من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، المروزي، الفاشاني
(¬*)
الشافعي، أبو زيد.
فقيه أيسر بعد الإعسار، واستغنى بعد عدم اليسار، وكثر ماله حيث لا يقدر على مدّ اليمين ولا اليسار، واستطاع وأوامر شهوته لا تطاع، وقد ذهب أطيباه، وقهر سلطان مشيبه صباه.
وجاور مدّة ببيت الله الحرام، وأسفّ طائره بعد الخيام، وقام قائما على قدم التعبّد، وأحيا الليل بنور التهجّد، والطواف بفناء ذلك البيت الذي لا يمل الملائكة إليه التردد.
ثم آب إلى وطنه مملىّ بظفره، لا يشكو وعثاء سفره، فأثرى بعد توسّد الثرى، واكتسى بعد ما تعرّى، وما عرا، لفقر طويل طال ما ضمّ عليه أعضاه، وأكثر إسخاطه ثم أرضاه.
أخذ الفقه عن إبي إسحاق المروزي، وأخذ عنه أبو بكر القفال، ودخل بغداد، وحدّث بها، وسمع منه الدارقطني وغيره.
ثم خرج إلى مكة، فجاور بها سبع سنين، وحدّث هناك بصحيح البخاري، عن محمد بن يوسف الفربري، وكان حسن النظر، مشهورا بالعلم، حافظا للمذهب، وله فيه وجوه غريبة.
قال أبو بكر الخباز: عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة، فما أعلم أنّ الملائكة كتبت عليه خطيئة.
وقال أبو زيد: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وأنا بمكة كأنه يقول لجبريل:
يا روح القدس، اصحبه إلى وطنه.
وكان في أول أمره فقيرا لا يقدر على شيء، وكان يعبر الشتاء بلا جبة، مع شدة البرد في تلك البلاد، فإذا قيل له في ذلك، يقول: بي علّة تمنعني من لبس المحشو، يعني به الفقر. وكان لا يشتهي أن يطلع أحدا على باطن حاله. ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره، وقد أسنّ، وتساقطت أسنانه، وكان لا يتمكّن من المضغ، وبطلت منه حاسّة الجماع، وكان يقول مخاطبا للنعمة: لا بارك الله فيك، أقبلت حيث لا ناب، ولا نصاب.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع