من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم، أبو الحسن الكرخي
(¬*)
المصنّف على مذهب أبي حنيفة، والمصرّف في النكت اللطيفة. اقتنى جوهر
العلم النفيس، وجلس في صدر التدريس، فأصبحت سوابح السيول تجري به، وصفائح السيوف دون تجريبه، وما زال على هذا حتى قعدت به الزمانة، وقيدت تحته مكانه، فرنق كأس المرض آخر عمره، وكان هذا آخر أمره.
مولده سنة ستين ومائتين. تفقّه على أبي سعيد البردعي، ولقي أبا خازم القاضي، وحضر مجلسه، وسكن بغداد، ودرس بها فقه أبي حنيفة، حتى اشتهر ذكره في الآفاق، وبرع له غلمان حذاق، وخرج منهم علماء ومدرّسون، وقضاة.
وكان مع غزارة علمه وكثرة رواياته، عظيم العبادة، كثير الصوم والصلاة، صبورا على الفقر والحاجة، منقبضا عن الدولة، مقبلا على نشر العلم وبثه متقشفا، وله في المذهب قدم راسخ.
قال الصّيمري: صار التدريس ببغداد بعد أبي خازم، وأبي سعيد البردعي إلى أبي الحسن الكرخي، وإليه انتهت رياسة أصحاب أبي حنيفة، وانتشر أصحابه في البلاد.
قال الصيمري: لما أصاب أبا الحسن الكرخي الفالج في آخر عمره حضرته وحضر أصحابه أبو بكر الدامغاني، وأبو علي الشاشي، وأبو عبد الله البصري، فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج، وهو مقلّ، ولا يجب أن نبذله للناس، فيجب أن نكتب إلى سيف الدولة بن حمدان، ونطلب منه ما ينفقه عليه، ففعلوا ذلك.
فلما أحسّ الشيخ بما هم فيه، فسألهم عن ذلك، فأخبروه، فبكى. وقال:
اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عوّدتني. قال: فمات قبل أن يحمل سيف
الدولة شيئا. ثم ورد كتاب سيف الدولة، ومعه عشرة آلاف درهم، ووعد أن يمدّ بأمثالها، فتصدّق بها.
وقال أبو عبد الله الحسين بن علي بن سلمة: أنشدت أبا الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي:
ما إن ذكرتك في قوم أحدّثهمإلا وجدت فتورا بين أحشائي
فأنشد أبو الحسن لنفسه يريد تضمين هذا البيت:
كم لوعة في الحشا أبقت به سقماخوفا لهجرك أو خوفا من النائي
لا تهجرنّي فإني لست ذا جلدولا اصطبار على هجر الأخلاء
الله يعلم ما حمّلت من سقموما تضمّنته من شدة الداء
لو أن أعضاء صب خاطبت بشرالخاطبتك بوجدي كل أعضائي
فارع حقوق فتى لا يبتغي شططاإلا السّلام بإيحاء وإيماء
هذا على وزن بيت كنت منشدهعار إذا كان من لحن وإقواء
ما إن ذكرتك في قوم أحدثهمإلا وجدت فتورا بين أحشائي
ولا هممت بشرب الماء من عطشإلا وجدت خيالا منك في الماء
وقال أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي الحنفي عن أبيه عن جده، قال:
خرج إلينا أبو الحسن الكرخي يوما.
فقال: تعرفون ببغداد رجلا يقال له ابن صدق؟. قال: فقلت: أعرفه.
فقال: أي شئ يعمل.
فقلت: ينوح على الحسين بن علي.
قال: فبكى أبو الحسن الكرخي، وقال: عندي عجوز هي من صوالح النساء، تكثر من الصوم والتهجد، فانتبهت في جوف الليل، فصاحت: أبو الحسن!.
قلت: مالك؟. قالت: الحقني، فجئتها، فوجدتها ترعد. فقلت: ما أصابك.
قالت: رأيت في النوم كأنني في درب من دروب الكرخ، فيه حجرة مبيضة مفتوحة الباب، وعليه نساء وقوف، فقلت لهن: ما الخبر؟. فأشار إلى داخل الدار. وإذا امرأة شابة، حسناء، بارعة الجمال، عليها ثياب بياض مروية، وفي حجرها رأس يشخب دما، ففزعت. فقالت: لا عليك، أنا فاطمة بنت رسول الله ﵁، وهذا رأس الحسين!. فقولي لابن أصدق حتى ينوح:
لم أمرّضه فأسلولا ولا كان مريضا
وانتبهت مذعورة، ثم قال أبو القاسم بن المحسن التنوخي: قال أبو الحسن الكرخي لجدّي: قد حملت هذه الأمانة في أداء هذه الرسالة، قال جدي: سمعا وطاعة لأمر سيدة النساء رضوان الله عليها. فخرجت إلى ابن أصدق، وقلت له:
إن فاطمة تأمرك أن تنوح بالقصيدة التي فيها: "لم أمرضه فأسلو". فانزعج من ذلك، وقصصت عليه وعلى من كان عنده، فأكثروا البكاء، وناح بذلك طول ليلته.
وتوفي أبو الحسن الكرخي لعشر خلون من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة.
وقيل: للنصف من شعبان.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع