تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الباب الأول في مملكة الهند والسّند

الصفحة ٢ من ٢

والسلطان عنده سلاح كامل حتى التركاش [¬] والقوس والنشاب، حيث

قعد، لا يفارقه سلاحه، قال: وهذا دأبه دائما أبدا.

وأما ركوب هذا السلطان فإنه يختلف، تارة يكون للحرب، وتارة يكون للانتقال في دهلى من مكان إلى مكان، وتارة يكون في قصوره، وأما إذا ركب إلى حرب، فالجبال سائرة، والرمال سائلة، والبحار تتدفق، والبحور والبروق تلمع، وأمور يعتقد كذبها العيان، ويعتقل عن وصفها اللسان، وعلى الفيلة من الأبراج مدينة أو قلعة حصينة، ولا يرى الطرف إلاّ النقع المثار، ودجى ليل ممتد على النهار، وشعار ولا يحمل أحد في الأعلام سواد إلاّ له خاصة، وفي الميمنة له أعلام سود، وفي الميسرة أعلام حصر، وفيها التنينات الذهب، السلطان أعلام سود [¬]، في أوساطها تنين عظيم من الذهب، وأمّا بقية الأمراء فكل واحد يحمل ما يناسبه، وأما ما يدق للسلطان من الرهجيات [¬] في الإقامة والسفر فإنه يدق له مثل الإسكندر ذي القرنين وهي مائتا جمل نقارات [¬]، وأربعون جملا من الكوسات [¬] وعشرون بوقا، وعشرة صنوج [¬]، وتدق له النوب الخمس أيضا، ويحمل معه ما لا يحصى من الخزائن، وغير ذلك ما لا يكاد يعد من الجنائب.

وأمّا في الصيد فإنه يخرج من خف، لا يكون معه أكثر من مائة ألف فارس،

ومائتي فيل، ويحمل معه أربعة قصور خشب على ثمانمائة جمل، كل قصر على مائتي جمل ملبسة جميعها ستور حرير سود مذهبة، وكل قصر طبقتان غير الخيم والخركاوات [¬].

وأمّا في الانتقال من مكان إلى مكان للتنزه أو ما هذا سبيله فيكون معه نحو ثلاثين ألف فارس، وهذه العدة من الفيلة وألف جنيب [¬] مسرجة ملجمة ما بين ملبس بالذهب ومحلا (المخطوط) ومطوق، ومنها المرصع بالجواهر واليواقيت.

وأما ركوبه في قصوره، فقال لي الشيخ محمد الخجندي، وكان ممن دخل دهلى، واستخدم في الجند بها، أنه رآه قد خرج من قصر إلى آخر وهو راكب وعلى رأسه الجتر [¬] والسلاح داريه [¬]، ورآه محمولا بأيديهم السلاح، وحوله قريب اثني عشر ألف مملوك، جميعهم مشاة؛ ليس فيهم راكب إلا حامل الجتر والسلاح داريه والجمداريه [¬] حملة القماش.

وقال لي الشيخ مبارك أن هذا السلطان يحمل على رأسه سبعة جتورة [¬] منها اثنان مرصعان ليس لهما قيمة [¬] ولدسته [¬] من الفخامة والعظمة والقوانين الشاهنشاهيه [¬]، والأوضاع السلطانية، ما لم يكن فعله إلا للإسكندر ذي القرنين أو لملكشاه بن ألب أرسلان [¬].

وأما الخانات والملوك والأمراء، فإنه لا يركب أحد منهم في السفر والحضر إلا بأعلام، وأكثر ما يحمل الخان تسعة أعلام، وأقل ما يحمل الأمير ثلاثة، وأكثر ما يجرى الخان في الحضر عشرة جنايب، وأكثر ما يجرى الأمير في الحضر جنيبات.

فأمّا في الأسفار فمهما وصلت قدرة كل واحد منهم ووسعة صدره وكرمه مع أنهم إذا حضروا باب السلطان، تضاءلوا لطمس شمسه كواكبهم، ولطم بحره سحابيهم، وهذا السلطان مع هذا ذو بر وإحسان وتواضع لله تعالى.

حدثني أبو الصفاء عمر بن إسحاق السبكي [¬] أنه رآه وقد نزل إلى جنازة فقير [¬] صالح، ومات، وحمل نعشه على عنقه، وله فضيلة جمّة يحفظ كتاب الله

تعالى وكتاب الهداية [¬] على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁، ويجيد في المعقول، ويكتب خطا حسنا، وله يد ممتدة في الرياضة، وتأديب النفس، والأدب، ويقول الشعر، وينظمه، ويستنشده، ويفهم معانيه، ويباحث عنها العلماء، ويناظر الفضلاء، ويؤاخذ خصوص الشعراء بالفارسية، فإنه عالق بأهدابها، عارف بشعابها.

قال: ولقد سمعته يبحث في معنى تقدم الأمس على اليوم، من أي قبيل هو، لأنهم قالوا إنما التقدم إما أن يكون بالزمان أو بالرتبة أو بالذات، وهذا لا يجوز أن يكون واحد من هذه الأقسام، وقرر أن (المخطوط ص) قولهم انتقض بهذا، لأن الأمس متقدم لا بشيء من هذا.

قال: ولقد رأيته يأخذ بأطراف الكلام على كل من حضر على كثرة العلماء.

قال: والعلماء تحضر مجلسه، وتفطر في شهر رمضان عنده، ويأمر صدر جهان كل ليلة واحدا ممن يحضر بأن يذكر نكتة [¬] ثم تتجاذب الجماعة أطراف البحث فيها بحضرة السلطان، وهو كواحد منهم، يتكلم معهم، ويبحث بينهم، ويرد عليه [¬]، وهو ممن لا يرخص في محذور، ولا يقر أحدا على منكر، ولا يتجاسر

أحد أن يتظاهر في بلاد بمحرم، وأشد ما ينكر على الخمر، ويقيم الحد فيه، ويبالغ في تأديب من يتعاطاه من المقربين إليه.

حدثني السيد الشريف تاج الدين ابن أبي المجاهد الحسن السمرقندي أن بعض الخانات [¬] الأكابر بدهلى، كان يشرب الخمرة، ويدمنها، ويصر عليها، وكان ينهى فلا ينتهى، فغضب عليه هذا السلطان غضبا شديدا، وأمسكه، وأخذ أمواله، فكان بحمله ما وجد له أربعمائة ألف ألف مثقال، وسبعة وثلاثون ألف مثقال ذهبا أحمرا، وفي هذه الحكاية كفاية في مبالغته في إنكار المنكر، وفي سعة أموال هذه البلاد، فإن هذا المال إذا حسب بالقناطير المصرية كان ثلاثة وأربعين ألف قنطار أو سبعمائة قنطار ذهبا، وهذا مما لا يكاد يدخل تحت حصر ولا إحصاء.

وحكى لي هذا الشريف حسن السمرقندي، وهو ممن جال الأرض وجاب الآفاق، عن أموال هذه البلاد وما تحار العقول فيه من مثل هذا أو أشباهه، وله من وجوه البر، والصدقات ما تسطره الدنيا في صحائف حسناتها، وترقمه الأيام في غرر حياتها، سمعت منه أحاديث جملتها ما علمت تفصيلها حتى حدثني الشيخ المبارك مبارك أن هذا السلطان يتصدق في كل يوم بلكين [¬] لا أقل منهما، يكون عنهما من نقد مصر والشام ألف ألف وستمائة ألف درهم في كل يوم، وربما بلغت صدقته في بعض الأيام خمسين لكا، ويتصدق عند رؤية كل هلال من كل شهر بكلين، عادة دائمة لا يقطعها، وعليه راتب مستمر لأربعين ألف فقير، لكل واحد منهم في كل يوم درهم واحد وخمسة (المخطوط ص) أرطال خبز قمح أو أرز، وقرر ألف فقيه في مكاتب أرزاقهم على ديوانه، تعلم الأيتام وأولاد الناس

القراءة والكتابة، ولا يدع بدهلى سائلا يستعطى الناس، بل كل من استعطى منع من هذا، وأجرى عليه ما يجرى على أمثاله من الفقراء.

فأما إحسانه إلى الغرباء، ومن يؤمله، فما يكاد يخرج عن حد التصديق.

حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري قال: كان عندنا بالأردو [¬] في خدمة السلطان أبي سعيد [¬]، رجل اسمه عضد بن قاضي يزد، يروم الوزارة، ولا يؤهل لها، ولا يعد من أكفائها، فلا يزال يشغب على الوزراء، ويفتن بين أهل الأردو، فاتفق رأيهم على إبعاده، فبعثوه رسولا إلى دهلى برسالة مضمونها السلام والوداد والسؤال والافتقاد، وعملوا هذه صورة ظاهرة لإبعاده، وكان قصدهم أن لا يعود، فلما حصل في دهلى، وحضر في حضرة هذا السلطان، وأدى الرسالة له، أقبل عليه، وشرفه بالخلع والعطاء، وأحله من كنفه في محل الرحب والسعة، وأطلق له حملا من المال، ثم لما أراد الانصراف عائدا إلى مرسله، قال له: أدخل الخزانة، وخذ مما شئت، وكان هذا السيد عضد رجلا داهية، فلما دخل الخزانة لم يأخذ سوى مصحف واحد، فسمع السلطان بهذا، فأعجبه، وقال له لأي شيء ما أخذت إلا هذا المصحف؟ فقال: لأن السلطان قد أغناني بفضله، ولم أجد أشرف من كتاب الله، فازداد إعجابه بفعله وبكلامه، ووقع منه

موقع الاستحسان، وأعطاه مالا جما، منه ما هو خاص بنفسه، ومنه ما هو معه لأبي سعيد على سبيل المهاداة، وكان جملة ما اتصل إليه منه ما هو لأبي سعيد وما هو له ثمانمائة، تومان [¬] التومان عشرة آلاف دينار رايجا، الدينار ستة دراهم، فيكون هذا المبلغ ثمانية آلاف ألف دينار رايجا، عنها ثمانية وأربعون ألف ألف درهم، فلما عاد بهذا المال الممدود، خشى أن يؤخذ في الأردو ومنه، ففرقه أقساما، وغيبه عن العيون، وكان أمير أحمد بن خواجه [¬] (المخطوط ص) رشيد، وهو أخو الوزير قد وقع له أمر أقتضى إخراجه من الأردو، وروعى لمكان أخيه الوزير غياث الدين محمد، فكتب له بأن يكون أمير الايلكاه [¬]، ومعنى هذا أنه يحكم حيث حل من المملكة حتى على حكامها، فصادف في طريقه هذا السيد عضد، فأخذ منه شيئا كثيرا، احتمل إنه عمل منه عدة حمول من أواني الذهب والفضة، ليقدمها إلى أبي سعيد والخواتين [¬] وأحسبه سبله له إلى العود إلى الأردو، فعاجله الموت، ثم مات أبو سعيد، والسيد عضد، وتصرمت تلك الأيام، وذهب الذهب، ولم يغن أحدا ما كسب [¬].

قال ابن الحكيم: وهذا السلطان صاحب دهلى، كرمه خارق، وإحسانه إلي الغرباء عظيم، قصده بعض الفضلاء من بلاد فارس، وقدم إليه كتبا حكيمة، منها الشفاء لابن سينا [¬]، واتفق أنه لما مثل بين يديه، وقدمه له، أحضر إليه حمل جليل من الجواهر الثمينة فحثا له منه ملء يده، وأعطاه له، وكان بعشرين ألف مثقال من الذهب، هذا غير بقية ما وصله به.

وحدثني الشريف السمرقندي، أن أهل بخاري [¬] يقصدونه بالبطيخ الأصفر المبقى عندهم في زمن الشتاء، فيعطيهم عطاء جزيلا.

قال [¬]: ومنهم واحد أعرفه، حمل إليه حملين من البطيخ، فتلف غالبه، ولم يصل معه إلا اثنتان وعشرون بطيخة، فأعطاه ثلاثة آلاف مثقال من الذهب.

قال الشيخ أبو بكر بن أبي الحسن الملتاني المعروف بابن التاج الحافظ [¬]: الذي بلغنا بالملتان، واستقاض عندنا بها، ثم أنى سافرت إلى دهلي، وأقمت بها،

ووجدت أيضا مستفيضا فيها، أن هذا السلطان التزم أنه لا ينطق في اطلاقاته بأقل من ذلك.

وحدثني الخجندي [¬] قال: قصدته، واتصلت به، فأنعم عليّ بألف مثقال من الذهب، ثم سأل إن كنت أختار الإقامة أو العود، فقلت: اخترت الإقامة، فأجراني في جملة الجند.

وحدثني الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي الصوفي، قال: بعث هذا السلطان مع جماعة أنا (المخطوط ص) منهم ثلاث لكوك [¬] ذهبا إلى بلاد ما وراء النهر، لتفرق على العلماء لكا منها، ويتصدق على الفقهاء بلك منها، ويبتاع له باللك الثالث [¬].

قال: وقال لنا بلغني أن الشيخ برهان الدين الصاغرجي شيخ سمرقند [¬] مزيد في العلوم والزهد، وأنه لا يثبت عنده مالا، فأعطوه أربعين ألف تنكة يتزود بها إلى الملتان [¬]، ثم إذا دخل بلادنا جدنا عليه بالأموال، ثم قال: وإن لم تجدوه، أعطوا هذا المبلغ لأهله، ليوصلوه إليه إذا جاء، وعرفوه بأننا نطلبه ليتزود إلى الملتان.

قال: فلما وصلنا إلى سمرقند، وجدناه، قد دخل إلى بلاد الصين، فأعطينا المال

لجاريته، وعرفناها برغبة السلطان فيه، وحثه على طلبه.

وحدثني الفقيه أبو الصفاء عمر بن إسحاق الشبلي أن هذا السلطان لا يفارق العلماء سفرا ولا حضرا [¬]، قال: وكنا معه في بعض غزواته، فلما كنا في أثناء الطريق جاءته من مقدمة عساكره كتب البشرى بالفتوح، ونحن بين يديه، فحصل له السرور، وقال: هذا ببركة هؤلاء العلماء، ثم أمر بأن يدخلوا بيت المال، ويحملوا من بيت المال ما قدروا عليه، ومن كان منهم ضعيفا يستنيب من يحمل من ذلك المال عنه، قال: فدخلوا إلى الخزانة، ولم أدخل أنا ولا كثير من أمثالي لأننا لم نكن من تلك الطبقة، وحمل أولئك كل واحد كيسين، كل كيس عشرة آلاف درهم إلا واحدا منهم، فإنه حمل ثلاثة أكياس، اثنين تحت إبطيه، وآخر فوق رأسه، فلما رآهم السلطان ضحك تعجبا من حرص الذي حمل الثلاثة، وسأل عن بقية الجماعة، ممن لم يدخل مثلي، فقيل له إن هؤلاء دون أولئك لأن هؤلاء من المدرسين، وهؤلاء من المعيدين، فأمر لكل واحد منا بعشرة آلاف درهم، ففرقت علينا.

قال: ومنار الشرع عنده قائم، وسوق أهل العلم لديه رائج، يشار إليهم بالتوقير والإجلال، وهم في غاية المحافظة على ما ينقام به ناموسهم من اصطلاح الظاهر والباطن والمداومة على قراءة العلم (المخطوط ص)، وإقرائه، والتحري في كل أمورهم، والاقتصاد في جميع أحوالهم، وهذا السلطان لا يتأنى عن الاجتهاد في الجهاد برا وبحرا، لا يثنى عنه عنانه ولا سنانه، ولا يزال هذا دأبه، نصب عينه، ودبر أذنه، وقد بلغ مبلغا عظيما في إعلاء كلمة الإيمان، ونشر الإسلام في تلك

الأقطار، حتى سطع في ذلك السواد ضوء الإسلام، وبرقت في تلك الأنواء بوارق الهدى، وهدم بيوت النيران، وكسر البدود [¬] والأصنام، وأخلا البرّ ممن ليس ببر إلا من هو تحت عقد الذمة، واتصل به الإسلام إلي أقصى المشرق، وقابل مطلع الشمس لألاء الصباح المشرق، وأوصل راية الأمة المحمدية كما قال أبو نصر العتبي [¬] إلى حيث لم تصل إليه راية ولا تليت به سورة ولا آية، فعمر الجوامع والمساجد، وأبطل التطريب بالآذان، وأسكت المزمزمة بالقرآن، وبوأ أهل هذه الملة قمم الكفار، وأورثهم - بتأييد الله - أموالهم وديارهم وأرضا لم يطأوها [¬]، وهو مع هذا تمد له خافقة مع كل خافقة، ففي البر عقبان الأعلام، وفي البحر غربان السفن الجواري المنشآت كالأعلام [¬] حتى أنه لا يخلو في يوم من الأيام من بيع آلاف مؤلفة من الرقيق بأقل الأثمان لكثرة السبى والأخذ.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.