من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسام البغدادي
الحافظ المشهور، الحامل سحابة المشرق على الربى أنار ذيله المجرور، الذي تدفق منه ابن معين، وأشرق به على بغداد ليل طلع صباحه من كمين، وعلا نسبه إلى بسام وضحاك سرورا بما قدم، وحبورا بأنه على ما أسلف من عمل صالح تقدم، ويقينا بأنه سيقدم على الله تحت راية رواية حديث نبيه ﷺ.
كان أبوه كاتبا لعبد الله بن ملك، وقيل: إنه كان على خراج الري، فمات، فخلف لابنه يحيى المذكور ألف ألف درهم، وخمسين ألف درهم، فأنفق المال جميعه على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه، وسئل: كم كتبت من الحديث؟ فقال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث.
وخلف من الكتب مائة قمطر، وأربع حباب شرابية مملوءة كتبا.
وهو صاحب الجرح والتعديل، وروى عنه الحديث كبار الأئمة كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، وغيرهم من الحفاظ، وكان بينه وبين الإمام أحمد من الصحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور لا حاجة إلى الإطالة بذكره.
وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا (ص) يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث.
وكان يقول: صاحبنا خلقه الله لهذا الشأن، ويظهر كذب الكذابين - يعني يحيى بن معين -.
وقال علي بن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير، وقتادة، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق، والأعمش، وعلم الحجاز إلى ابن شهاب، وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، ومعمر، وحماد بن سلمة، وأبي عوانة، ومن أهل الكوفة سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومن أهل الحجاز إلى مالك بن
أنس، ومن أهل الشام إلى الأوزاعي، وانتهى علم هؤلاء إلى محمد ابن إسحاق، والهيثم، ويحيى بن سعيد، وابن أبي زائدة، ووكيع، وابن المبارك، وهو أوسع هؤلاء علما، وابن
مهدي، ويحيى بن آدم، وصار علم هؤلاء جميعا إلى يحيى بن معين، وكان يحج، فيذهب إلى مكة على المدينة، ويرجع على غير المدينة، فلما كان آخر حجة حجها، خرج على المدينة، ورجع على المدينة، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم خرج حتى نزل المنزل مع رفاقه، فباتوا، فرأى في النوم هاتفا يهتف به: يا أبا زكريا، أترغب عن جواري؟ فلما أصبح، قال لرفاقه: امضوا، فإني راجع إلى
المدينة، فمضوا ورجع، فأقام بها ثلاثا، ثم مات، فحمل على أعواد النبي ﷺ وذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، كذا قال الخطيب.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع