من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ابن زمرك (٧)
وقوله ﵀:
رسوم ظاهر البلىبكل رسم طامس العنوان
وربعهم ما أشكلامنها لك حازم تبيان
قف بالديار وأعتبرإن كنت من أهل العبر
وأنظر لها وأزدجرفإنَّ فيها الأجر
كم معلم قد دثرفلم يبن منه أثر
تبكيه ورق الفلاوفي بكى الحمام أشجان
فلننتدب إلى الطلاففي فؤاد الهائم أحزان
سماعا من الوجودعنه تفاهم العقول
فغيبه وشهودكلاهما عين الدليل
حتى متى يا مريدتختال في ثوب الخمول
تشكو لنا العللاوأنت بالمآثم جذلان
فلذ بعز العلافعندنا للنادم إحسان
فناء أهل الطريقهو الوجود المطلق
فكل معنى دقيقبوصفهم يحقق
أنوارهم في شريقبها استضاء الموفق
قد أوضحوا السبيلافهم لنا في العالم برهان
فاجنح إليهم ولاتغفل للمواسم إبان
يا ناسيا لوصلناأيقظ من النوم الجفون
سلم إلينا فعلناما كان منه أو يكون
لا حول إلاّ حولنافأنف الشكوك والظنون
يا غادرا قد سلاأقصر فليس يجمل سلوان
لله ما أجملامن بات وهو بالهوى نشوان
يا طلبي للندىيبغي السماحة والنوال
يممفديت احمدا بدر العلا شمس الكمال
وعد عمن شداواستغرق المدح وقال:
إن جئت أرض سلاتلقاك بالمكارم فتيان
هم سطور العلاويوسف بن القاسم عنوان
وقوله ﵀:
بأرض طيبة معهدشوقي إليه مجدد
هل لي بتلك الطلول
من زورة ومقيل
يا قبر خير رسول
متى يراك فيسعدصب ببعدك مكمد
مذ قد براه انتزاح
وقص منه الجناح
له إليك ارتياح
بالغرب أضحى مقيدوالضعف والشيب يشهد
ربع التواصل أقوى
فمن على الهجر يقوى
قد صير الجسم نضوا
سهم بعاد مسددلقد رماني فأقصد
متى يتاح التداني
لمكد القلب عاني
يشدو بكل لسان
عسى الذي كنت أعهدمما تقضى يجدد
يا بغيتي يا مرادي
أشكوك فرط بعادي
في كل وادي أنادي:
مالي غيرك مقصدفكيف بالهجر أقصد
فوضت أمري إليك
فذاك وقف عليك
مالي شفيع لديكا
إلاّ بكائي سرمدفمن على الحسن يسعد
بي فاعل ما تشاء
أضحى لي منك الرجاء
فكل داء دوا
وكل رأيي مسددوكل أمر مرشد
وقوله ﵀:
قم وناج الله في داجي الغلستنتشي الأرواح
والتمس للعفو فيه ملتمسوانتبه قد فاح
عرف أزهار الرضا ثم اقتبسنور رشد لاح
وانتشق يا صاح أرواح السحريا لها مشموم
عرفه إن هب في إثر الزهرينعش المزكوم
مرغ الخد ونادي بالنحيبواهمل الأجفان
قف بمغناهم وقوف مستريبحالف الأشجان
واشك إن وافقت إصغاء الطبيبعلة الهجران
فعسى بالوصل تحيي ما دثرويطيب النعيم
فالنوى ما إن عليه مصطبروالبعاد أليم
يا رحيم الخلق رحماك فقدجئت مغنى رحيب
ليس للعبد على النار جلدوهو عبد مريب
عبد سوء لحماك قد قصديشتكي بالذنوب
من له يوم ترامي بالشررزفرات الجحيم
فيهاب الخلق من خير البشرعافني يا رحيم
أنا ما بين مقامين مقيمأورثاني شجا
في فؤادي من دموعي كلومقلما ترتجي
واعتلاقي بجناب الكريممشعر بالنجا
ها أنا في الحالتين في خطروالفؤاد سليم
سلك التوحيد فيه بالنظرسبل نهج قويم
أحليف الحزن تشكو بالعبادلذ بمجد أثيل
في قباب المجد تحظى بالمرادحيث حل الرسول
عنده يشفي صداه الفؤادواسألن من يقول:
ليتني رملة الحرة
وقوله ﵀:
نأت بي الأوطانعن حضرة الإحسان ولا معين
فمن لذي أحزانلطيبة قد كان له حنين
شطت بي الدارفيا شوقها ليثرب
أحبابه سارواوالبين أقصاه بالمغرب
في قلبه نارتذكيه أمراه فلتعجب
لو سابق الإخوانفي ذلك الميدان أضحى مكين
فحالف الأشجانواصحب مع الأحيان قلبا حزين
للمورد العذبوالمنهل السلسل شدوا الرحيل
فيا ظما قلبيلذلك المنهل هل من مقيل
بساحة القربفيبرد السلسل حر الغليل
إنَّ أمكن الإمكانأنَّ يكرع الظمآن من المعين
في مشرب الرضوانفذاك سعد دان للرائدين
يا حادي الظعنوسائق الركب إلى العقيق
أسفت للبينفهل إلى القرب يلفي طريق
متى النوى تدنىمن مطلع الشهب قلبا خفوق
فيثرب بستان للروح والريحانفيه فنون
ودوحه المزدانتحيا به الأكوان في كل حين
يا خير مرسولللحر والعبد بالمعجزات
نداء مخبولنادى على بعد خوف الممات
أنتم مني سوليوانتم قصدي ولي صفات
تمجها الآذانوتقتضي الهجران فما تكون
من ذي شجونٍ عانيحكى بدوح ألبان شادي الغصون
يا صاح والقصدأنَّ يظفر الأواه بقصده
إنَّ شفك البعدفثق بعفو الله عن عبده
ودع فتى يشدوواللهو قد ألهاه عن رشده
جنان يا جنانأجن من البستان الياسمين
وخل الريحانبحرمة الرحمن للعاشقين
وقوله رحمه الله تعالى:
لأحمد المصطفى مقام
جل علا فلا يرام
بنوره يهتدى الأنام
فأي شمس وأي بدرقد أطلعته لنا السعود
بنوره تشرق الشموس
في حبه تخلع النفوس
يا أيّها المسمع الرئيس
أدر علينا كئوس فخرمن ذكره تعط ما تريد
أمدح خير الروى نعيم
نحن أناس بها نهم
يا مادحيه بالله قوموا
خوضوا بنا موج بحر فخرمن مات فيه فهو شهيد
الشطح في حله مباح
ونحن قوم لنا ارتياح
قلوبنا حشوها جراح
من نأي مغنيات ليت شعريمتى يرى قبره العميد
إنَّ سمح الدهر بالوصول
لقبر خير الروى الرسول
السيد الأرفع الجليل
فثم نخلع ثياب طهروتوفى روح لمن تريد
وقوله أيضاً:
لهفي على عمري مضىوالشيب في الفود بدا وما قضيت الغرضا
أيام ريعان الشبابولت ولم تنو الإياب
فنار حزني في التهابودمع عيني في انسكاب
يا عهد أيام الرضاليس رجعة تشفي الصدى وتبقي المرضا
إنَّ كنت من أهل الصفادع عنك أوصاف الجفا
وأذكر كرم الله وجهه لرسم قد عفاوهو بمدح المصطفى
الهاشمي المرتضىتاج العلا شمس الهدى لا تبغ منه عوضا
وشم ربوعا للحبيبوانزل بمغناه الرحيب
ولذ بمرعاه الخصيبفهو لمّا تشكو الطبيب
ناد به معرضاهل تقبلون مكمدا قد كان عنكم اعرضا
رمت فؤادي النوىوغصن عمري قد ذوى
والشوق قلبي قد كوىواهاً على فقدي القوى
قضى النوى ما قد قضىهل يستطيع الجلدا قلب على جمر الغضى
لقد تناءت الدياروشط بي عنها المزار
لو كان لي حكم اختيارما قر بي عنها قرار
ما شاءه حكم القضايجري ولو طال المدى فلا تكن معترضا
وقوله ﵀:
أطلع الصبح راية الفجرفتبدي المكتوم من سري
إنَّ تكن باحثا عن الأسرارفانتشق صاح نفحة الأسحار
وأطل في الأصائل الأذكارفهي أذكى من عاطر الأزهار
أين طيب المسك وشذا الزهرفي دجى الليل من شذا الذكر
آو من أدمعي ومن حزنيفجعة البين كم ترى تضني
جسم مشتاق دمعي الجفنيا عذولي عليهم عني
عبراتي تنهل كالقطروفؤادي يذكى على الجمر
شفني الوجد فأجبروني صدعييوم بنتم عن ساحتي سلع
خدد الحد ساكب الدمعإنَّ تدعون متيم الجزع
بدل العسر منه باليسروأتته السعود بالبشر
ليس للعبد منكم بدكقد براني وشفني البعد
من لصب أذابه الوجدبات في دوح حزنه يشدو
في هواكم لقد فنى عمريفالطفوا بي وأمنوا ذعري
سيدي أنت ملجأ الصبفأجر من ضني النوى قلبي
إنَّ تكن لي أو إنَّ تكن حبسيفيك أشدو مقال ذي عجب
جبرر الذليل أيما جروصل الشكر منك بالشكر
وقوله رحمه الله تعالى:
لأحمد بهجةكالقمر الزاهر في أبراج السعد
علاؤها يسبيبنوره الباهر كل سنى مجد
في عالم القدسقدس علياه ففاق في الحمد
بالبدر والشمسيزري محياه فجل عن ند
للجن والإنسأرسله الله يهدي إلى الرشد
أذل بالحجةوأمره الظاهر من خان للعهد
بالشرق والغربثناؤه العاطر أندى من الند
يا خير مرسولمن خيرة الخلق أذاني البعد
إليك يا سوبيقد شوقي فكم أرى أشدو
بصوت مخبولحكى غنا ورق هيجا الوحد
غرقت في لجةوليس لي ناصر على جوي البعد
إلا يا حسبيوأدمع الناظر تنهل في الخد
إنَّ عاقني ذنبيعن ذلك المغنى فليس لي حول
وكيف بالقربللهمام المضى وبيننا سبل
تذيب بالكربجسما ذوى حزناً وشفه الخبل
إليكم وجهوجها غدا حائر والدمع في الخد
ينهل كالسحبوزفرة الخاطر تلهب بالوقد
يا سامع النجوىإليك أوصابي تشكو بأوجالي
تركتني تنضواألوذ بالباب مقسم البال
إنَّ كان بالبلوىلطول أغيابي أسأتم حالي
فقلبكم رجهبها أرى حاسر إنَّ لم تكن ندى
أعوذ بالحبمن أمرك الآمر بالبعد للعبد
بحب من تحدىلقبره النجب السيد الطاهر
هم دائما وجداًيا أيّها الصب وعد عن خاطر
من قال إذ أودىبقلبه الحب قولا غد سائر
بدائع البهجةونزهة الناظر وجنة الخلد
وبغية القلبوراحة الخاطر في ذلك الخد
وقوله، رحمه الله تعالى:
لأحمد تعنو الأقمارفعدد فخاره
وأنظم ثناه أشعارولازم وقاره
لأحمد بدر الأفقوشمس المعالي
تأجج نار إنشوقوكيف احتيالي
لئن فاز أهل السبقبذاك الكمال
وحلوا بهاتيك الداروحازوا جواره
ففي القلب نار الأفكارقد أذكت أواره
حادي الركب بلغ عنيسلاما كثيراً
وقل مغرم ذو حزنقد أضحى أسيرا
أصمته سهام البينلم يلف نصيرا
وقد أبعدته الأقداروالحزن أثاره
في القلب تنائي الأقطاريضرم ناره
إذا لاح لمع البرقمن اكناف نجد
دعاني إليه شوقيوافرط وجدي
إلى قبر خير الخلقسأجهد جهدي
لعلي أقضى الأوطاروأعطى مزاره
فعني تمحى الأوزارإذا زرت داره
يا حادي شوقي زمزمبذكر حبيب
يا حر وجدي ضرمنيران الوجيب
يا دمع عيني ارقمبخد الكثيب
رسوم سطور التذكارلربع أناره
سنا نور وجه المختارقد أعلى مناره
أيا رب بالمختاروالصحب الكرام
قرب قرب نائي الدارمن ذلك المقام
وأغفر قول ذي إصرارغنى في هيام
من يروني دار العطاربذرا المناره
ثيابي وما تحي الدارنعطه البشاره
وقوله رحمه الله تعالى:
آه من فرط الوجيبأورثت قلبي خبلا
زفرات شوق مدنفمنكم لم يعط وصلا
قد أذابته الشجونوالبكاء والأنين
نحوكم له حنينأبدا به يدين
دمع خديه الهتوندميت منه الجفون
يا ساقمي يا طبيبيعفوكم عني أولى
لم تزل باللطف توصففأنل عبدك فضلا
لم تزل بي في أموريسيدي مولى لطيفا
أنت مولاي نصيريفاجبر العبد الضعيفا
من عذيري أو مجيريإن أطلت بي الوقوفا
يا ليومي العصيبوسجل الصحف يتلى
وقلوب الخلق ترجفولنار الخوف تصلى
بالنبي بالعلىبالرفيع القدر أحمد
وعتيق الرضىوأبي حفص الممجد
والشهيد وعلىغرر الفجر المؤبد
نحو ساحات الحبيبفلتيسر لي سبلا
فمتى بالقرب أسعفأو أرى لذلك أهلا
يا حداة العيس عنىفاحملوا نحو العقيق
أسفي وطول حزنيوبكائي وشهيقي
علني بالخيف أجنىزهر إبان اللحوق
هل لصب من نصيبفيعود الهجر وصلا
يا زمان القرب أعطفوأنل مضناك شملا
سيدي قد ذبت حزنالا تخيب فيك قصدي
وأنلني منك حسنيقد براني طول بعدي
واغتفر قول معنىهائما يشكو بوجدي
يا فلان إنَّ زرت حبيافتل أذن وبالرسيلا
ليس أخذ عنق الخشيفوسرق فم الحجيلا
انتهى ما قصدته من موشحة هذا الشيخ النبوية.
وأما نظمه في غير الموشحات فمنه قوله ﵀:
هب النسيم بطيب ذكر الهاديفتأرجت نفحات عرف النادي
يا شاديا يشدو بمدح محمّدكرر فديتك مدحه يا شادي
كرر على الأسماع ذكر محمّدفلذكره برد على الأكباد
وأعد علينا نظم فخر هلال منبهر الورى من حاضر أو بادي
هو ذروة المجد اللأثيل وقطبههو صفوة الأشراف والأمجاد
هو بحر جود فاض عذب نوالهوصفت موارده لدى الوراد
هو خير خلق الله والمختار منأعلى بحار جل عن أنداد
هو منتهى أملي وملجأ مفزعيهو شمس إيماني وبدر رشادي
هو عصمتي مما أخاف وحبهيوم القيامة للخطوب عمادي
إشراق كل النيرات وحسنهامن نور حسن شهابه الوقاد
لا تعجبوا فعناية المختار قدخرقت قياس العقل في المعتاد
شوقي إلى ذاك المقام أثارهحزن تلهب لفحه بفؤادي
يا ويح مكتئب وما قد شفهمن فرط أحزان وطول بعاد
كم رام قرب الدار من أحبابهلو أسعف المقدور بالإسعاد
كم رام أن يشفى بزورته ظلمالب إليَّ تلك المعاهد صادي
أيام أطلع بدر حسن شبابهمن فوق ناعم غصنه المياد
فالآن قد لعبت به أيامهوعدت عليه للمشيب عوادي
شيب وضعف وانتزاح مواطنفمتى الدهر نيل مراذي
لهفي على عمر تصرم واقضىأفنيت فيه طارفي وتلادي
فلأنزحن مدافعي أسفا علىما قدمته يدي ليوم معادي
يا حادي الأضعان يأمل طيبةأقصص فديتك قصتي يا حادي
وانزل بهاتيك الربوع وقف علىنادي الندامي إن عرضت وناد:
هذا أسير بعادكم أجفانهتجلى بفيض الدمع سحب عهاد
فمتى على بعد الديار وشحطهايحظى بوصلكم حلف سهاد
فعليكم مني لسلام طيبما ناح غريد بسرحة وادي
وقوله ﵀:
سأنظم من فخر النبي محمّدلآلئ لا يبلى جديد نظامها
تضوع طيبا عرفها فكأنهتضوع أزهار بدت من كمامها
سجايا أبت إلاّ السماكين منزلاففاق على العلياء علق مقامها
خلال إذا لاحت قباب لدى علاتنيف فتعلوها قباب خيامها
إذا يمموا يوما إمام مكارمفأحمد قد أضحى إمام إمامها
فكم ذو علا أو ما لدرك مقامهافمر ولم يدرك مرامي مرامها
وكم ظامي رام يروى بريهافآب وقد ضحى عليل أوامها
لذلك العلا قلبي مشوق بحبهموقد شوقت نفسي بطول مقامها
فلله عيه لا تمل بكاءهاوقد حرمت فيه لذيذ منامها
ونفس على بعد الدار قريحةتطارح في البلوى حمام حمامها
وعمر مضت أيام شرخ شبابهوقد صرف الدهر غصن قوامها
قيا نسمة الأسحار من نحو يثربألمى بنفس قد ذوت بضرامها
ويا حادي الأظان نحو قبابهمإلاّ فاخصص العليا بطيب سلامها
ومن ذلك قوله ﵀ مخمسا شعرا لغيره:
إلاّ هل إلى وادي العقيق طريق
فقد هاج شوقا للديار مشوق
يقول وفي الأكباد منه خفوق
دموعي على وادي العقيق عقيقولي زفرة تحدو بها وتسوق
إذا ما حدا في ظلمة الليل دالج
تحركني نحو العقيق لواعج
وعندي من الشوق المبرح هائج
وفي كبدي من لوعة البين لاعجيهيج بها بين الضلوع حريق
ولمّا جرت بي نحو طيبة أسعدي
وبلغت آمالي وأوتيت مقصدي
وأوردني التوفيق أعظم مورد
نظرت فقالوا إنَّ ذا قبر أحمدوذاك أبو حفص وذاك عتيق
فما ذاك إلاّ أنني شممت بارقا
ففت الجوى مني ضلوعا خوافقا
وأبديت وجدا للعوائد خارقا
فما ملكت عيني دموعا سوابقاولا هدأت لي زفرة وشهيق
بذكرك يا خير الأنام تلذذي
وباسمك من خطب البعاد تعوذي
وما زال قلبي بامتداحك يتغذى
ألا يا رسول الله حبك منقذيوإني لفي بحر الذنوب غريق
عليك مدى الأحيان تنهل أدمعي
وفيك وإن أبدعت ما زال مطمعي
شفيعي حبي للنبي المرفع
وهل تحرقن النار قلبي وأضلعيوحبك في قلبي وأنت رفيق
ثناؤك ريحاني ومسكي ومندلي
عليك رسول الله كل معولي
حنانيك للقلب المتيم فابذل
فكم فيه من مثقال حبة خردلوربك بالوعد الكريم حقيق
قلت: ولنجعل آخر ما أوردناه من أمداحه النبوية قوله:
تركت انتداح العالمين ولذت منمدائح خير الخلق بالعروة الثقى
سأجعلها كهفي وحصني وملجئيلعلي بالأمداح أستوجب العتقا
نسأل الله بجاه هذا النبي الشرف القدر العظيم المزية أن يعتقنا من النار ويجيرنا في الدنيا والآخرة من كل مصيبة ورزية وأن يسهل علينا زيارته العظيمة البركات وأن يلطف بنا في السكنات والحركات.
وقد عن لي لمّا ذكرت كلام أبن خلدون في الموشحات أن أذكر كلام الإمام أبن خاتمة.
قال رحمه الله تعالى في كتابه " مزية المرية " في باب محمّد ما نصه: " محمّد بن عبادة يكنى أبا بكر ويعرف بالقزاز وأحسبه من أهل مالقة كان من صدور الأدباء ومشاهير الشعراء والألباء وممن له باع فسح في طريقة التوشيح حتى طار اسمه فيها كل مطار واشتهر بها نظمه أي اشتهار. وهذه الطريقة من مخترعات أهل الأندلس ومبتدعاتهم الآخذة
بالأنفس هم الذين نهجوا سبيلها ووضعوا محصولها.
قال أبو الحسن بن بسام: وأوّل من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها فيما بلغني محمّد بن محمود القبري الضري وكان يصنعها على أعاريض أشطار الأشعار غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة يأخذ اللفظ العامي أو العجمي يسميه المركز ويضع عليه الموشحة من غير تضمين فيها وأغصان. وقيل إنَّ أبا عمر بن عبد ربة صاحب كتاب العقد هو أوّل من سبق إلى هذا النوع من الموشحات.
وحكى الكاتب أبو الحسن علي بن سعيد العنسي في كتابه " المقتطف من أزهار الطرف " أنَّ الحجاري ذكر في كتابه " المسهب في غرائب المغرب " أنَّ المخترع لها بجزية الأندلس المقدم بن معافي القبري من شعراء الأمير عبد الله المرواني وأخذه عنه أبو عمر بن عبد ربة صاحب العقد ثم غلبهما عليه المتأخرون. وأوّل من برع فيه منهم عبادة بن القزاز شاعر المعتصم صاحب المرية.
قال الأستاذ أبو الحسن على بي سعد الخيري البلنيس في كتابه: " نزهرة الأنفس وروضة التأنس في توشيح أهل الأندلس " ضمنه عشرين وشاحا على طريقتها في الإجادة والإحسان.
العباديون ثلاثة: أبن ماء السماء وهو عبادة بن عبد الله بن محمّد بن عبادة
أبن ماء السماء بن أفلح بن الحسين بن سعيد بن قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري من أهل مالقة. وعبادة بن محمّد بن عبادة بن الأقرع ومحمّد بن عبادة القزاز هذا.
قال الأستاذ أبو جعفر: وكان محمّد بن عبادة من شعراء المعتصم فوشحه منها بكل در منتظم وعقد بمعنى البلاغة والبراعة ملتم. ومن أظرف ما وقع له في المديح من التوشيح موشحته التي أولها:
كم في القدود الليانتحت اللمم من أقمار عواطي
ومن أظرف ما وقع له من خلالها من حسن الاتئام وسهولة النظام ما يندر وجود مثله في منثور الكلام وذلك في أحد مراكزها حيث يقول:
لمّا غدا قادراأضحى قليل المعذلة
يا حاكما جائراقتلت من لا ذنب له
سطوت بالهيمانظلما ولم تستبصر يا ساطي
خفف سطوة الرحمنإذا حكم بين البري والخاطي
ويخرج في هذه الموشحة على قوله:
ما أملح المهرجانوفل ينم كالعنبر للسواطي
والفلك كالعقبانوالمعتصم بالعسكر في الشاطي
ثم قال أبن خاتمة: " ومن شعره ما أنشد أبو أحمد جعفر بن إبراهيم أبن الحاج المعافري في كتابه محك الشعر ونسبه إليه:
أودع فؤادي حرقا أو دعذاتك تردى أنت في أضلعي
وأرم سهام اللحظ أو كفهاأنت بما ترمى مصاب معي
موقعها قلبي وأنت الذيمسكنه في ذلك الموضع
وله ﵀:
أنظر إلى البدر الذي لاح لكفي وسط اللجة تحت الحلك
قد جعل البحر سماء لهواتخذ الفلك مكان الفلك
وحضر مجلس المعتصم أبن صمادح وبين أيديهم ورد مصبوب فبرز من داخل وردة منها الحيوان الأخضر الموجود في الورد وتسميه العرب القيقزان فقال له المعتصم: صفه فقال:
وأخضر حمادي في الورد لائحعلى صفح ورد حسنه متناهي
كما أخذت حسناء فص زمردبصفرة مسواك وحمرة شفاه
وكتب يوما إلى المعتصم وقد تأخرت صلات شعرائه:
يا أيها الملك الذي حاز العلامعن أبوه وخاله المنصور
بفناء قصرك عصبة أدبيةلا زال بشملهم معمور
زفوا إليك بنات أفكارهمواستبطئوك فهم لهن قصور
انتهى كلام أبن خاتمة رحمه الله تعالى.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع