من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد، أبو نصر، قاضي القضاة
(¬*)
رجل يرى النجم أحد مواطئ قدمه، وعبيد الليل وإماء النهار من خدمه، كان الرمح أقل قلميه، والعلم أحد علميه، أذعنت الأبطال لشجاعته، وتوقّته الأسود أوان احتدام مجاعته، وأمّنت العلماء على مقالته، وانضمت العلماء دائرة لهالته، وكان زعين الجيش، ومقيم صدر المحفل، إذا مال به الطيش، لولا آخرة أوقعت حظه في انتكاسة، ووصلت شعاعه بانعكاسه، وحركت من القذى آخر ما رسب في كأسه.
ذكره أبو الحسن عبد الغافر الفارسي في السياق، فقال: صدر المحافل المقدّم العزيز من وقت صباه في بيته وعشيرته.
ربّي في حجر الإمامة، وكان من أوجه الأحفاد عند القاضي الإمام صاعد، وأخصّهم بحسن نظره، وكان في عهد الصبا برجولية في طبعه، وميل إلى الاشتغال بالفروسية والرمي، واستعمال الأسلحة، وتعلم ما يتعلق بذلك، فرأى جده صاعد ذلك منه، فأقره عليه، وعلم أنه سيسود به عشيرته، بالتفرّس فنشأ على ذلك، وكان من أجمل شبان زمانه، وأكملهم آلة، وأجمعهم لأسباب
الفروسية والسياسة، حتى اضطرب الزمان، وانقرضت دولة آل سبكتكين عن
خراسان، وتحركت رياح آل سلجوق، في حدود سنة ثلاثين وأربعمائة، ووقع القحط مع انقلاب الدولة، وأظهر الغلاء والجلاء، وتتابعت المحن، وظهر اللصوص والعيّارون في البلد، وكانوا يغيرون على السكك والخانات المعروفة الموسومة بالخزائن، فاحتاج البلد وأهله إلى أن يطاف بالليالي، ويحرس الناس عن القتل والبيات، ويدفع أذى العيارين، وكان هذا الصدر متهيبا لذلك، فأشار عليه جده صاعد بردع المفسدين، وأفتاه بدفع ذلك، وقتل العيارين واللصوص لما فيه من المصلحة، فقام بذلك أحسن قيام، وساس الرعايا أبلغ سياسة، ولم يزل بأهل الزعارة والفساد واللصوص حتى أتى على أكثرهم، وتولى قتلهم بنفسه، ودفعهم عن المسلمين، حتى سكنت تلك الثائرة، واستقلت الدولة السلجوقية، وزال الغلاء بعض الزوال، فحصل له ما سبق به أقرانه وأقاربه من أهل العلم وسادهم، وتقدم عليهم، ثم لم يزل يرتفع أمره لما فيه من المروءة والرجولية، والهمة العالية، إلى أن فوضت رياسة نيسابور إليه، فصار رئيس الرؤساء بها، وساعدته الاتفاقات الحسنة من أسباب الدنيا، فأجرى الرئاسة ورسومها على أحسن مجاريها، ورسم المحافل والمشاهد والمجامع أحسن رسم، وأزينه، وكان ملحوظا من السلطان وأركان الدولة بعين الاحترام والإكرام، سافر إلى العسكر مرات، ونال من المكرمة والحشمة والجاه ما لم ينله غيره، ولم يلحق وجه حاله غيره، في هذه المدد إلى نيف وأربعين وأربعمائة، فمال بعد ذلك بعض الميل إلى التعصب في المذهب، وأخذ الهوى بزمام اختياره إلى ما لا يليق بالكبار، مثل ذلك من المبالغة في العناد، ومطاولة الأقران من سائر الفرق، حتى أدى إلى إفحاش العلماء والأئمة، وإعزاز الطوائف على بعض، والخروج عن الاعتدال في المصاحبة والمؤالفة، فكان ذلك غضا من منصبه، واتساق أحواله وأموره، إلى أن فترت تلك الفترة بعد اشتعال نيرانها، وتأذى طائفة من أهل السنة بها إلى سنة نيف وخمسين، وأفضى الأمر إلى أحوال غير مرضية، حتى انتهت نوبة الولاية إلى السلطان ألب أرسلان،
فانجلت تلك السحابة عن نوبة العدل والإنصاف، واستقامة الأمور، وإزالة الرسوم الممقوتة، وكان هذا الصدر - صاحب الترجمة - خاليا عن العمل، مشتغلا بأمور نفسه، مع الأبهة والحشمة، والنعمة، وقد بعث رسولا إلى ما وراء النهر، وأحمد سعيه في الدولة الماضية، وعهد حشمته، ورزانة نفسه أمور، فبقي على ذلك مدة إلى ابتداء الدولة الملكشاهية، فصار مقدّم البلد أيام الكهولة، وأدى الحال إلى تفويض القضاء بنيسابور إلى هذا الصدر، فصار قاضي القضاة على الإطلاق، وجرى في ذلك من العدل والإنصاف ونقاء الجيب وصون اليد وصيانة النفس، ورد الحقوق إلى أهلها، والقبض على الأيدي الخاطئة، وكان يجمع الوصايا، وما يفضل من التركات طول السنة، ثم يفرقها على العلماء والصالحين، من الفرق في شهر رمضان، وسن سننا صالحة في الأمور، وعقد مجلس الإملاء عشيات الخميس في الجامع القديم، على رسم أسلافه، وكان يحضر ذلك المجلس من دبّ ودرج من الفرق بالنوب، ويتقرب إليه المشايخ والأئمة بالحضور.
ولم يزل يرتفع أمره لحسن سيرته، وكان صدوق اللهجة، يحب كل من ظهر عنده صدق مقالته، ويبغض الكذب وأهله أشد البغض، وكانت أموره كلها متناسقة، وأسبابه منتظمة، ومساعيه مع قضاء حقوق المعارف، وحضور التهاني، والقيام لكل من يستعين به مع ما بلغ ما يؤول إلى صلاح حاله إلى أن أدركه قضاء الله الذي لا بد لكل أحد منه، بعد امتداد مرض به، كفّر عنه بعض ما سلف له من الخطايا التي لا يخلو منها إنسان. ومات ليلة الثلاثاء قبل الصبح، الثامن من شعبان، سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع