من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ابن زمرك (٦)
الصفحة ١ من ٢
ومن غير المخلع قوله في الهناء بالشفاء من مرض:
في كئوس الثفر من خمر اللعسراحة الأرواح
وتغشى الروض مسكي النفسعاطر الأرواح
قد كسا الأدواح وشيا مذهبايبهر الشمسا
عسجد قد حل من فوق الربايبهج النفسا
فاتخذ للهو فيه مركباتحلق الأنسا
منبر الغصن عليه قد جلسساجع الأدواح
حلل السندس خضرا قد لبسعطفه المرتاح
قم ترى هذا الأصيل شاحباحسنه قد راق
ولأذيال الغصون ساحبافي حلى الأوراق
ونديمي قال لي مخاطباقول ذي إشفاق
عادة الشمس بغرب تخلسهات الشمس الراح
إنَّ أرانا الجو وجها قد عبسأوقد المصباح
ووجوه الشرب تغنى عن شموسكلما تجلى
بلحاظ أسكرنا عن كئوسخمرها أحلى
تطنب لله في الثناءتقول: سلمت يا سلام
كم من ثغور لها ثغورتبسم إذ جاءها البشير
ومن خدور بها بدوريشير منها له المشير
تقول إذ حفها السرورتبارك المنعم القدير
قد أنعم الله بالبقاءفي ظل مولى به اعتصام
قد صادف النجح في الدواءفالداء عنا له انفصام
ينهيك مولاي بل يهناببرئك الدين والهدى
فالغرب والشرب منك يعنيبمذهب الخطب والردى
والله لولاك ما تهنامن فيه من سطوة الردى
يا مورد الأنفس الظماءقد كان يشتفها الأوام
وقرة العين بالبهاءرددت للأعين المنام
لو أبذل الروح في البشارةبذلت بعض الذي ملك
فأنت يا نفس مستعارةمولاك بالفضل جملك
لم أرد إذ أسطر العبارةأملك هو أم ملك
لا زلت مولاي في هناءتبلغ القصد والمرام
ودمت للملك في أعتلاءتسحب أذْياله الغمام
وقال أيضاً يصف مالقه ويمدح الغنى بالله:
عليك يا رية الإسلامولا عدا ربعك المطر
مذخل في قصرك الإمامفقربك السؤل والوطر
كم فيك للغرم المشوقمن منظر يبهج النفوس
والدوح في روضك الأنيقللشكر قد حطت الرءوس
والجو من وجهك الشريقتحسده أوجه الشموس
وأعين الزهر لا تنامتستعذب السهد والسهر
تنفث من تحتها الغمامترقيك من أعين الزهر
عروسة أنت يا عقيلهتجلى على مظهر الكمال
مدت لك الكف مستقيلهتمسح أعطافك الشمال
والبحر مرآتك الصقيلهتشف عن ذلك الجمال
والحلي زهر له انتظاميكال القضب بالدرر
قد راق من ثغره ابتساموالورد في خدها خفر
إنَّ قيل من بعلها المفدىومن له وصلها مباح
أقول أسنى الملوك رفداًمخلد الفخر بالصفاح
محمّد الحمد حين يهدىثناؤه عاطر الرياح
تخبر عن طيبه الكماموالخبر يغني عن الخبر
فالسعد والرعب والحساموالنصر آياته الكبر
ذو غرة تحسر البدوراوطلعته تخجل الصباح
كم راية سامها ظهوراتظلل الأوجه الصباح
وكم ظلام جلاه نوراأظفر بالفوز والنجاح
الطاهر الظاهر الهمامأعز من صال وافتخر
لسيفه في العدا احتكامجرى به سابق القدر
يا مرسل الخيل في الغوارلو تطلب البرق تلحق
لك الجواري إذا تجاريسوابق الشهب تسبق
تستن في لجى البحارفالكفر منهن يفرق
فالدين وليقصر الكلامبسيفك اعتز وانتصر
كذلك أسلافك الكرامهم نصروا سيد البشر
وقال من غير هذا البحر في المحدث بمالقة:
قد نظم الشمل أتم انتظامواغتنم الأحباب قرب الحبيب
واستضحك الروض ثغور الكمامعن مبسم الزهر البرود الشنيب
وعمم النور رءوس الرباوجلل النور صدور البطاح
وصافح القضب نسيم الصبافالزهر يرنو عن عيون وقاح
وعاد للروض زمان الصبافقلد النهر مكان الوشاح
وأطلع القصر بدور التمامفي طالع الفتح القريب الغريب
خدورها قامت مقام الغماملا أشتكى من بعدها بالمغيب
أصبحت يا رية مجلى الشموسجمالك العين به تبهر
والبشر في جميع النفوسوراية الأنس بها تنشر
والدوح للشكر تحط الرءوسوأنجم الزهر بها تزهر
وراجع النهر غناء الحماموقد شدت تسجع الخطيب
بمنبر الغصن الرشيق القواملمّا انثنى يهفو بقد رطيب
يا حبذا مبناك فخر القصوربدوحة طالت بروج السما
ما مثله في سالفات العصورولا الذي شاد أبن ما السما
كم فيه من مرأى بهيج ونورفي مرتقى الجو به قد سما
خليفة الله ونعم الإمامأتحفك الدهر بصنع عجيب
يهنيك شمل قد غدا في التئامممهد في ظل عيش خصيب
نواسم الوادي بممسك تفوحونفحة الند به تعبق
وبهجة السكان فيه تلوحوجوه من نورهم يشرق
وروضة بالسر منه تبوحبلابل عن وجده تنطق
لو أنَّ من يفهم عنا الكلامفهي تهنيك هناء الأديب
ونهره قد سل منه الحساميلحظه النرجس لحظ المريب
فأجمل الأيام عصر الشبابوأجمل الأجمل يوم اللقا
يا درة القصر وشمس القبابوهازم الأحزاب في الملتقى
بشرك الرب بحسن المآبمتعك الله بطول البقا
ولا يزال القصر قصر السلاميختال في برد الشباب القشيب
يتلو عليك الدهر في كل عام" نصر من الله وفتح قريب "
وقال ﵀ من المخلع في الشفاء:
في طالع اليمن والسعودقد كملت راحة الإمام
فأشرق نور في الوجودوابتسم الزهر في الكمام
قد طلعت راية النجاحوانهزم البأس والعنا
وقال حي على الفلاحمؤذن الفوز بالمنى
فالدهر يأتي بالاقتراحمستقبلا أوجه الهنا
تخفق منشورة البنودوالسعد يقدم من أمام
والأنس مستجمع الوفودواللطف مستعذب الجمام
وأكؤس الطل مترعاتبأنمل السوسن الندى
والطير مفتنعة اللغاتتشدو بأصوات معبد
والغصن يذهب ثم ياتبالسندس الغض مرتدى
والدوح يومي إلى السجودشكرا لذي الأنعم الجسام
والريح خافقة البنودتبارك الروض بالغمام
مظاهر للجمال تجلىقد هز أعطافها السرور
وباهر الحسن قد تجلىما بين نور وبين نور
قد هنأت بالشفاء مولىبعصره تفخر العصور
ما بين باس وبين جودقد مهد الأمن للأنام
فالدين ذو أعين رقودوكان لا يطعم المنام
والكأس في راحة السقاةتروح طورا وتغتدي
يهديكها رائق السماتما بين برق وفرقد
والشمس تذهب للبياتقد لبست ثوب عسجد
والزهر في اليانع المجرديقابل الشرب بابتسام
والروض من حلبة الغمودقد جرد النهر عن الحسام
مولاي يا أشرف الملوكوعصمة الخلق أجمعين
أهديك من جوهر السلوكيقذفه بحرك المعين
جعلت تنظيمه سلوكيوأنت لي المنجد المعين
تحية الواحد المجيدورحمة الله والسلام
عليك من راحم ودوديا مخجل البدر في التمام
وقال رحمه الله تعالى من الرمل المجروء:
وجه هذا اليوم باسموشذا الأزهار ناسم
هاتها صاح كئوساجالبات للسرور
وارتقب منها شموساطالعات في بدور
ما نرى الروض عروسافي حلى نور ونور
وأتت رسل النواسمتجتلي هذي المواسم
قد أهلت بالبشائرأضحكت ثغر الأزاهر
سنحت في يمن طائرونظمن كالجواهر
فانشروها في العشائرإن هذا الصنع باهر
وأشيعوا في العوالمالغنى بالله سالم
أي نور يتوقدأي بدر يتلالا
أي فخر يتخلدأي غيث يتوالى
إنّما المولى محمّدرحمة الله تعالى
فهذا البحر المقاسموبها حج المباسم
خير أملاك الزمانمن بني سعد ونصر
ما ترى أن الشوانيفي صعيد البر تجري
قد أطارتها التهانيدون بحرى وبحر
مذ رأت بحر النعامكلها جار وعام
فهنيئا بالشفاءيا أمير المؤمنين
ولنا حتى الهناءوجميع المسلمين
إن جهرنا بالدعاءينطق الدهر أمين
دمت محروس المكارمبظبي البيض الصوارم
وقال يهنئ السلطان موسى بن السلطان أبن عنان وقد وجه إليه الغنى بالله أمه وعياله عند تملكه المغرب من قبله:
قد نظم الشمل أتم انتظامولاحت الأقمار بعد المغيب
وأضحك الروض ثغور الكرامعن مبسم الزهر البرود الشنيب
وعاود الغصن زمان الصباوأشرب الأنس جميع النفوس
وعمم النور رءوس الرباوجلل النور وجه الشموس
وأطرب الغصن نسيم الصبافالدوح للشكر يحط الرءوس
واستقبل البدر ليالي التماموصافح الصبح بكف خضيب
وراجع الأطيار سجع الحمامبكل ذي لحن بديع غريب
نواسم الوادي بمسك تفوحونفحة الند به تعبق
وبهجة السكان منه تلوحوجوه من نورهم يشرق
وعرفهم بالطيب منهم يفوحكأنه من عنبر يفتق
والنهر قد سل كمثل الحسامحبابه تطفو وطورا تغيب
وقال ثغرها قد راق منه ابتساميهنئ الأحباب قرب الحبيب
كواكب أبراجهن الخدوريلوح عنها كل بدر لياح
جواهر أصدافهن القصورنظَّمها السعد كنظم الوشاح
يا حبذا والله ركب السروريبشر المولى بنيل اقتراح
ابتهج الكون بموسى الإمامواختال في برد الشباب القشيب
وعاده يخدم مثل الغلامشبابه قال عاد بعد المشيب
أكرم به والله وفد الكريممولاتنا الحرة في مقدمه
مرضاتها تحظى بدار النعيموتوجب التوفيق من منعمه
بشر بالنصر وفتح جسيموخيره أجمع في مقدمه
لقاؤها المبرور مسك الختامبشرك الله بصنع عجيب
وقصرك الميمون قصر السلامخص بحفظ من سميع عليم
مولاي يهنيك وحق الهناقد نظم الشمل كنظم السعود
قد فزت بالفخر ونيل المنىوأنجز السعد جميع الوعود
وقرت العين وزال العناوكلما مر صنيع يعود
فلا يزال ملكك حلف الدواميحوز في التخليد أو في نصيب
يتلو عليك الدهر بعد السلام" نصر من الله وفتح قريب "
وقال ﵀ في وصف غرناطة والطرد وغيرها:
لله ما أجل روض الشبابمن قبل أن يفتح زهر المشيب
في عهده أدرت كأس الرضابحبابها الدر بثغر الحبيب
من كل من يخجل بدر التماممهما تبدى وجهه للعيون
ويفضح الغصن بلين القواموأين منه لين قد الغصون
ولحظه يمضي مضاء الحسامويذهل القلب بسحر الجفون
أبصرت منه إذ يحط النقابشمسا ولكن ما لها من مغيب
إذا تجلت بعد طول أرتقابصرفت عنها اللحوظ خوف الرقيب
من عاذري منه فؤاد صباللامع البرق وخفق الرياح
يطير إن هب نسيم الصباتعيره الريح خفوق الجناح
ما أولع الصب بعهد الصباوهل على من قد صبا جناح
فقلبه من شوقه في ألتهابقد أحرق الأكباد منه الوجيب
والجفن منه سحبه في انسكابقد روض الخد بدمع سكيب
غرناطة ربع الهنا والمنىوقربها السؤل ونيل الوطر
وطيبها بالوصل لو أمكنالم أقطع الليل بطول السهر
عما قريب حق فيه الهنابيمين ذي العود بعد السفر
ويحمد الناس نجاح الإياببل صنع مستجد غريب
ويكتب الفأل على كل باب" نصر من الله وفتح قريب "
ما لذة الأملاك إلاّ القنصلأنّه الفأل بصيد العدا
كم شارد جرع فيه الغصصوأورد المحروب ورد الردى
وكم بذا الحص لنا من حصصقد جمع البأس بها والندى
ومنها أبيات سقطت:
مولاي مولاي وأنت الذيجددت للأملاك عهد الجلال
والشمس والبدر من العوذلمّا رأت منك بديع الجمال
والروض في نعمته يغتديبطيب ما قد حزته من خلال
بشراك بشراك بحسن المآبتستضحك الروض بثغر شنيب
ودمت محروس العلا والجناببعصمة الله السميع المجيب
وقد طال الكلام ولنجعل آخر موشحة له رحمه الله تعالى زهرية في مدح المصطفى ﷺ وتكون مسك الختام وهي:
لو ترجع الأيام بعد الذهابلم تقدح الأشواك ذكرى الحبيب
وكل من نام بليل الشبابيوقظُه الدهر بصبح المشيب
يا راكب العجز ألا نهضةقد ضيق الدهر عليك المجال
لا تحسبن أنَّ الصبا روضةتنام فيها تحت فئ الظلال
فالعيش نوم والردى يقظةوالمرء ما بينهما كالخيال
والعمر قد مر كمر السحابوالملتقى بالله عما قريب
وأنت مخدوع بلمع السرابتحسبه ماء لا تستريب
والله ما الكون بما قد حوىإلاّ ظلال توهم الغافلا
وعادة الظل إذا ما استوىتبصره متنقلا زائلا
أنا إلى الله عبيد الهوىلم نعرف الحق ولا الباطلا
فكل من يرجو سوى الله خابوإنما الفوز لعبد منيب
يستقبل الرجعي بصدق المتابويرقب الله الشهيد القريب
سا حسرتا مر الصبا وانقضىوأقبل الشيب يقص الأثر
واخجلتا والرحل قد قوضللاوما بق في الخبر غير الخبر
وليته لو كنت فيما مضىأدخر الزاد لطول السفر
قد حان من ركب التصابي إيابورائد الرشاد اطال المغيب
يا أكمله القلب بغين الحجابكم ذا أناديك فلا تستجيب
هل يحمل الزاد دار الكريموالمصطفى الهادي شفيع مطاع
فجاهه ذخر الفقير العديموحبه رادى ونعم المتاع
والله سماه الرءوف الرحيمفجاره المكفول ما إن يضاع
عسى شفيع الناس يوم الحسابوملجأ لدفع الكروب
يلحقني منه قبول مجابيشفع لي في موبقات الذنوب
يا مصطفى والخلق لهم العدموالكون لم يفتق كمام الوجود
مزية أعطيتها في القدمبها على كل نبي تسود
مولدك المرقوب لنا نجمأنجز للأمة وع السعود
ناديت لو يسمع لي بالجوابشهر ربيع: يا ربيع القلوب
أطلعت للهدى بغير احتجابشمسا ولكن مالها من غروب
وليكن هذا آخر ما أردناه وقصدناه من شأن أبن زمرك وسردناه.
وسنح لي أن أنتقي بعض كلام أبن خلدون في تاريخه الكبير في ذكر الموشحات والأزجال فنقول: قال ﵀: وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفعوله وبلغ التعميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنا منه وسموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة ويسمون منا بيتا واحدا ويلتزمون عدد قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتالية فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما ينتهى عندهم إلى سبعة أبيات ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد وتجاوزوا
في ذلك إلى الغاية واستضرفه الناس جملة الخاصة والكافة ولسهولة تناوله وقرب طريقه.
وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافي القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمّد المرواني وأخذ عنه ذلك عبد ربة صاحب كاتب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما فكان أوّل من برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمداح صاحب المرية وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع أبا بكر بن زهر يقول: كل الواشاحين عيال على عبادة القزاز فيم اتفق له من قوله:
بردتم شمس الضحىغصن نقا مسك شم
ما أتم ما أوضحاما أورقا ما أنم
لا جرم من لمحاقد عشقا قد حرم
وزعموا أنه لم يسبق عبادة وشاح من معاصريه الذي كانوا في زمان ملوك الطوائف وجاء مصليا خافه منهم أبن ارفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة. قالوا: وقد أحسن في ابتدائه في الموشحات التي طارت له حيث يقول:
العود قد ترنمبأبدع تلحين
وسقت المذانبرياض البساتين
وفي انتهائه حيث يقول:
تخطر ولا تسلمعساك المأمون
مروع الكتائبيحيى بن ذي النون
ثم جاءت الحلبة التي كانت في مدة الملثمين فظهرت لهم البدائع وفرسان حلبتهم الأعمى التطيلي ثم يحيى بن بقي وللتطيلي من الموشحات المذهبة قوله:
كيف السبيل إلىصبري وفي العالم أشجان
والركب وسط الفلابالخرد النواعم قد بانوا
وذكر غير واحد من المشايخ أن أهل هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الواشين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية وكان كل واحد منهم قد صنع موشحة وتأنق فيها فتقدم الأعمى التطيلي للإنشاد فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله:
ضاحك عن جمانسافر عن بدر
ضاق عنه الزمانوحواه صدري
خرق أبن بقي موشحته وتبعه الباقون.
وذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع زهر يقول: ما حسدت قط وشاحا على قول إلاّ أبن بقي حين وقع له:
أما ترى أحمدفي مجده العالي لا يلحق
أطلعه المغربفأرنا مثله يا مشرق
وكان في عصرهما من الوشاحين للطبوعين أبو بكر بن الأبيض وكان في عصرهم أيضاً الحكيم أبو بكر بن باجة صاحب التلاحين المعروفة.
ومن الحكايات المشهورة أنه حقر مجلس مخدومة أبن تيفلوت صاحب سرقسطة فألقى على بعض قيناته موشحته التي أولها:
جرر الذيل أيما جر
فطرب الممدوح لذلك وختمها بقوله:
عقد الله راية النصرلأمير العلا أبي بكر
فلما طرق ذلك التلحين سمع أبن تيفلويت صاح: واطرباه وشق ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت وحلف بالأيمان المغلظة إلاّ يمشي أبن باجة إلى داره إلاّ على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه.
ثم قال أبن خلدون بعد كلام: واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمّد بن أبي الفضل بن شرف. ثم قال: وأبن هردوس الذي له:
يا ليلة الوصل والسعودبالله عودي
وأبن موهل الذي له:
ما العيد في حلةٍ وطاقوشم طيب
وإنّما العيد في التلاقيعلى الحبيب
وأبو إسحق الدويني: سمعت أبا الحسن سهم بن مالك يقول أنّه دخل على أبن زهير وقد أسن وعليه زي البادية، إذ كان يسكن بحصن إستبه، فلم يعرفه؛ فجلس حيث انتهى به المجلس، وجرت المحاضرة أنَّ أنشده لنقصه، موشحة وقع فيها:
كحل الدجى يجرى من مقلةالفجر على الصباح
ومعقتم النهر في حللٍخضر من البطاح
فتحرك ابن زهر، وقال: أنت تقول هذا؟ قال: اختبر؛ قال: ومن تكون عرفه، فقال: ارتفع فوالله ما عرفتك. قال ابن سعيد: وسابق الحلبة التي أدركت هؤلاء أبو بكر ابن زهر موشحاته وغربت. قال: وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: قيل لابن زهر: كان لو قيل لك ما أبدع ما وقع لك في التوشيح؟ فقال: كنت أقول:
ما للمولهمن سكره لا يفيق يا له سكران
من غير خمرما للكئيب المشوق بندب الأوطان
هل تستعادأيامنا بالخليج وليالينا
إذ يستفادمن النسيم الأريج مسك دارينا
وإذ يكادالحسن المكان البهيج إنَّ يحيتا
نهر أظلهدوح عليه أنيق مورق فيتان
والماء يجريوعائم وغريق من جنى الريحان
واشتهر بعده أبن حيون. إلى إنَّ قال أبن خلدون: وبعد هؤلاء أبن حمزون بمرسية. ذكر أبن الرائس إنَّ يحيى الخزرجي دخل عليه في مجلسه: فأنشده موشحه لنفسه، فقال له أبن حزمون: ما الموشح بموشح حتى يكون عاريا عن التكلف؛ فقال: على مثل ماذا؟ قال على مثل قولي:
يا هاجري هل إلى الوصالمنك سيبل
أو هل ترى عن هواك ساليقلب العليل
وأبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة. قال أبن سعيد: كان والدي يعجب بقوله:
إنَّ سيل الصباح في الشرقعاد بحراً في أجمع الأفق
فتداعت نوادب الورقأتراها خافت من الغرق
فبكت سحرة على الورق
واشتهر باشبيلية لذلك العهد أبو الحسن بن الفضل. قال أبن سعيد عن والده: سمعت سهل بن مالك يقول له: يا بن الفضل، لك على الوشاحين الفضل بقولك:
وأحسرنا لزمان مضىعشية بان الهوى وانقضى
وأفرد بالرغم لا بالرضاوبت على جمرات الغضى
أعانق بالفكر تلك الطلولوألثم بالوهم تلك الرسوم
قل: وسمعت أبا بكر بن الصابوني ينشد الأستاذ أبا الحسن الدباج موشحاته غير ما مرة، فما سمعته يقول: لله درك إلاّ في قوله:
قسما بالهوى لذي حجرما الليل المشوق من فجر
جمد الصبح ليس يطردما لليالي فيما أظن غد
صح يا ليل انك الأبد
أو فقضت قوادم النسرفنجوم السماء لا تسرى
ومن محاسن موشحات أبن الصابوني قوله:
ما حال صب ذي ضني واكتئابأمرضته يا ويلتاه الطبيب
عامله محبوبه باجتناب ثماقتدى فيه الكرى بالحبيب بالحبيب
جفا جفوني النوم لكننيلم ابكه إلاّ لفقد الخيال
وذا الوصال اليوم قد عزنيمنه كما شاء وشاء الوصال
فلست باللأئم من صدنيبصورة الحق ولا بالمحال
واشتهر ببر العداوة أبن خلف الجزاري صاحب الموشحة المشهورة:
يد الإصباحقد زناد الأنوار من مجامر الزهر
وأبن الخرز البجائي، وله من موشحة:
ثغر الزمان موافقحياك منه بابتسام
ومن محاسن الموشحات للمتأخرين موشحة أبن سهل شاعر اشبيلية وسبتة من بعدها فمنها قوله:
هل درى ظبي الحمى أن قد حمىقلب صب حله عن مكنس
فهو في نار وخفق مثلمالعبت ريح الصبا بالقيس
وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله بن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب لعصره فقال:
جادك الغيث إذا الغيث همىيا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلاّ حلمافي الكرى أو خلسة المختلس
إذ يقود الدهر اشتات المنىتنقل الخطو على ما يرسم
زمرا بين فرادي وثنىمثلما يدعو الوفود الموسم
والحيا قد جلل الروض سنىفثغور الزهر فيه تبسم
وروى النعمان عن ماء السماكيف يروي مالك عن أنس
فكساه الحسن ثوبا معلمايزدهي منه بأبهى ملبس
في ليال كتمتا سر الهوىبالدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوىمستقيم السير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوىأنه مر كلمح البصر
حين لذلك النوم مع حلو اللمىهجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا أو ربماأثرت فينا عيون النرجس
أي شيء لأمري قد خلصافيكون الروض قد مكن فيه
تنهب الأزهار منه الفرصاأمنت من مكره ما تتقيه
فإذا الماء تناجى والحصىوخلا كل خليل بأخيه
تبصر الورد غيور برمايكتسي من غيظه ما يكتسي
وترى الآس لبيبا فهمايسرق السمع بأذني فرس
يأهل الحي من وادي الغضىوبقلبي مسكن انتم به
ضاق عن وجدي بكم رحب الفضالا أبالي شرقه من غربه
فأعيدوا عهد أنس قد مضىتعتقدوا عانيكم من كربه
واتقوا الله وأحيوا مغرمايتلاشى نفسا في نفس
حبس القلب عليكم كرماأفترضون عفاء الحبس
وبقلبي منكم مقترببأحاديث المنى وهو بعيد
قمر أطلع منه المغربشقوة المغرى به وهو سعيد
قد تساوي محسن أو مذهبفي هواه بين وعد ووعيد
ساحر المفلة معسول اللمىجال في النفس مجال النفس
سدد السهم وسمى ورمىففؤادي نهبة المفترس
إن يكن جار وخاب الأملوفؤاد الصب بالشوق يذوب
فهو للنفس حبيب أولليس في الحب لمحبوب ذنوب
أمره معتمد ممتثلفي ضلوع قد براها وقلوب
حكم اللحظ بها فاحتكمالم يراقب في ضعاف الأنفس
منصف المظلوم ممن ظلماومجازي البر منها والمسى
ما لقلبي هبت صباعاده عيد من الشوق جديد
كان في اللوح له مكتتباقوله: " إنَّ عذابي لشديد "
جلب الهم له والوصبافهو للأشجان في جهد جهيد
لاعج في أضلعي قد أضرمهافهي نار في هشيم اليبس
لم يدع في مهجتي إلاّ ذماكبقاء الصبح بعد الغلس
سلمي يا نفس في حكم القضاواعمري الوقت برجعي ومتاب
دعك من ذكرى زمان قد مضىبين عتبي قد تقضت وعتاب
وأصر في القول إلى المولى الرضاملهم التوفيق في أم الكتاب
الكريم المنتهي والمنتميأسد السرج وبدر المجلس
ينزل النصر عليه مثلماينزل الوحي بروح القدس
قال: وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات. ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة أبن سناء الملك المصري التي اشتهرت شرقا وغربا وأولها:
حبيبي أرفع حجاب النورعن العذار
ننظر المسك على الكافورفي جلنار
كللييا سحاب التيجان الربا بالحلى
واجعليسوارها منعطف الجدول
ولمّا شاع فن التوشيح في أهل الأندلس وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق كلامه وتصريع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا على طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعرابا واستحدثوا فنا سموه بالزجل والتزموا النظم فيه على مناحيهم إلى هذا العهد فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغ مجال بحسب لغتهم المستعجمة.
وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قزمان وإن كانت قيلت قبله بالأندلس لكن لم تظهر حلاها ولا انسبكت معانيها ولا اشتهرت رشاقتها إلاّ في زمانه وكان لعهد الملثمين وهو إمام الزجالين على الإطلاق. قال أبن سعيد: ورأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب. قال: أبا الحسن بن حجدر الإشبيلي إمام الزجالين في عصرنا يقول: ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة وقد خرج إلى متنزه مع بعض أصحابه فجلسوا تحت عريش وأمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء من فيه على صفائح من الحجر فقال:
وعريش قد قام على دكانبحال رواق
وأسد قد ابتلع الثعبانفي غلظ ساق
وفتح فمه بحال إنسانبه الفواق
وانطلق يجري على الصفاحوألقي الصياح
وكان أبن قزمان مع أنه قرطبي الدار كثير ما يتردد إلى أشبيلية وينتاب نهرها.
ثم ذكر أبن خلدون عنه وعن جماعة حكاية وكلاما إلى أن قال: وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس وقعت له العجائب في هذه الطريقة فمن قوله في زجله المشهور:
ورذاذ دق ينزلوشعاع الشمس يضرب
فترى الواحد يفضضوترى الآخر يذهب
والنبات يشرب ويسكروالغصون ترقص وتطرب
وتريد تجئ إليناثم تستحي وتهرب
ومن محاسن أزجاله قوله: لاح الضياء والنجوم حيارى ثم قال أبن خلدون: وظهر بعد هؤلاء في إشبيلية أبن جحدر الذي فضل على الزاجلين في فتح ميروقة بالزجل المشهور الذي أوله:
من عاند التوحيد بالسيف يمحقأنا برئ ممن يعاند الحق
قال أبن سعيد: لقيته ولقيت تلميذه البعج صاحب الزجل المشهور الذي أوله:
يا ليتني إن رأيت حبيبيأفتل اذنو بالرسيلا
ليش أخذ عنق الغزيلوسرق فم الحجيلا
ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل بن مالك إمام الآداب ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله بن الخطيب إمام النظم والنثر في الملة الإسلامية غير مدافع فمن محاسنه في هذه الطريقة:
أمزج الأكواس واملالي نجددما خلق المال إلاّ أن يبدد
ومن قوله على طريقة الصوفية وينحو منحى الششتري منهم:
بين طلوع وبين نزولاختلطت الغزول
ومضى من لم يكنوبقمن لم يزول
ومن محاسنه أيضاً قوله في ذلك المعنى:
البعد عنك يا بنيأعظم مصابي
وحصل لي قمسكنسيت أقاربي
وكان لعصر الوزير أبن الخطيب بالأندلس محمّد بن عبد العظيم من أهل وادي آش وكان إماما في هذه الطريقة وله من زجل يعارض به مذغليس في قوله: لاح الضياء والنجوم حيارى بقوله:
حل المجون يأهل الشطارامذ حلت الشمس بالحمل
ثم ذكر أبن خلدون جملة من هذا الزجل وقال بعد ذلك: وهذه الطريقة الزجلية لهذا العهد هي فن العامة بالأندلس من الشعر وفيها نظمهم حتى إنهم لينظمون بها في سائر البحور الخمسة عشر لكن بلغتهم العمامية ويسمونه الشعر الزجلي. إلى أن قال: وكان من المجيدين في هذه الطريقة لأول هذه المئة الأديب أبو عبد الله اللوشي وله من قصيدة يمدح فيها السلطان أبن الأحمر:
طل الصباح قم يا نديم نشربوونظحكو من بعد ما نطربو
ثم سردها أبن خلدون وهي طويلة جدا.
ثم قال: ثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح نظموا فيه بلغتهم الحضرية أيضاً وسموه عروض البلد وكان أول من استحدثه بينهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير فنظم قطعة على طريقة الموشح ولم يخرج فيها عن مذهب الإعراب إلاّ قليلا مطلعها:
أبكاني بشاطي النهر نوح الحمامعلى الغصن في البستان قريب الصباح
وكف السحر تمحو مداد الظلاموماء الندى يجري بثغر الأقاح
باكرت الرياض والطل فيه افتراقسر الجوهر في نحور الجوار
ودمع النواعر ينهرق انهراقيحاكي ثعابين حلقت بالثمار
لووا بالغصون خلخال على كل ساقودار الجميع بالروض دور السوار
وأيدي الندى تخرق جيوب الكماموتحمل نسيم المسك عنها رياح
وعاج الضياء يطلى بمسك الغماموجر النسيم ذيلو عليها وفاح
رأيت الحمام بين الورق في القضيبقد ابتلت ارياشو بقطر الندى
ينوح مثل ذاك المستهام الغريبقد ألتف من ثوبو الجديد ردا
ولكن بفاح أحمر وساق خصيبينظم سلوك جوهر ويتقلدا
جلس بين الأغصان جلسة مستهامجناحا توسد والتوى في جناح
وصار يشتكي ما في الفؤاد من غراممنها ضم منقارو لصدرو وصاح
فقلت أحمام أحرمت عيني الهجوعأدى ما تزال تبكي بدمع سفوح
قال لي بكيت حتى صفت لي الدموعبلا دمع نبقى طول حياتي ننوح
على فرخ طار لي لم يكن لو رجوعألفت البكا والحزن من عهد نوح
كذال هو الوفا كذا هو الذمامانظر للجفون صارت بحال الجراح
وانتم من بكى منكم إذا تم عاميقول قد عياني ذا البكا والنواح
فقلت أحمام لو خضت بحر الضنىكان تبكي وترثي لي بدمع هتون
ولو كان بقلبي ما بقي أنارماد كان يصير تحتك فروع الغصون
اليوم لي نقاسي الهجر كم من سناحتى لا سبيل جملة تراني العيون
ومما كسا جسمي النحول والسقمأخافني نحولي عن عيون اللواح
لو جتني المنايا كان نموت في المقامومن مات بعد يا قوم لقد استراح
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع