من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ابن زمرك (٥)
الصفحة ٢ من ٢
وانشد السلطان أبا العباس المذكور في غراب من إنشائه:
أإنسان عين الدهر جفنك قد غدايحفك منه طائر اليمن والسعد
إذا ما هفا فوق الرءوس شراعهأراك جناحا مدينة للجزر والمد
وأنشده فيه أيضاً:
لك الخير شأن الجفن يحرس عينهوهذا بعين الله يحرس دائماً
تبيت له خمس الثريا معيذةتقلده زهر النجوم تمائماً
فيا جفن لا تنفعك في الحفظ دائماوإنَّ كنت في لج من البحر عائما
انتهى ما انتقيت من هذا التأليف الملوكي مع أني تركت أكثره.
قلت: وإنّما أطلت في كلام الرئيس أبن زمرك رحمه الله تعالى لوجوه: أولها: أنَّ الذي ألفت الكتاب من أجله راغب في ذلك.
الثاني: ولوع كثير من الناس بكلامه، حتى قال شيخنا سيدي الإمام العلامة المؤلف الكبير أبو العباس الشهير ببابا السوداني ﵀، بعد أن ذكر في التعريف به نحو عشرين سطراً: إني لم أقف في أمره على غير هذا، ولم أقف على وفاته. وبالجملة فالذي تكلم خواص الناس فيه من أمره هو ما في الإحاطة والكتيبة: وأما الجم الغفير فهم بمعزل عما في الكتابين فضلا عن غيره.
الوجه الثالث: أنَّ ما نقلته من ذلك كان عندي مقيدا في عدة أوراق، فخفت عليه الدروس، فلذا جمعت بعضه هنا.
الرابع: ما اشتمل عليه من أوصاف الجهاد والخيل وغير ذلك من الغرائب، وليس الخبر كالعيان.
الخامس: ما في بعضه من أمداح المصطفى ﷺ، وهو المقصود بالذات وغيره تبع، وهو في مسك ختام هذه الأوجه الخمس، وليس يحتاج إلى دليل نول القمر والشمس. وقد عن لي أنَّ أذكر جملة من موشحاته لغرابتها، ولأن جل ما وقفت عليه منها ينخر في سلك المعرب، إذ أكثره من مخلع البسيط.
فمن ذلك قوله تشوقا إلى غرناطة أعادها الله ومادحاً الغنى بالله:
بالله يا قامة القضيبومخجل الشمس والقمر
من ملك الحسن في القلوبوأيد اللحظ بالحور
من لم يكن طبعه رقيقالم يدر ما لذة الصبا
فرب حر غدا رقيقاتملكه نفحة الصبا
نسوان لم يشرب الرحيقالكن إلى الحسن قد صبا
فعذب القلب بالوجيبونعم العين بالنظر
وبات والدمع في صبيبيقدح من قلبه الشرر
أواه من قلبي المعنىيهفو إذا هبت الرياح
لو كان للصب ما تمنىلطار شوقا بلا جناح
وبلبل الدوح إنَّ تغفأسهر ليلي إلى الصباح
عساك إنَّ زرت يا طبيبيبالطيف في رقدة السحر
أنَّ تجعل النوم من نصبيوالعين تحمي من السهر
كم شادن قاد لي التحوفابمربع القلب قد سكن
يسل من لحظه سيوفافالقلب بالورع ما سكن
خلقت من عادتي ألوفاأحن للإلف والسكن
غرناطة منزل الحبيبوقربها السؤل والوطر
تبهر بالمنظر العجيبفلا عدا ربعا المطر
عروسة تاجها السبيكةوزهرها الحلي والحلل
لم ترض من عزها شريكةبحسنها يضرب المثل
أيدها الله من مليكةتملكها اشرف الدول
بدولة المرتجى المهيبالملك الطاهر الأغر
تخال من بردها القشيبفي حلة النور والزهر
كرسها جنة العريفمرآتها صفحة الغدير
وجوها الطل في شنوفتحكيمه صنعته القدير
والأنس فيها على صنوففيمن هديل ومن هدير
كم خرق الزهر من جيوبوكلل القضب بالدرر
فالغصن كالكعاب اللعوبوالطير تشدو بلا وتر
ولائم النصر في احتفالوفرح دين الهدى جديد
سلطانها معمل العواليمحمّد الظافر السعيد
ومخجل البدر في الكمالسلطانها المجتبي الفريد
أصفح مولى عن الذنوبأكرم عاف إذا قدر
وشمس هدى بلا مغيبوبحر جودٍ بلا حسر
مولاي يا عاقد البنودتظلل الأوجه الصباح
أوحشت يا نخبة الوجودغرناطة هالة السماح
سافرت باليمن والسعودوعدت بالفتح والنجاح
يا ملهم القلب للغيوبومطعم النصر والظفر
أسمعك الله عن قريب:" على السلاما من الالسفر "
وقال أيضاً من الموشحات الفائقة، في مثل أغراض هذه السابقة، وأشار إلى محاسن من وصف " الرشاد ":
نسيم غرناطة عليللكنه يبري العليل
وروضها زاهر بليلورشفه ينقع الغليل
سقى بنجد ربا المصلىمباكراً روضها الغمام
فجفنه كلما استهلاتبسم الزهر في الكمام
والروض بالحسن قد تجلىوجرد النهر عن حسام
ودوحها ظله ظليليحسن في ربعه المقيل
والبرق والجو مستطيليلعب بالصارم الصقيل
عقيلة تاجها السبيكةتظل بالمراقب المنيف
كأنها فوقه مليكهكراسيها جنة العريف
تطلع من عسجد سبيكةشموسها كلما تطيف
أبدعك الخيال الجليليا منظرا كله جميل
قلبي إلى حسنه يميلوقبلنا قد صبا جميل
وزاد للحسن فيك حسنامحمّد الحمد والسماح
جدد للفخر فيك مغنىفي طالع اليمن والنجاح
تدعى رشادا وفيك معنىيخصك الفأل بافتتاح
فالنص والسعد لا يزوللأنه ثابت أصيل
سعد وأنصره قبيلآباؤه عترة الرسول
أبدى به حكمة القديروتوج الروض بالقباب
ودرع الزهر بالغديروزين النهر بالحباب
فمن هديل ومن هديرما أولع الحسن بالشباب
هبت على روضها القبولوطرفها بالسرى كليل
فلم يزل بينها يجولحتى تبدت له حجول
للزهر في عطفها رقومتلوح للعين كالنجوم
وللندى بينها رسومعقد الندى فوقه نظيم
وكل واد بها يهيمولم يزل حولها يحوم
شنيلها مدّ منها نيلوالشين ألف لمستنيل
وعين واد تسيلمن فوق خد له أسيل
كم من ظلال به ترفتضفو لها فوقه ستور
ومن زجاج به يشفما بين نور وبين نور
ون شموس بها تصفتديرها بيننا البدور
مزاجها العذب سلسبيلياهل إلى رشفها سبيل
وكيف والشيب لي عذولوصبغة صفرة الأصيل
يا سرحة في الحمى ظليلةكم نلت في ظلك المنى
روضك الله من خميلةيجنى بها أطيب الجنى
وبرقها صادق المخيلةما زال بالغيث محسنا
أنجز لي وعدك القبولفلم أقل مثل من يقول
" يا سرحة الحي يا مطولشرح الذي بيننا يطول "
ومن ذلك ما كتب به للغني بالله:
أبلغ لغرناطة سلاميوصف لها عهدي السليم
فلو رعى طيفها ذماميما بت في ليلة السليم
كم بت فيها على اقتراحأعل من خمرة الرضاب
أدير منها كئوي راحقد زانت الثغر بالحباب
أختال كالمهر في الجماحنشوان في روضة الشباب
أضحكك الزهر في الكماممباهيا روضة الوسيم
وأفصح الغصن في القوامإن هب من جوها نسيم
بينا أنا والشباب ضافيوظله فوقنا مديد
ومورد الأنس فيه صافيوبرده رائق جديد
إذ لاح في الفود غير خافيصبح به نبه الوليد
أيقظ من كان ذا مناملمّا انجلى ليلة البهيم
وأرسل الدمع كالغمامفي كل واد به أهيم
يا جيرة عهدهم كريموفعلهم كله جميل
لا تعذلوا الصب إذ يهيمفقبل قد صبا جميل
القرب من ربعكم نعيموبعدكم خطبه جليل
كم من رياض به وساميزهى بها الرائد المسيم
غديرها أزرق الججمامونبتها كله جميم
أعندكم أنني بفاسأكابد الشوق والحنين
أذكر أهلي بها وناسيفاليوم في الطول كالسنين
الله حسبي فكم أقاسيمن وحشة الصحب والبنين
مطارح ساجع الحمامشوقا الذي الإلف والحنين
والدمع قد لج في أنسجاموقد وهى عقده النظيم
يا ساكني جنة العريفأسكنتم جنة الخلود
كم ثم من منظر شريفقد حف باليمن والسعود
ورب طود به منيفأدواحة الخصر كالبنود
والنهر قد سال كالحسامولراحة الشرب مستديم
والزهر قد راق بابتساممقبلا راحة النديم
بلغ عبيد المقام صحبيلا زلتم الدهر في هنا
لقاكم بغية المحبوقربكم غاية المنى
فعندكم قد تركت قلبيفجدد الله عهدنا
ودارك الشمل بانتظاممن مرتجى فضله العميم
في ظل سلطاننا الإمامالطاهر الظاهر الحليم
مؤمن العبدوتين ممايخاف من سطوة العدا
وفارج الكرب إنَّ ألماومذهب الخطب والردى
قد راق حسنا وفاق حلماوما عدا غير ما بدا
مولاي يا نخبة الأناموحائز الفخر في القديم
كم أرقب البدر في التمامشوقا إلى وجهك الكريم
ومن موشحاته في غير المخلع موطئا على موشحة أبن سهل التي أولها: " ليل الهوى يقظان " قوله:
نواسم البستانتنثر سلك الزهر
والطل في الأغصانينظمه بالجوهر
وراية الإصباح أضاء منها المشرق
تنشرها الأرواحفلا تزال تخفق
والزهر زهر فاحلها عيون ترمق
فأيقظ الندمانتبصر ما لم يبصر
جواهر الشهبانقد عرضت للمشتري
قدحت لي زندايأيهذا البارق
أذكرتني عهداإذ الشباب رائق
فالشوق لا يهداولا الفؤاد الخافق
وكيف بالسلوانوالقلب رهن الفكر
وسحب الهجرانتحجب وجه القمر
لولا شموس الكآسنديرها بين البدور
وعرج الإناسمنا على ربع الصدور
لكن لها وسواسيغري بربات الخدود
كم واله هيمانبصبح وجه مسفر
ضياؤه قد بانمن تحت ليل مقمر
يا مطلع الأنواركم فيك من مرأى جميل
ونزهة الأبصارما ضر لو تشفي الغليل
يا روضة الأزهاروعرفها يبري العليل
قضيبك الفينانيسقى بدمع همر
فلا عج الأشجانفيض الدموع يجري
هل في الهوى ناصرأو هل يجار الهائم
لو كان لي زائرطيف الخيال الحائم
ما بت بالساهرودمع عيني ساجم
والحب ذو عدوانيجهد في ظلم البري
وصارم الأجفانمؤيد بالحور
رحماك في صبأذكرته عهد الصبا
بواعث الحبقادت إليه الوصبا
لم تهف بالقلبريح الصبا إلاّ صبا
بليلة الأردانقد ضمخت بالعنبر
يشير غصن ألبانمنها بفضل المئزر
طيبها حمدفخر الملوك المجتبى
من يرجح الطودمن حلمه إذا احتبى
قد جرد السعدمنه حساما مذهبا
فالبأس والإحسانوالغوث للمستنصر
تحمله الركبانتحية للمنبر
عصابة الكتابحق لها الفوز العظيم
تختال في أثوابألبستها الطَّول الجسيم
فحسبها الإنطابفي الحمد والشكر العميم
خليفة الرحمنلازالت زاهية المظهر
يا مورد الظمآنورأس المعسر
خدها بلا دعوىتزهي على الروض الوسيم
جاءت كما تهوىأرق من لدن النسيم
قد طارحت شكوىمن قال في الليل البهيم
" ليل الهوى يقظانوالحب ترب السهر
والصبر لي خوانوالنوم من عيني بري "
ومخلع البسيط في الصبوحيات قوله سامحه الله تعالى ورحمه ورضى عنه:
ريحانة الفجر قد أطلتخضراء بالزهر تزهر
وراية الصبح إذ أظلتفي مرقب الشرق تنشر
فالشهب من غارة الصباحترعد خسوفا وتخفق
وأدهم الليل في جماحأعنة البرق يطلع
والأفق في ملتقى الرياحبأدمع الغيث يشرق
والسحب بالجوهر استهلتفالبرق سيف مجوهر
صفاحة المذهبات حلتفي راحة الجو تشهر
كم للصبا ثم من مقيلبطينه الزهر يشهد
والنهر كالصارم الصقيلفي حلية النور يغمد
ورب قال به وقيلللطير في حين تنشد
فألسن الورق قد أملتمدائحا عنه تشكر
ونسمة الصبح حين كلتفي سندس الروض تعثر
والكأس في راحة النديميجلو بها غيهب الهموم
أقبست النار في القديممن قبل أن تخلق الكروم
والغصن في ملعب النسيمللزهر في عطفه رقوم
فلبة القضب قد تحلتوالطل في الحلى جوهر
وبهجة الكون قد تجلتوالروض بالحسن يبهر
يذكرني وجنة الحبيبوالآس في صفحة العذار
وشارب العجيببين أقاحٍ وجلنار
يدير من ثغره الشنيبسلافة دونها العقار
حلت لأهل الهوى وجلتبالذكر والوهم تسكر
كم من نفوس بها تسلتفما لها الدهر منكر
يا غصن بان يميل زهواريان في روضة الشباب
لو كنت تصغى لرفع الشكوىأطلت من قصة العتاب
ومن لمثلي ببث نجوىللبدر في رفرف السحاب
عزائم الصبر فيك حلتوعقدة الصبر تذخر
قد أكثرت منك ما استقلتوليت لو كنت تشعر
كم ليلة بتها وبتاضدين في سهد والرقاد
أسامر النجم فيك حتىعلمت أجفانه السهاد
أراقب بدر وأنتاقد لحت في هالة الفؤاد
نفسي وليت ما تولتدعاها على الشوق تصبر
لو سمتها الهجر ما تولتولم تكن عنك تنفر
علمها الصبر في الحروبسلطاننا عاقد البنود
معفر الصيد للجنوبأعز من حف بالجنود
نصرت بالرعب في القلوبوالبيض لم تبرح الغمود
عناية الله فيه حلتبسعده الدين ينصر
والخلق في عصره تملتغنائماً ليس تحصر
مولاي يا نكته الزماندار بما ترضى الفلك
جللت باليمن والأمانكل مليك وما ملك
لم بدر وصفي ولا عيانيأمملك أنت أم ملك
جنودك الغلب حيث حلتبالنصر والفتح تخفر
وعادة الله فيك دلتأنك بالكفر تظفر
يا آية الله في الكمالومخجل البدر في التمام
قدمت بالعز والجلالوالدهر في ثغره ابتسام
يختال في حلة الجمالوالبدء قد عاد في اختتام
ريحانة الفجر قد أطلتخضراء بالزهر تزهر
وراية الصبح إذ أظلتفي مرقب الشرق تنشر
وقال رحمه الله تعالى وسامحه:
قد طلعت راية الصباحوآذن الليل بالرحيل
فباكر الروض باصطباحواشرب على زهره البليل
فالورق هبت من السنانلمنبر الدوح تخطب
تسجع مفتنة اللغاتكل عن الشوق يعرب
والغصن بعد الذهاب يأتيلأكوس الطل يشرب
وأدمع السحب في أنسياحفي كل روض لها سبيل
والجو مستبشر النواحييلعب بالصارم الصقيل
قم فأغتنم بهجة النفوسما بين نورٍ وبين نورٍ
وشفع الصبح بالشموستديرها بيننا البدور
ونبيه الشرب للكئوستمزج من ريقه الثغور
ما أجمل الراح فوق راحصفراء كالشمس في الأصيل
تغادر الصدر ذا انشراحللأنس في طيفه مقيل
ولا تذر خمرة الجفونفكسرها في الهوى جنون
ولتخش من اسهم العيونفإنها رائد المنون
عرضت منها إلى الفتونوكل خطب لها يهون
أهيم بالغادة الرادحوالجسم من حبها عليل
لو بت منها على اقتراحنقعت من ريقها الغليل
أواعد الطيف للمنامومن لعيني بالمنام
أسهر في ليله التماموأنت يا بدر في التمام
وألم الزهر في الكمامعليه من ثغرك ابتسام
سفرت عن مبسم الأقاحوريقك العذب سلسبيل
قل لي يا ربة الوشاحهل لي إلى وصل من سبيل
يا كعبة الحسن زدت حسناوللهوى حولك المطاف
وغصن بانٍ إذا تثنىلو جان من زهرك القطاف
ألا انعطاف على المعنىفالغصن يزهو بالانعطاف
أصبحت تزهو على الملاحبذلك المنظر الجميل
ووجهك الشمس في اتضاحلو أنها لم تكن تميل
ما الزهر إلاّ بنظم درتحسد في حسنه العقود
للملك الظاهر الأغادرأكرم من حف بالسعود
محمّد الحمد وأبن نصروباسط العدل في الوجود
مساجل السحب في السماحبالغيث من رفده الجليل
ومخجل البدر في اللياحبغرة مالها مثيل
يا مشرب الحب في القلوبوواهب الصفح للصفاح
نصرت بالرعب في الحروبوالرعب أجدى من السلاح
قد لحت من عالم الغيوبلم تعدم الفوز والنجاح
مراكش نهبة افتتاحوالصنع في فتحها جليل
بشراك بالفتح والنجاحوالشكر من ذلك القبيل
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع