من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن عثمان بن أبي الحسن، بن عبد الوهاب، الأنصاري، الدمشقي، أبو عبد الله
(¬*)
قاضي القضاة بمصر والشام، شمس الدين ابن الحريري.
حافظ كتاب (الهداية)، وحامل هذه الراية، قويّ لا يلين، قويم لا يبل له طعين، مصمّم كالسيف في اليمين، ميمّم طريق السلف لولا إفراط التكليف المبين، ماش على الجدد لو لم ينكب به خيلاؤه، ويخرج به عن الحد استعلاؤه، كان متوعّر الطريق، متعدّد التحقيق، متقعّر الألفاظ، يخرجها بكلفة كأن به خوانيق، وكما يحكى عنه أنه كان في بيته وبين أهله وجواريه إذ تطرح المؤنة، وتذاع الأسرار المصونة، لا يزداد حيث يتوسع مثله إلا تضييقا، وحيث ترق حاشيته إلا تعميقا، ثقالة جبلت عليها جبلّته، وانفضت لأجلها جملته، حتى قيل: إنه اتّخذ له نقيبة في بيته إذا دخل إليه قالت قدامه: "بسم الله، مولانا وسيدنا قاضي القضاة". ومن هذا وأمثاله. وأنه كان يقول لزوجته: أكرمي النقيبة فإنها تكرم بعلك، إلى غير هذا مما يثقل على القلوب سماعه، ويعرف أنه من الجبل الأصم قد نحتت طباعه، مما يضحك منه من سمع، ويعلم منه أنه ممن
تبدّد عرضه ثم ما جمع.
مولده: بدمشق، في عاشر صفر، سنة ثلاث وخمسين وستمائة. وتفقّه على الشيخين عماد الدين ابن الشمّاع، ورشيد الدين سعيد.
وتفقّه عليه جماعة من أعيان العلماء الدمشقيين.
وسمع الحديث، وخرج له جزء عن عشرة من شيوخه، وحدّث به بدمشق، والقاهرة، وشرح محفوظه في عدة مجلّدات، وله تعاليق ومسوّدات.
درّس بدمشق بالمدارس الكبار، وتولّى قضاء القضاة بها، ثم صرف فثبت لذلك، والتزم أن لا يتعرّض لطلب هذا الأمر، وإنه كان في تعب ثم أعيد إلى القضاء وبعض مدارسه التي كانت بيده، ثم أعيدت إليه المدرسة التي كانت خلفت عنه من مدارس، درّس بها نحو شهر ونصف، ثم صرف عنها.
ثم طلب إلى الديار المصرية لقضاء القضاة بها، فتوجّه إليها، ودخلها في شهر ربيع الآخر، وكان عنده قوة نفس في الأحكام وإمضائها، مراعيا للمذهب، لا يراعي زيدا ولا عمرا، ولا يألو ذمّا ولا شكرا.
ولما كان بالديار المصرية اتفق أن الأمير الكبير بكتمر الساقي كان له إصطبل بأرض بركة الفيل، والأرض لورثة الملك الظاهر بيبرس وقف عليهم، فتعرض إليهم، وقيل: إن الأرض زادت معهم، فأرسل وكيل بيت المال، ونواب الحكم، والعدول، لقياس الأرض، فلم تزد شيئا. فأرسلوا مرة أخرى، فقيل: إنها زادت قطعة، فقالوا: أعطونا أرض الإصطبل عوضا عن هذه الزيادة؟. فقيل: الأرض وقف، وما يمكن التعويض، لكن يشهد علينا بقبض أجرة الأرض مهما أردتم من السنين.
فقيل للسلطان: إن مذهب أبي حنيفة يجوز فيه الاستبدال بالوقف، وطلب
منه ذلك فامتنع. وقال: هذه رواية عن أبي يوسف، وأنا لا أعمل بها. فولّى السلطان بمصر سراج الدين عمر صهر السروجي حاكما. وعزل ابن الحريري عن الحكم بمصر دون القاهرة. وأجاب سراج الدين إلى الحكم بالاستبدال واختاره.
وبقي على قضاء مصر مدة يسيرة ثم مات قبل أن يحكم بالاستبدال. وأعيد ابن الحريري فعظمت مكانته عند السلطان بهذه الواقعة، وخلع عليه ليلة عيد الفطر. وكان ذلك سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولم يزل متولي الحكم إلى أن توفي يوم السبت خامس جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وكان له جنازة عظيمة.
وكان حسن السيرة في منصب الحكم، له همة ونهضة، وعليه مهابة، وله وقع في قلوب الأكابر والأصاغر، والخاص والعام، وله قصد في استخلاص الحقوق، وفصل القضايا، وهو موصوف بالطريقة الحميدة، والنزاهة والديانة، نقيّ العرض، لا يقبل لأحد هدية ولا رشوة، القريب والبعيد عنده سواء في الحق، وكان ملازما للاشتغال وإعادة محفوظاته، وله أوراد في ذلك، وكان فيه مودّة لأصحابه ومعارفه، كثير النفع لهم.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع