من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الملك الدامغاني، قاضي القضاة، أبو عبد الله
(¬*)
رجل سوّدته نفسه، وسوّرته على منازل القمر شمسه، وسوّغته الموارد شجراته وغرسه، وعلا قدره حتى ناطح رتبة الوزراء، ورمق الكواكب بالإزراء، وعقدت عليه الخلفاء خناصرها، وعدت منه حيث تبذخ ناصرها، فلهذا كانت رتبته لا تطاول، وهضبته لا تحاول، والأيام تختلف عليه وسعادته لها تتداول.
قال الخطيب: كان يذكر أنّ مولده سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، بالدامغان.
ورد بغداد في شبيبته، ودرس بها الفقه على أبي الحسين القدوري، وأبي عبد الله الصيمري، وبرع في العلم حتى ساد أهل زمانه عقلا، ونباهة، وعلما، ورزانة، وله أصحاب كثيرون تفقّهوا عليه، وانتشروا في البلاد، ودرسوا ببغداد، وولي قضاء القضاة ببغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وطالت أيامه، وانتشر ذكره، وكان نزها، عفيفا، انتهت إليه الرئاسة في مذهب العراقيين، وكان وافر العقل،
سديد الرأي، وجرت أموره في حكمه على السداد.
وكان القاضي أبو يوسف قاضي الرشيد في أيامه حشمة وجاها، وسؤددا، وبقي في القضاء مدة ثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
ولقد شهد له أبو الطيب الطبري شيخ الشافعية، وكان يقول: أبو عبد الله الدامغاني القاضي أعرف بمذهب الشافعي من كثير من أصحابنا.
وفي ذيله: "اجتمع له ما لم يجتمع لغيره في سيادته، وعلوّ رتبته من الحلم والعلم، وجزالة الرأي، والاطلاع على غوامض الأحكام الشرعية.
قال: وكان قد حصر العلم بجهد جهيد، وفقر حتى سمعت أنه كان يحرس في درب بالكرخ، ويأكل من أجرة الحراسة على ما جرت به عادة السلف من احتمال المشقة في طلب العلم.
وقال محمد بن عبد الوهاب في طبقات الفقهاء: كان أبو عبد الله الدامغاني قد جمع الصورة البهية، والمعاني الحسنة من الدين، والعقل، والعلم، والحلم، وكرم المعاشرة للناس، والتعصب لهم. وكانت له صدقات في السر، وإنصاف في العلم لم يكن لغيره، وكان يورد من المداعبات في مجلسه، والحكايات المضحكة
في تدريسه نظير ما يورده الشيخ أبو إسحق الشيرازي، فإذا اجتمعا صار اجتماعهما نزهة".
وقال السمعاني: إمامان ما اتّفق لهما الحج: أبو إسحاق الشيرازي، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني، أما أبو إسحاق فلم يقدر على الاستطاعة، الزاد والراحلة، ولكن لو أراد الحج لحملوه على الأحداق إلى مكة.
وأما الدامغاني فلو أراد الحج على السندس والاستبرق كان يمكنه ذلك ولم يحج.
وتوفي في رجب سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
ودفن بداره، ثم نقل، ودفن في القبة إلى جانب أبي حنيفة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع