من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
علي بن أبي القاسم بن محمد بن عثمان، أبو الحسن، قاضي القضاة، صدر الدين البصروي، الحنفي
(¬*)
أبو حنيفة الثاني، والمنمق لمذهبه المذهب أو الباني.
بحر يقذف أمواجا، وأسد يأكل من أهل الجدل ما جا، وسحاب يرسل أفواجا، ذو يراع حطم القنا، وحطّ السيوف إلى أدنى، وكانت الفتاوى لا تنهض إلا إذا راشها مداد قلمه، ولا تدحض إلا إذا نصّلها ماضي تقدّمه، والمدارس لا تطير إن لم تجنّحه محاريبها، والفوائد لا تسير ما لم تصبحه جلابيبها، والعلوم تتجلى إذا قال أو كتب، وتتحلّى من فواقعها حببا حصباء ياقوت على أرض من الذهب.
مولده في أيام الخوارزمية، سنة اثنتين وأربعين وستمائة، بقلعة بصرى.
وتفقّه على والده، ثم على القاضي شمس الدين بن عطاء، وتفقّه عليه جماعة، وسمع الحديث من ابن عبد الدايم، وإسماعيل بن الدرجي، وابن عطاء القاضي، وابن النحاس، وغيرهم.
وخرّج له جزء حديث عن شيوخه، وحدّث به.
وكان من أعيان الفقهاء الحنفية، ودرّس قديما، سنة أربع وستين وستمائة، وأذن له في الإفتاء في ذلك الوقت، وكانت له بعمّي شرف الدين سابق صحبة، وحجّ معه عديله في المحمل، ولم يزل يترقّى في المدارس الكبار إلى أن ولي الحكم بدمشق على مذهبه. وحظي بصحبة رجل قدّمته، وأمطته الأيام وأخدمته، وبقي قاضي القضاة أكثر من عشرين سنة، وتفرّد في آخره عمره بالتقدّم على جميع أهل مذهبه لكثرة تحصيله، وجودة ذهنه، وغزارة استحضاره، وأذعن له الناس، وانتهت إليه رياسة العلم.
وكان نزها، نظيف العرض، عفيفا، مستغنيا بماله ومناصبه، وكان له ثروة وأملاك، وقاربت تركته ألف ألف درهم، وأوصى منها بثلثها صدقة.
كان حفظة للكثير من الحكايات والأشعار، حسن المناظرة، كثير الفوائد، ولي قضاء العساكر الشامية سنة تسع وسبعمائة، على قاعدة من تقدّمه من قضاة العساكر.
توفي ببستانه ب "سطرى"، ظاهر دمشق، يوم الأربعاء ثالث شعبان، سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون، بالقرب من المعظّمية.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع