من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان، أبو جعفر التنوخي الأنباري
(¬*)
القاضي الحنفي، النحوي.
حرص على العلم حتى وجده، ورحّل إليه العيس حتى ورده، وأعمل إليه اليعملات على وجاها، وخبط إليه الظلماء يشق قمره دجاها، لا يهوله برد ولا حرّ يركب نوازله وسفنه، وينزل بواديه ومدنه لفائدة يقتبسها، وزائدة عما لديه يلتمسها، بحرص يتوقّد شرارا، ويتفقّد برق الفطنة لا يتوارى، مع حظ من أدب ما نهنه في مذهبه، ولا بخل في إنفاق ذهبه.
كل هذا مع قيام بالحق وإن شق، وعمل بما يجب وإن حجب، وتصميم على الحق ولو غضب من غضب.
مولده: بالأنبار، في المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
كان ثبتا في الحديث، ثقة، مأمونا، جيد الضبط لما حدّث فيه، متقنا لعلوم
شتّى، فقيها على مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وربما خالفهم في مسألات يسيرة، تام العلم باللغة، حسن القيام بالنحو على مذهب الكوفيين، والتتبّع لحفظ الشعر القديم والحديث، والأخبار الطوال، والسير والتفسير، وكان شاعرا كثير الشعر، مجيده، خطيبا حسن الخطابة والتفوّه بالكلام، لسنا، صالح الحظّ من الترسّل في المكاتبة، والبلاغة في المخاطبة، ورعا متخشّنا في الحكم.
تقلّد القضاء بالأنبار، وهيت، وطريق الفرات من قبل الموفق الناصر، سنة ست وسبعين ومائتين. ثم قلّده الناصر دفعة أخرى، ثم قلّده المعتضد، ثم تقلّد بعض كور الجبل للمكتفي، سنة اثنتين وتسعين، ولم يخرج إليها، ثم قلّده المقتدر سنة ست وتسعين بعد فتنة المعتز القضاء بمدينة المنصور من مدينة السّلام، وطسوجي قطربل وسكن الأنبار، وهيت، وطريق الفرات ثم أضاف له إلى ذلك بعد سنتين القضاء بكور الأهواز مجموعة لما مات قاضيها، فما زال على الأعمال إلى أن صرف عنها سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
وحكى الخطيب في "تاريخ بغداد" عن القاضي أبي طالب محمد بن القاضي أبي جعفر بن البهلول قال: كنت مع أبي في جنازة، فجاء أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فجلس إلى جانبه، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسلّيه، وينشده أشعارا، ويروي له أخبارا. فداخله محمد بن جرير الطبري في ذلك، ثم
اتسع الأمر بينهما في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من العلم والأدب. فلما افترقنا قال لي أبي: يا بنيّ، هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة، من هو؟.
فقلت: هذا أبو جعفر الطبري.
فقال: ما أحسنت عشرتي يا بني. فقلت: كيف؟.
قال: ألا قلت لي في الحال؟. فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة، هذا رجل مشهور بالحفظ والاتّساع في صنوف العلم. وما ذاكرته بحسبها.
وقال: ومضت على هذا مدة. فحضرنا في جنازة أخرى وجلسنا، فإذا بالطبري قد أقبل، فقلت له: أيها القاضي، هذا الطبري قد جاء مقبلا. قال:
فأومأ إليه بالجلوس عنده، فجلس إلى جنبه، وأخذ أبي يجاريه.
فلما جاء إلى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتا، قال أبي: هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها. فيتلعثم الطبري، فينشدها إلى آخرها، وكلما ذكر شيئا من السير قال أبي: كان هذا في قصة بين فلان!. وبين بني فلان!، مر يا أبا جعفر، فربما مر، وربما تلعثم، فيمر أبي في جميعه.
قال: فما سكت أبي يومه ذلك إلى أن بان للحاضرين تقصير الطبري، ثم قمنا، فقال أبي: الآن شفيت صدري.
وقال ابن الجوزي في المنتظم: طلبت أم المقتدر من القاضي أبي جعفر كتاب وقف ضيعة كانت ابتاعتها، وكان الكتاب في ديوان القضاء، وأرادت
أخذه لتحرقه وتبطل الوقف، ولم يعلم أحد بذلك.
فقيل لها: قد أحضر القاضي الكتاب. قالت: نريد يكون عندنا، فأحسّ القاضي الأمر، فقال: لا طريق إلى هذا أبدا. أنا خازن المسلمين على ديوان الحكم، فإن مكنتموني من خزنه، وإلا فاصرفوني، وتسلموا الديوان دفعة واحدة إليكم، واعملوا فيه ما شئتم، وأما أن يفعل شئ من هذا على يدي، فو الله لا كان ذلك أبدا. ولو عرضت عليّ السيف، ونهض القاضي والكتاب معه.
فشكت أم الخليفة ذلك إلى ولدها المقتدر. فكلّمه مشافهة في ذلك، فكشف له الصورة، وقال مثل ذلك القول والاستعفاء.
فقال له المقتدر: مثلم من قلّد القضاء، أقم على ما أنت عليه - بارك الله فيك - ولا تخف ينثلم محلك عندنا.
ثم قال المقتدر لوالدته: الأحكام ما لا طريق إلى اللعب فيها، والقاضي أحمد مأمون علينا، محبّ لدولتنا، ولو كان هذا يجوز لما منعك إياه.
فقالت: كأنّ هذا لا يجوز.
فقيل لها: لا، هذه حيلة من أرباب الوقف على بيعه، وإن الشراء لا يصح، وتحريق كتاب الوقف لا يحل، فارتجعت المال وفسخت الشراء، وعادت إلى شكر القاضي، وانقلب ذلك الأمر جميلا عندهم.
فقال القاضي: من قدّم أمر الله على المخلوقين كفاه الله شرّهم.
ومات في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع