثل جذع مائلسهل التعطف لين خوار
تستشرف الجدران منه ترائباًفكأنما هو قائم بمنار
تاهت بكلكلها وأتلع جيدهاومشى بها الأعجاب مشي وقار
خرجوا لها الجم الغفير وكلهممتعجب من لطف صنع الباري
كل يقول لصحبه قوموا انظرواكيف الجبال تقاد بالأسيار
ألقت ببابك رحلها ولطالماألقى الغريب به عصا التسيار
علمت ملوك الأرض انك فخرهافتسابقت لرضاك في مضمار
يتبوءون به وإن بعد المدىمن جاهك الأعلى أعز جوار
فارفع لواء الفخر غير مدافعٍواسحب ذيول العسكر الجرار
واهنأ بأعياد الفتوح مخولاًما شئت من نصرٍ ومن أنصار
وإليكها من روض فكري نفحةشف الثناء بها على الأزهار
في فضل منطقها ورونق رسمهامستمتع الأسماع والأبصار
وتميل من أصغى لها فكأننيعاطيته منها كئوس عقار
وقال رحمه الله تعالى يخاطب كتاب الإنشاء بالمغرب وقد حضر هنالك ميلاد الرسول)، وانشد قصائدهم، وأستنجز بعد ذلك وعدهم بتقييد نسخها بمقطوعات مرتجلة أجابوه عنها، منها:
أكتيبة الكتاب أيد جمعكمبعناية المولى الخليفة أحمد
لا تمطلوا دين الغريب فأننيمنكم وإنَّ رغمت لذلك حسدي
زينتم حفل البيان بسحركماليوم زينة سحركم من موعد
فلتسمحوا لي بالقصائد عاجلاولتبلغوا مما أؤمل مقصدي
وقال أيضاً:
أيا علية الكتاب منصفٍعليكم بكم في مقطع الحق يستعدي
سمحتم بنظم الدر في لبة العلافكم راق من سمط هناك ومن وعقد
فما ضركم أنَّ تسمحوا ليس بكتابهافتستجزلوا شكري وتستجيبوا احمدي
وقال أيضاً:
ما عذركم أنَّ لم تجدوا بعدماملكتم كف الخليفة أحمد
فلتبعثوا لي كل بكرة فذةٍتأتي بفخر خلالها وسط الندي
وكتب إليهم في المعنى أيضاً وقد كان السلطان أبو العباس أعطاه قصيدة من نظمه تلك الليلة:
ظلالكم تندو وموردكم عذبوترضون أنَّ أضحى وبالملح لي شرب
وانتم وما أنتم غمائم رحمةٍتصوب وأحلام العفاة لها تصبو
أفيضوا علينا وأنظرونا بفضلكملنقتبس نوراً لا يخيب ولا يخبو
ألفت الهوى حتى أنست بجورهفكل عذاب نالني في الهوى عذب
وقلت لجسمي إنه ثوبك الضنيوقلت لقلبي إنه إلفك الحب
وقالوا صبا والشيب لاح صباحهفقلت ببيض كالصباح أنا صب
نهبت عذاري الحي ليلة عرضهاوقد جلبت منها لمبصرها شهب
ولم أر منها غير رجع حديثهافتجهل منها العين ما يعرف القلب
عراب إذا استنت بشأو بلاغةٍتقصر من دون اللحاق لها العرب
وإنَّ أسندت ما بين نجد وحاجرتقول رواة الشرق يا حبذا الغرب
فنعمة صدق للخلافة قد ضفتعلى من حواه من مهابته حجب
وجو صقيل قد جلته يد الصبايسافر طرف الطرف فيه فما يكبو
فلولا التي من دونها طاعة الهوىلحقت بها حولي الأباريق والشرب
ولكن نهاني الشيب إنَّ أقرب الهوىإذا لم يتح ممن أحب لي القرب
فلا تمطلوا دين المعلل عن غنيفجانبكم سهل ومنزلكم رحب
وإنَّ لم تروني كفهن ترفعاوصدكم من دون خطبها خطب
فمولاي قد أهدى العميد عقيلةيكلِّلها من لفظها اللؤلؤ الرطب
أدارت كئوسا من مدام صبابةكما امتزج الصهباء والبارد العذب
فوالله لولا موعد يومه غدلواجهتكم مني على مطلبي العتب
أكتاب مولانا الخليفة أحمدوحسبكم الفخر العميم به حسب
به اعتزت الآداب وامتد باعهاوطالت يداها واستخف بها العجب
فلو لم يكن بالفضل تنفق سوقهالكان يقال التبر في أرضه ترب
بقيتم به في ظل جاهٍ وغبطةٍتخب إلي لقيا نجيبكم النجب
وقال يراجع الكتاب أبا زكريا بن أبي دلامة منهم، وقد أجابه رحمه الله تعالى عليه:
على الطائر الميمون والطالع السعدأتتني مع الصنع الجميل على وعد
وأحييت يا يحيى بها نفس مغرمٍيجيل جياد الدمع في ملعب السهد
نسيت وما أنسى وفائي وخلتيوأقفر ربع القلب إلاّ من الواجد
وما الطال في ثغر من الزهر باسمبأذكى وأصفى من ثنائي ومن ودي
فأصدقتها من بحر فكري جواهراتنظم من در الدراري في عقد
وكنت أطيل القول لولا ضرورةدعتني إلى الإيجاز في سورة الحمد
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع