من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الشيخ أبو القاسم الفياض بن علي الهروي
طبعه كاسمه، والفضائل كلّها برسمه. وهو من أفراد خراسان وفور حظّ، وسلاسة لفظ. وكأنّ البحتريّ وصف أشعاره بقوله:
حزن مستعمل الكلام اختياراوتجنّبن ظلمة التّعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركن به غاية المرام البعيد
[كالعذارى غدون في الحلل الصّفر إذا رحن في الخطوط السّود
عرف الصالحون فضلك بالعلم وقال الجّهال بالتّقليد]
بلى لفظه قريب، ولكنه أمنع من معشوق عليه رقيب، وشأوه بعيد ولكن ليس لنفس الفكر وراءه تصعيد. وسمعت [السيد] (الأجلّ العالم) شرف السّادة، رضوان الله عليه، يقول: وهو العالم الذي عرف العالم فضله، والرائد الذي لم يكذب قطّ أهله، إنه أشعر أقرانه، وآدب أبناء زمانه. وأنا، وإن لم أكن عديله فقد أوجبت تعديله. والقول ما قالت حذام. فأصغ من بعد من كلامه إلى الحلو الحلال، ممزوجا بالمرّ الحرام، أعني البائية التي مدح بها الصاحب نظام الملك، أدام الله أيامه، فأحسن فيها ما شاء، وأتبع دلو إحسانه الرشاء. وذكر فيها الفتوح التي اتفقت للدولة القاهرة، فاتّسقت كأنابيب القنا، واطّردت كأرسال القطا، واخترت منها ما هو من شرط الكتاب، وهي:
هو الدين فانظر كيف طالت مناكبهوكيف تراءت مشرقات كواكبه
حلفت بمجرى الخيل والنقع ثائرتردّ عيون الناظرين غياهبه
ومنها:
وكلّ أصمّ الكعب ماض سنانهوكلّ صقيل المتن عضب مضاربه
/ لقد راح دين الله وهو بمائهوأصبح ملك الأرض صفوا مشاربه
وعادا على رغم العدا وكلاهمارقيق حواشيه فسيح مشاربه
فهذا نمير لا يعاف ورودهيعود بريّ كيفما شاء شاربه
وذاك منيع لا يروّع جارهيروح ويغدو آمن السّرب ساربه
[ومنها]:
وقد شام ربّ الشام بارق سيفهلضلّته ظنّا بأن سيضاربه
فلمّا رآه عارضا يمطر الرّدىوتجنب أسباب المنايا جنائبه
أطاع وأعطى الملك عن ظهر كفّهوقد كان دهرا لا تذلّ مصاعبه
وقد طالعت مصرا طلائع خيلهفأصبح طوعا للمقادة صاحبه
وخلّى سرير الملك غير مدافعوأسلمه كتّابه وكتائبه
وذلّ، وقدما كان عزّ جنابهولان، وقدما قد تمنّع جانبه
ومنها:
اوها فاسألوا عنه سجستان إنّهيخبّر عنه رمله وأخاشبه
غدوا وابن يعقوب بن ليث على النّوىيكاتبه بالعبد حين يكاتبه
يرى شرفا أن عدّه اليوم حاجباوكان يسامي حاجب الشمس حاجبه
[ومنها] [أيضا]:
ولا تسألوا عن قيصر وجموعهفقصّته ما تنقضي وعجائبه
سرى ورؤوس الروم والروس خلفهيجاذبهم ثوب المنى وتجاذبه
بأرعن جرّار يزيد على الحصىوقطر الحيا فرسانه وجنائبه
يمدّ على الآفاق ليلا قتامهويزحم أركان الجبال مناكبه /
مئون ألوفا كالصّواعق ترتميلظى ما تني (برقا ورعدا) سحائبه
فوارس يلقون السّيوف بأنفسشداد إذا ما الموت صرّت جنادبه
مساعير فيهم كلّ أروع باسلتحاماه حيّات الوغى وعقاربه
سرى وهو يطوي الأرض غير معرّجيصدّق حسن الظنّ، والظنّ كاذبه
وخلّف قسطنطين يأمل أنّهتناخ بأعلى الرقّتين كتائبه
ويزعم أنّ الريّ وطأة ساعةوظاهر نيسابور حيث مضاربه
وأنّ بمرو الشّاهجان مقامهليفعل فيه كيف ما شاء ناهبه
يحاول دين الله غير مراقبولم يدر أنّ الله كان يراقبه
وأنّ عليه هيبة عضديّةتعاضده كيف اغتدى وتصاحبه
وعين نظام الملك ترعى ثغورهتباعده أطرافه وتصاقبه
ومنها في صفة الشجعان:
مغاوير فيهم كلّ صلت جبينهجليل مساعيه كريم مكاسبه
يمجّ المنايا والمنايا تمجّهيقاربها مستبسلا وتجانبه
كليث الشّرى إقدامه، غير أنّهرقاق الظّبى أنيابه ومخالبه
يلاعب أطراف الرماح كأنّهيناسبها يوم الوغى وتناسبه
ويقدم يوم الرّوع لا يتّقي الرّدىولو أصبح المرّيخ قرنا يواثبه
ففاجاهم بغتا ولم يشعروا بهكما انقضّ نجم يملأ الجوّ ثاقبه
/ فما وقفوا للطّعن إلا تعلّةحيارى وكلّ ذاهل العقل ذاهبه
وغادرهم أيدي سبا، فمجدّليحكّم في أطرافه السيف ضاربه
ومستأسر ألقى يد الذّلّ صاغرايراقب نقيا (جامد الرّيق عاصبه
وقصّر لمّا أن رأى السيف قيصروقد (خذلته خيله) ومواكبه
تولّى رجاء أن يفوت بنفسهوأنّى وبرهان الخليفة طالبه؟
ولا لوم أن ولّى على الوجه هاربافذلك يوم لا يعنّف هاربه
فلم تغن عنه في الوقوف سيوفهولم تنجه عند النّجاء نجائبه
[ومنها أيضا]
ومن يركب البحر الخضمّ طمى بهعباب وأنّى يأمن البحر راكبه؟
فلمّا دنا من مجلس الملك خطوةوبين يديه ترجمان يخاطبه
تعفّر من مسّ التّراب جبينهوقد عاش دهرا ما تعفّر حاجبه
وأهوى لوجه الأرض لثما وقد بداله يوم بؤس كالح الوجه قاطبه
وقام على ساقيه يخدم ساقياوذلك أعلى ما اقتضته مراتبه
فلم يره السلطان أهلا لعتبهوقد كان حقا في الهدى لو يعاتبه
ومنّ عليه بالحياة تكرّماعشيّة أظفار المنون تناشبه
وقلّده ملك الممالك فانثنىوقد قضيت من كلّ شيء مآربه
فإن شكر النّعمى فذلك حقّهوإلا فقد أثنت عليه حقائبه
/أحاسده، مهلا، فهذي سيوفهوهاتيك يوم المكرمات مواهبه
وإن كنت في ريب فدونك فاعتبرفها هو نهج الحقّ يهديك لاحبه
إذا ما ملوك الأرض عدّوا فإنّمالكم كاهل المجد الأشمّ وغاربه
وأنشدني لنفسه أيضا:
توقّ مصارع الغفلات واحذرفليست زينة الدّنيا بزينه
وقصرك عن هواك فكلّ نفسغداة غد بما كسبت رهينه
هي الدّنيا تموج كما تراهابمن فيها فشأنك والسّفينه
قلت: ولهذا الفاضل شغف ببنات خاطري، ولا يزال يخطبها إليّ، وأنا أعضلها وعزّ عليّ إذ ليس ذلك العضل، مما يجيزه الفضل.
ولكنّي مع ثقتي ببخت القباح أصونه عن [أن] أزفّ إليه غير الملاح، والملح على فراسخ من كلامي، وغرضي فيما أحوكه مكثب للرّامي. وكان، أدام الله عزّه، كتب إليّ في هذا المعنى نونية، اعتقدت لها صبابة مجنونيّة ومطلعها:
يا سابقا في كلّ فنّنفسي تقيك وقلّ منّي
ديوان شعرك منيتيإن قيل: أسرف في التّمنّي
فأجب إليه بلا توان منك فيه ولا تأنّ
/فأجبت عنها بقولي من أبيات:
ما نطفة من حبّ مزنقد بيّتوها جوف شنّ
وسلافة من قلب دنّبخّروه بقلب دنّ
وتصافح بعد القلىوتصالح غبّ التّجنّي
إلّا كشعر صديقي الفيّاض فاشد به وغنّ
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع