تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

الرسالة التاسعة كتاب فصل ما بين العداوة والحسد

الصفحة ٢ من ٢

ومنهم من رأى الإفضال على عدوّه وترك مجازاته. وهذا كثير لا يحتاج فيه إلى استقصاء شواهده.

قال غيْلان بن خرشة الضّبيّ - وقال بعضهم: بل الأحنف بن قيس - لا تزال العرب بخيرٍ ما لبست العمائم وتقلَّدت السيوف وركبت الخيل، ولم تأخذها حميّة الأوغاد. قيل: وما حميّة الأوغاد؟ قال:

أن يروا الحِلْم ذُلاًّ، والتواهب ضيما.

وقال الشَّعبيّ لرجل قال له: ألا تنتقم من فلانٍ فقد عاداك ونصب لك؟ فقال:

ليست الأحلام في حال الرِّضاإنما الأحلام في حال الغضبْ
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «ليست الأحلام في حال الرضا»

وأنشدني بعض العلماء بيتين وقال: إن الزُّنبيري كان كثيراً ما يتمثل بهما:

وإني لأعدائي على المقت والقلىبني العم منهم كاشح وحسود
أذُبُّ وأرمي بالحصى من ورائهموأبدأ بالحسنى لهم وأعود
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة

وكان عبد الملك بن مروان إذا أُنشد:

إني وإن كان ابن عمي كاشحاًلمُراجمٌ من دونه وورائه
ومُعيرُه نصري وإن كان امرأًمتزحزحاً في أرضه وسمائه
وإن اكتسى ثوباً نفيساً لم أقليا ليت أنَّ عليَّ حسن ردائه
وإذا تخرَّق في غناه وفرتهوإذا تصعلك كنت من قرنائه

قال: هذا والله من شعر الأشراف. نفى عن نفسه الحسد واللؤم والانتقام عند الإمكان، والمسألة عند الحاجة.

ومنهم من أمر بالسَّفه في العداوة واستعمال الخُرق فيها.

حدّثني نوح بن احمد عن أبيه عن ابن عبَّاس قال: جاء النابغة الجعديّ إلى رسول الله ﷺ، فقال: هل معك من الشِّعر ما عفا الله عنه؟ قال: نعم. قال: أنشدْني منه. فأنشده:

وإنّا لقومٌ ما نعوِّد خيلناإذا ما التقينا أن تحيدا وتنفرا
وتنكر يوم الرَّوع ألوان خيلنامن الطَّعن حتى تحسب الجون أشقرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»
وليس بمعروفٍ لنا أن نردَّهاصحاحاً ولا مستنكراً أن تعقَّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»
بلغنا السماء مجدنا وسناؤناوإنَّا لنبغي فوق ذلك مظْهرا

فقال له رسول الله ﷺ: إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال: إلى الجنّة. فقال رسول الله ﷺ: " إلى الجنّة إن شاء الله ".

ثم رجع في قصيدته فقال:

ولا خير في جهلٍ إذا لم يكن لهحليمٌ إذا ما أورد الأمر أصدرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»
ولا خير في حلمٍ إذا لم تكن لهبوادر تحمي صفوه أن يكدَّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»

فقال رسول الله ﷺ: " لا فضَّ الله فاك ". قال: فأتتْ عليه عشرون ومائة سنة، كلما سقطت له سنٌّ اثَّغرت أخرى مكانها؛ لدعوة رسول الله ﷺ.

فهذا أحسن ما رُوي في البادرة التي يُصان بها الحلم.

وقال الشاعر الجاهلي:

صفحنا عن بني ذُهلٍوقلنا: القوم إخوانُ
عسى الأيام أن يرجعن حيّاً كالذي كانوا
فلما صرَّح الشَّرُّوأمسى وهو عُريانُ
مشينا مشية الليثبدا واللَّيث غضبانُ
بضربٍ فيه توهينوتضجيعٌ وإذعانُ
وطعنٍ كفم الزِّقوهي والزِّقُّ ملآنُ
وفي الشر نجاةٌ حين لا ينجيك إحسانُ
للشاعر الفند الزماني، من قصيدة «أقيدوا القوم إن الظلم لايرضاه ديان»

حدثنا أبو مسهر عن أبيه عن خالد بن عمرو الكلبيّ قال: كنا مع أبي برْزة الأسلمشِّ في غزاة، فكان منا رجل يمتار لنا الميرة ويقوم بحوائجنا، فإذا أقبل قلنا: جزاك الله خيرا. فغضب لدعائنا، فشكونا ذلك إلى أبي برزة، فقال أبو برزة: كنا نسمع أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر، فاقلبوا له. فكنا نقول له إذا أتانا بالحوائج: جزاك الله شرّاً وعرّاً، فيضحك لذلك.

وأنشدني رجلٌ عن بعض الأعراب:

أرى الحلم في بعض المواطن ذلّةًوفي بعضها عزّاً يُشرَّف فاعله
إذا أنت لم تدفع بحلمك جاهلاًسفيهاً ولم تقرنْ به من يُجاهله
لبست له ثوب المذلّة صاغراًفأصبح قد أودى بحقِّك باطله
فأبق على جُهال قومك إنهلكلِّ حليمٍ موطنٌ هو جاهله

وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " استوصوا بالغوغاء خيراً، فإنهم يطفئون الحريق، ويسُدُّون البثوق ".

وقال أبو سلمى في الجاهلية:

لا بدَّ للسُّودد من رماحومن عديد يُتَّقى بالراح

ومن كلابٍ جمّة النُّباح

وقال مسلم بن الوليد:

حلفتُ لئن لم تلقني سفهاؤهاخُزاعة والحيَّان عوفٌ وأسلمُ
لأرتجعنَّ الودَّ بيني وبينهابقافيةٍ تفري العروق فتحسمُ
من اللاء لا يرجعن إلا شوارداًلهنَّ بأفواه الرجال تهمْهمُ
أصابوا حليماً فاستعدُّوا بجاهلإذا الحلم لم يمنعك فالجهل أحزمُ

ولم نستقص الأبواب كلها بالمعارضة في هذا الكتاب، ولو استقصينا

لطالت بنا الأيام وتراخت الليالي إلى بلوغ الغاية في تمام الكتاب. وإنما ذكرنا من كل باب عرض فيه ما دلّ على معناه الذي إليه قُصد.

ولم نر الحسد أمر به أحدٌ من العرب والعجم في حالٍ من الأحوال، ولا ندب إليه ونبَّه عليه. وقد نُبِّه على العداوة وفُصِّل بين أحوالها بما قد بيَّنَّاه، فظهر فضلها على الحسد بذلك.

وكنت امرأً قليل الحساد حتى اعتصمتُ بعروتك، واستمسكت بحبلك واستذريت في ظلّك، فتراكم على الحساد وازدحموا، ورموني بسهامهم من كل أوبٍ وأفق، وتتايعوا عليَّ تتايع الدَّثْر على مشتار العسل. ولئن كثروا لقد كثر بهبوب ريحك إخواني، وبنضرة أيامك وزهرة دولتك خُلاَّني. وأنا كما قلت:

فأكثرت حُسَّادي وأكثرت خُلَّتيوكنت وحُسَّادي قليلٌ وخُلاَّني
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «فأكثرت حسادي وأكثرت خلتي»

فلما بلغت هذا الفصل من تأليف هذا الكتاب دخل عليَّ عشرة نفرٍ من الكتاب قد شملهم معروفك، ورفع مراتبهم جميلُ نظرك، فهم من طاعتك والمحبّة لك على حسب ما أوليتهم من إحسانك وجزيل فوائدك، فأفاضوا في حديثٍ من أحاديث الحسد، فشعَّب لهم ذلك الحديث شعوباً

افتنُّوا فيها - والحديث ذو شجون - فما برحوا حتَّى أتتني رقعة أناسيةٍ من الحساد فيها سهام الوعيد، ومقدمات التهديد والتحذير والتخويف، للطَّعن على ما ألَّفت من الكتب إن أنا لم أضمن لهم الشركة فيما يُجرى عليّ، فدفعت رُقعتهم إلى من قرب إليَّ منهم، فقرأها ثم قال: " قاتلهم الله! أبظلمٍ يرمون النيل ويلتمسون الشركة في المعروف! لنزع الرُّوح بالكلاليب أهون من بذل معروفٍ بترهيب ". وأنشأ يقول:

أبقي الحوادث من خليلك مثل جندلة المراجمْ
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة
قد رامني الأعداء قبلك فامتنعت من المظالم
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

ودفعها إلى من قُرب منه فقرأها. وقال الثاني: " صكَّة جُلمود، لكل مُرعدٍ حسود، يمستطر العرف بالتهديد. خلِّ الوعيد، يذهب في البيد ". وأنشأ يقول:

أبرقْ وأرعدْ يا يزيد فما وعيدُك لي بضائرْ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «أبرق وأرعد يا يزيد»

ودفعها إلى الثالث فقرأها وقال: " سألوا ظلما، وخوَّفوا هضماً، لقوا حرباً ولقيت سلما ". وأنشأ يقول:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاًأبشرْ بطول سلامة يا مربعُ
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط برامتين فودعوا»

ودفعها إلى الرابع فقرأها وقال: " قول الذَّليل وبوله سيَّان ". وأنشأ يقول:

ماضرَّ تغلب وائلٍ أهجوتهاأم بُلت حيث تناطح البحران

ودفعها إلى الخامس فقرأها وقال: " نهيق الحمار، ودمُ الأعيار جُبارٌ جُبار ". وأنشأ يقول:

ما أُبالي أنبَّ بالحزن تيسٌأم لحاني بظهر غيبٍ لئيم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «منع النوم بالعشاء الهموم»

ودفعها إلى السادس فقرأها وقال: " إذا عَلِقتك الأمجاد، فليهُنْ عليك الحساد ". وانشأ يقول:

إذا أهل الكرامة أكرمونيفلا أخشى الهوان من اللئام

ودفعها إلى السابع فقرأها وقال: " كيف يخاف الصُّرعة، من هو في ذي المنعة ". وأنشأ يقول:

كم تنبحون وما يغني نباحكمما يملك الكلب غير النَّبح من ضرر

ودفعها إلى العاشر فقرأها وقال: " نوكى هلكى، لم يعرفوا خبرك، ولا دروْا أمرك ". وأنشأ يقول:

فلو علم الكلاب بنو الكلاببحالك عند سِّيدنا لذلُّوا

وعندي صديقٌ لي من السُّوقة له أدبٌ، فقال لي بعقب فراغهم مُسرّاً: إن هؤلاء الكتاب قد أظهروا الاستخفاف بقول الحُسّاد، وضربوا الأمثال في هوانهم عليك، وعرفوا أنَّك في منعة من عزِّ أبي الحسن أطال الله بقاءه، ومعقلٍ لا يُسامى ولا يُنال. وأنا أقول بالشُّفعة:

توقَّ قوماً من الحُسَّاد قد قصدوالحطِّ قدرك في سرٍّ وفي علنِ

فقلت له: إنّي أقول بيتين هما جوابك وجواب الحُسَّاد:

إنَّ ابن يحيى عبيد الله أمّننيمن الحوادث بعد الخوف من زمني
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «إن ابن يحيى عبيد الله أمنني»
فلست أحذر حُسَّادي وإن كثرواما دمت مُمسك حبلٍ من أبي الحسن
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «إن ابن يحيى عبيد الله أمنني»

فلما رأى صديقي اقتفائي آثار الكتاب، باستهانتي للحساد عند اعتلاقي

حبائلك أعزك الله، أنشأ متمثِّلاً بقول نصر بن سيار:

إنِّي نشأت وحُسَّادي ذوو عددٍياذا المعارج لا تنقض لهم أحداً
إنْ يحسدوني على ما قد بنيت لهمفمثل حُسن بلائي جرَّ لي الحسدا

وليس العجب أن يكثروا وأنا أنعق بمحاسنك، وأهتف بشكرك، ولكن العجب كيف لا تتفتَّت أكبادهم كمدا.

وكان بعضهم يقول: اللهم كثِّر حُسَّاد ولدي؛ فإنهم لا يكثرون إلا بكثرة النعمة.

فإنْ كان والدي سبق منه هذا الدعاء، فإنَّ الإجابة كانت مخبوءة إلى زمان عزِّك؛ فقد رأينا تباشيرها، وبدت لنا عند عنايتك غايتها.

وكان بعض الصالحين يقول: اللهم اجعلْ ولدي محسودين، ولا تجعلهم مرحومين؛ فإنّ يوم المحسود يومُ عِزَّة، ويوم الحاسد يومُ ذلَّة.

ويقال: إنه لما مات الحجاج سمعوا جاريةً خلف جنازته وهي تقول:

اليوم يرحمنا من كان يحسدُناواليوم نتْبع من كانوا لنا تبعا

ويقال: إنّ زياد بن أبيه قال لحرقة ابنة النعمان: أخبريني بحالكم. قالت: إن شئت أجملت وإن شئت فسَّرت. فقال لها: أجملي. فقالت: " بتنا نُحسد، وأصبحنا نُرحم ". فخطبها زيادٌ وكانت في ديرٍ لها فكشفتْ عن رأسها، فإذا رأسٌ محلوق، فقالت: أرأس عروس كما ترى يا زياد؟ وأعطاها دنانير فأخذتْها وقالت: جزتْك يدٌ افتقرتْ بعد غنىً، ولا جزتك يدٌ استغنتْ بعد فقر! ولا نعلم الحسد جاء فيه شيء أكثر من حديث روي عن النبي ﷺ: " لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله حفظ القرآن فهو يقوم به

آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في وجوه البرّ آناء الليل وآناء النهار ".

فهذا الحسد إنما هو في طاعة الله ﷿، وطاعة رسوله ﷺ.

وقال بعض الأشراف:

احسدْ على نيل المكارم والعلىإذْ لم تكن في حاله المحسودٍ
حسد الفتى بالمكرمات لغيرهكرمٌ ولكن ليس بالمعدود

فهذا ما انتهى إلينا من أخبار الحسد، وزادك الله شرفاً وفضلاً، وعلماً ومعرفة، ولا زلت بالمكان الذي يُهدى إليك فيه الكتب، وتتحف بنوادر العلوم وفرائد الآداب، إنَّه قريب مجيب.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رسائل الجاحظ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.