من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنو شروان الرازي
(¬*)
الحنفي، أبو المفاخر، قاضي القضاة، جلال الدين.
نزيل دمشق، طالما تكلّم والناس سكوت، وامتدّ به البقاء وحياة العلم أنه لا يموت، مع كرم مهل اليدين، وسماح متهلّل الفرقدين، وعلم وعمل، وسويّ دين ومروءة كأنما يتقاضى منها بدين، وأريحية يهزه طربها، ويلزّه أربها، ويعزه بها فريقا الأمم عجمها وعربها.
يوفي حقوق الناس بسعة، بل يسلفهم، ويعدهم بلسان حال فعله ثم لا يخلفهم، ويبسط كفا ما تعوّد في السماح قبضها، ويدا لا تجسّ يد الثريا في عرق البرق نبضها.
مولده: بمدينة أنكوريا، سنة إحدى وخمسين.
وتفقّه على والده وغيره، وقرأ القرآن الكريم، والتفسير، والنحو، والتصريف، والخلاف، والجدل، وأصول الدين، والفقه، والفرائض، وسمع الحديث، وحدّث بدمشق، وولي القضاء ب "خرتبرت"، وأعمالها، وعمره سبع عشرة سنة، ثم قدم دمشق، فناب عن والده في الحكم، سنة ست وتسعين وستمائة، ثم وصل تقليده بالاستقلال بالحكم سنة سبع وتسعين، واستقرّ والده بالديار المصرية،
ودرّس بالمدارس الكبار، وبدمشق، وحجّ ثلاث مرات.
وهو كثير المروءة لقصّاده، حسن المعاشرة، طيّب الأخلاق، سخي النفس جدا، محبوب عند الفرق كلها، متودّد إلى الناس، لا يردّ سائلا، ولا يخيّب قاصدا، يحب أهل العلم، ويصلهم كل وقت، ويدنيهم.
وله نيّف وسبعون سنة يدرّس بدمشق، وغالب مفتي مذهبه من الحكام والمدرسين، والمفتيين كانوا فقهاء عنده، وقلّ منهم من درّس وأفتى بغير خطه، وهو محترم عند الدولة، مسموع الكلمة، مقبول القول، لا يصدر عنه إلا الخير، ولا يؤثر عنه إلا الجميل.
ولما قدم السلطان من الكرك - دمشق، في سلطنته الأخيرة، سنة تسع وسبعمائة، تردّد الرازي إليه، وأنفق عليه، وحضرته، وقد جلس هو والقضاة إلى جانب السلطان وقت صلاة الجمعة، بالميدان الصغير، فقرأ القارئ عشرا، فسأل السلطان عن معنى آية منه، فلم تحر القضاة جوابا، فقال هو للسلطان - بالتركي -: هؤلاء حميرا، ما فيهم من يعرف التفسير. ثم أخذ يفسرها له بالتركي.
فقال له: لم لا تقول بالعربي؟.
فقال: لأنّ هؤلاء ما هم أهل لأتن أعلمهم، وإنما الخطيب يعرف عن القزويني، وسيتفرج مولانا السلطان عليّ وعليه، ويظهر له ذلك الوقت جهل هؤلاء القضاة.
فضحك السلطان وجميع من حضر، وفسر أيدمر الدوادار السؤال، لوالدي قوله وأنا أسمع. ثم جاء الخطيب فخطب وصلوا فلما فرغ السلطان وأعاد السؤال فتكلّم هو والرازي وتناظرا، والقضاة سكوت، قد سقطوا من الأعين كلها!.
وكان الاستظهار للرازي].
وحكى لي أعجوبة جرت له، قال: كان والدي قد سفّرني لإحضار أهله من الشرق، فلما جزت البيرة، ألجأنا المطر إلى أن نمنا في مغارة، وكنت في جماعة، فبينا أنا نائم إذا بشئ يوقظني، فانتبهت، فإذا أنا بامرأة وسط من النساء، لها عين واحدة مشقوقة بالطول، فارتعت، فقالت: ما عليك!. إنما أتيتك لتتزوّج ابنة لي كالقمر، فقلت لخوفي منها: على خيرة الله!. ثم نظرت، فإذا برجال قد أقبلوا، فنظرتهم، فإذا هم كهيئة المرأة التي أتتني، عيونهم كلها مشقوقة بالطول، في هيئة قاض وشهود، فخطب القاضي، وعقد، فقبلت، ثم نهضوا وعادت المرأة، ومعها جارية حسناء إلا أن عينها مثل عين أمها، وتركتها عندي وانصرفت، فزاد خوفي واستيحاشي، وبقيت أرمي من كان معي بالحجارة لينتبهوا، فما انتبه والله ولا واحد منهم، فأقبلت على الدعاء والتضرع، فلما كان في اليوم الرابع أتتني المرأة وقالت: كأن هذه الشابة ما أعجبتك، كأنك تختار فراقها؟. فقلت: إي والله. قالت: فطلّقها، فطلّقتها، فانصرفتا ثم لم أرهما، فسألته إن كان أفضى إليها؟ فزعم أن لا.
وهذا آخر من ذكرته من الفقهاء الحنفية بالجانب الشرقي، فأما من بالجانب الغربي من الحنفية فلم أر من أهل الذكر منهم بالجانب الغربي المحض إلا رجلا واحدا، كدت أكون له بعدم عرفاني به جاحدا، هذا وقد نقبت في البلاد، وقمت لهذا الأمر ملقيا عن كتفي البجاد.
وهو:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع