من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله السلمي، أبو الفضل الوزير المروزي
(¬*)
قاضي بخارى، المعروف بالحاكم الشهيد، حصل من العلم على جانب موفور، وحظ به التعب مغمور، وأدرك رجالا من أهل الحديث الشريف كانت تشد
إليهم الرحال، وتسمو إليهم الركائب حلا على حال، فسمع منهم ما هو السرور لمستمع، والسور الذي لا يباح لمبتدع، فلقي أفرادا، ولقّن منهم مثنى وفرادى، وكان لو أمسك النجم بيده لما يقنع، ولو بلغ الغاية لا يرضى بما يصنع، فجدّ بقريحة تلتهب، وفكرة صحيحة تنتهب، وعاش سعيدا، ومات شهيدا، لا يخاف وعيدا.
قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم في "تاريخ نيسابور": ما رأيت في جملة من كتبت عنهم من أصحاب أبي حنيفة أحفظ للحديث، وأهدى إلى رسومه، وأفهم له منه.
ولما قلّد قضاء بخارى كان يختلف إلى الأمير الحميد، فيدرّسه الفقه، فلما صارت الولاية إليه قلّده أزمّة الأمور كلها، وكان يمتنع عن اسم الوزارة، فلم يزل به إلى أن تقلّدها، ولما ورد السلطان نيسابور سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ورد بوروده الحاكم، وعقد له مجلس النظر، ثم التمسوا منه مجلسا للإملاء فأجابهم إلى ذلك، ولم يبق بنيسابور أحد من مشايخ الفريقين حتى حضر ذلك المجلس.
قال الحاكم: وسمعت أبا العباس المعراني يقول: ما رأيت في صدور الإسلام أحدا أميل إلى كتبة الحديث من الحاكم أبي الفضل، كان يقدّمهم على كافة أهل العلم، ويأنس بهم، ويتحرّى مسرّتهم، ولا يقصر في برّهم.
وكان يصوم الاثنين والخميس، ولا يدع صلاة الليل في السفر والحضر، ولا يدع التصنيف في السفر والحضر.
كان يقعد والكتب بين يديه وهو وزير السلطان، فيأذن لمن لا يجد بدّا من
الإذن له، ثم يشتغل بالتصنيف.
قال الحاكم: سمعت أبا العباس المصري، وكان من الملازمين لبابه، يقول: دعا الحاكم أبو الفضل بالبوابين، وقال: قد ذكرت لكم غير مرة أن لا تحجبوا عني أحدا من أهل العلم، واحجبوا الفرسان وأصحاب الأموال، وأنتم لأطماعكم الكاذبة تأذنون للأغنياء، وتحجبون الفقراء لرثاثتهم، فلئن عدتم نكّلت بكم.
وكان الحاكم لم يزل يدعو في صلاته وأعقابها دعوات، ثم يقول: "اللهمّ ارزقني الشهادة" إلى أن سمع عشية الليلة التي قتل من غدها جلبة، فقال: ما هذا؟. فقالوا: غارة العسكر قد اجتمعوا يلزمون الحاكم الذنب في تأخير الأرزاق عنهم. فقال: "اللهم غفرا".
ثم دعا بالحلاق، فحلق رأسه، وأسخن له الماء، ونظّف نفسه، ولبس الكفن، ولم يزل طول ليلته يصلي، فكبسوه، فقتلوه وهو ساجد، وقد صلّى الصبح، والكتب بين يديه، وذلك في شهر ربيع الآخر، سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع