تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محمد بن محمد بن أبي العز بن صالح بن أبي العز بن وهيب

(¬*)

أقضى القضاة، الحنفي، الخطيب، شمس الدين، أبو عبد الله بن أبي البركات.

حاكم يخشع، وعالم يخضع، ومصرّف أقضية لا ترتد، وعيون المنايا إليه تتطلّع، ومطرف أندية بمثل جلابيب الشمس تتوشّع، وملحف أردية من الفخار جاءت المجرة على آثارها تتبع، يقضي وأنف الرمح راغم، ويمضي وطرف السيف واجم، وغير هذا من المحاسن التي تملأ بالوسامة عين المتوسم، والمآثر التي قلّ أن تكون لغيره، وبالله أقسم!.

مولده: ليلة الاثنين، سابع عشرين رمضان، سنة ثلاث وستين وستمائة، بسفح قاسيون.

تفقّه على الشيخ رشيد الدين سعيد، وتقي الدين التركي، وغيرهما. وسمع الحديث، وحدّث بدمشق، وطريق الحجاز، ودرّس وخطب، وأفتى، وكان إماما فقيها، فاضلا، يعرف بالفقه، بصيرا بالأحكام والقضايا، محمود السيرة في حكمه. حكم بدمشق نيابة عن ابن الحريري، وخاله صدر الدين علي الحنفي، فحكم بدمشق نيابة مدة عشرين سنة. ودرّس بالظاهرية، والقليجية، والمعظّمية، وخطب بجامع الأفرم، وهو أول خطيب خطب به بحضور بانيه نائب السلطنة،

والقضاة والأعيان، ولبس الخلعة من القصر الظاهري، فشكرت فصاحته، وتوفّرت الأدعية لمنشئ الجامع.

وكان فيه ديانة، وخير، حسن الشّكل، تامّ المروءة، دمث الأخلاق، طيّب المعاشرة، كثير التودّد والإحسان إلى أصحابه ومعارفه، عنده قوّة نفس في الأحكام وإمضائها، ويقول على طريقة الفقهاء، ونظم عدّة مسائل في الفقه، ذكر فيها ضوابط وقيودا. وكان إذا صعد المنبر ليخطب تغيّر لونه، وطار لبّه، واحمرّت وجنتاه، وخنقته العبرة.

وعزّر مرة رجلا معتبرا من ذوي السيوف لسفه بدا منه في حق ابن قاضي القضاة، صدر الدين، وأبوه إذ ذاك خاله ومستنيبه، فكلبه كافل الممالك " تنكز"، وأنكر عليه ما فعل بغير إذنه، وقال: كيف تعزّر أنت مثل هذا لأجل قرابتك، وابن الذي استنابك؟.

فقال: يا أمير … الناس عندي سواء في الحق، إن كان قرابتي أو غير قرابتي، والذي استنابني أو غيره، وإذا وجب على واحد منهم أو له فعلته.

فقال كالمستهزئ به: فغدا بعده إذا وجب عندك علينا شئ افعله!.

فقال: نعم، والله لو وجب عليك شئ بحكم الشرع فعلته. وها قد عزلت نفسي!. وامتنع من الحكم حتى استرضي، وأعيد على كره منه.

فلما آن وقت الحج عزل نفسه، وحجّ، ومات - رحمه الله تعالى - عقيب قدومه متبرّئا من الأحكام، وذلك بكرة يوم الخميس آخر أيام من المحرم سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، بمسجد ابن يغمور، ظاهر دمشق. ودفن عند أقاربه بالقرب من المدرسة المعظّمية، بسفح قاسيون.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.