من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد الحميد بن عبد العزيز، أبو حازم القاضي
(¬*)
وكان أنقد في حكمه من الصيارف، وأشهر في علمه من المعارف، برأي
يفرق بين الماء واللبن، ويتصرف بين الحق والظنن، لو لبس عليه الليل لكشطه، أو أدلس عليه الغمام لأسقطه، مع وقوف مع الحق لا يتعدّاه، وتفطّن لو ضلّ معه النهار لهداه، أنفذ من الرمح إذا صمم، وأقضى من السيف إذا تذمم، لو رفع إليه الدهر لما هاب أن يقضى عليه، أو النجم لسدد سهمه إليه، وكان الخليفة وهو مثل المعتضد، وذلك البأس المتقد طوعا لقضائه الفصل، ومضائه الذي وقع دونه طائر النصل، فكيف من دون ذلك الطود المشمخر، والرواق المسبطر.
وكان قد أعطي مزيد حظّ من حسن النظر في الحساب والفرائض التي لا تخطئ الأنساب، وجمع من الشروط ما أقرّت له الكتّاب، وبقي زينة لكل كتاب.
أخذ الفقه عن هلال بن يحيى الرازي وغيره، وتفقّه عليه أبو طاهر الدباس، وأبو جعفر الطحاوي لما رحل إلى دمشق، وروى الحديث عن محمد بن بشار، وشعيب بن أيوب وغيره. وولي قضاء الشام وقضاء الكوفة، واستقضاه
المعتضد على قضاء الشرقية.
وكان رجلا ديّنا، ورعا، عالما بمذهب أبي حنيفة وأصحابه، عالما بالفرائض والحساب والذرع والقسمة، حسن العلم بالجبر والمقابلة، وحساب الدور، وغامض الوصايا، والمناسخات. قدوة في العلم بصناعة الحكم، ومباشرة الخصوم، وأحذق الناس بعمل المحاضرات والسجلات والإقرارات. وأما عقله فلا يعلم أن أحدا رآه وقال إنه رأى أعقل منه.
قال وكيع القاضي: كنت أتقلّد لأبي خازم القاضي أوقافا في أيام المعتضد، وكان منها شئ في يد المعتضد، فلما بلغت السنة آخرها، حصّلت ما لها إلا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرّفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبله، وعلى أهل الوقف، فقال: هل أخذت ما على أمير المؤمنين؟.
فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟.
فقال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه.
ثم قال: امض إليه وطالبه. فدخلت على الخليفة، وقلت: إن القاضي أبا خازم امتنع من تفريق مال الوقف حتى يؤخذ ما على أمير المؤمنين، قال: فسكت ساعة، ثم قال: أصاب عبد الحميد، ثم أمر بإحضار المال، ودفع إليّ أربعمائة دينار فقبضتها وانصرفت إلى أبي خازم، فقال لي: اجمع ما اجتمع للوقف عندك، وفرّقه في غد في سبله، قال: ففعلت ذلك. فكثر شكر الناس من أبي خازم بإقدامه على الخليفة بمثل ذلك. وشكرهم للمعتضد في إنصافه.
وقال أبو طاهر محمد الهذلي: كان أبو خازم جالسا للقضاء، فارتفع إليه
خصمان؛ فاجترأ أحدهما بحضرته إلى ما أوجب عليه التأديب، فأمر بتأديبه، فأدّب. فمات في الحال!. فكتب إليه المعتضد: اعلم - أمير المؤمنين أطال الله بقاءه - أن خصمين حضراني، فاجترأ أحدهما فأمرت بتأديبه، فمات. وإذا كان المراد بتأديبه مصلحة المسلمين فمات في الأدب، فالدية واجبة في بيت مال المسلمين. فأمير المؤمنين يأمر بحمل الدية لأحملها إلى ورثته.
قال: فعاد الجواب إليه بإنفاذ الأمر، وحمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر القاضي ورثة المتوفّى، ودفعها إليهم.
وقال مكرم بن بكر: كنت في مجلس القاضي أبي خازم؛ فارتفع إليه شيخ وصبي، فادّعى الشيخ على الصبي بألف دينار، فأقرّ الصبي، فطلب الشيخ حبسه.
فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن تنقده البعض، وتسأله إنظارك؟.
فقال: لا. فطلب الشيخ حبسه، قال: فتفرّس القاضي أبو خازم فيهما ساعة ثم قال: تلازما إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر.
قال: فقلت: لم أخّر القاضي حبسه؟.
فقال: ويحك إني أعرف في وجه الخصوم وجه المحقّ من المبطل. وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لي أن سماحة هذا الغلام بالإقرار هي عن بلية وأمر يبعد من الحق، وليس في تلازمهما بطلان حق، ولعلّه ينكشف من أمرهما ما أكون على وثيقة مما أحكم به بينهما، أما رأيت قلة مناظرتهما واختلافهما، وسكون طباعهما، مع عظم المال، وما جرت به العادة بالإقرار عجلا بمثل هذا المال.
قال: فبينا نحن كذلك إذ دخل على القاضي رجل موسر، فقال: قد بليت بابن لي يتلف كل ما يظفر به من مالي!، وإن منعته المال يحتال بحيلة أضطرّ إلى
التزام غرم له، وقد بلغني أنه تقدّم إلى القاضي وأقرّ بألف دينار، فلما سمعت بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكر.
فلما سمع القاضي كلامه تبسّم، وقال لي: كيف رأيت؟. فقلت له: لهذا ولمثله فضّل الله القاضي.
ثم أمر القاضي بإحضارهما، فأرهب الشيخ، ووعظ الغلام. فأقرّ الشيخ بأن الأمر كذلك. وأنه لا شئ له على الصبي، فأخذ الرجل بيد ابنه وانصرفوا.
ومات أبو خازم في جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع