من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
صاحبه أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي
(¬*)
صاحب الشافعي ﵁.
أحد من طار به خبره، ولمس فأبت أن تلين زبره، قبض على دينه والجمر ملتهب، والسيف للأرواح منتهب، والمحنة قد شملت ظلماؤها، والفتنة قد ترامى شررها وأربد ماؤها، والبلية قد عمّت، والليلة الليلاء قد جمعت النوّام
وضمّت، فما زحزحت هذه القواصف مستقر دينه، ولا غيرت مستمر يقينه، حتى مات وهو في أسار الحديد، وخلّي في القبر وقد أزلف إلى الجنة منزله الجديد.
اختصّ به الشافعي في حياته، وقام مقامه في الدروس والفتوى بعد وفاته.
سمع الحديث، وحمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة، وأريد على القول بخلق القرآن الكريم، فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد، ولم يزل في السجن والقيد حتى مات.
وكان صالحا، متنسكا، عابدا، زاهدا.
قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلا، وهو يقول: إنما خلق الله ﷾ الخلق ب" كن "، فإذا كانت" كن "مخلوقة، فكأنّ مخلوقا خلق مخلوقا، فو الله لأموتنّ في حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصدقنّه، يعني الواثق.
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان ابن أبي الليث قاضي مصر يحسد البويطي ويعاديه، فأخرجه في وقت المحنة في القرآن العظيم فمين أخرج من مصر إلى بغداد، ولم يخرج من أصحاب الشافعي غيره، وحمل إلى بغداد، وحبس، فلم يجب إلى ما دعي إليه في القرآن، وقال: " هو كلام الله غير مخلوق ". وحبس، ومات في السجن.
وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي: كان البويطي إذا سمع المؤذن وهو في
السجن يوم الجمعة اغتسل، ولبس ثيابه، ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: أين تريد؟. فيقول: أجيب داعي الله. فيقول: ارجع عافاك الله.
فيقول البويطي: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك، فمنعوني.
وقال ابن أبي الجارود: كان البويطي جاري، فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلّي.
وقال الربيع: كان أبو يعقوب أبدا يحرك شفتيه بذكر الله تعالى، ما رأيت أحدا أنزع لحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي.
وقال الربيع أيضا: كان لأبي يعقوب منزلة من الشافعي، كان الرجل ربّما يسأله عن المسألة، فيقول له: سل أبا يعقوب، فإذا أجابه أخبره، فيقول: هو كما قال.
وقال أيضا: ربما جاء رسول صاحب الشرطة إلى الشافعي، فيوجّه أبا يعقوب البويطي، ويقول: هذا لساني.
وقال الخطيب في" تاريخ بغداد ": لما مرض الشافعي مرضه الذي مات فيه، جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحقّ به منك. وقال ابن عبد الحكم: أنا أحقّ بمجلسه منك. فجاء أبو بكر الحميدي وكان في تلك الأيام بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحقّ بمجلسي من يوسف بن يحيى، يعني البويطي، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت!. فقال الحميدي: كذبت أنت،
وكذب أبوك، وكذبت أمك.
وغضب ابن عبد الحكم، فترك مجلس الشافعي، ومجلسه، وجلس البويطي فيه في الطاق الذي كان فيه يجلس الشافعي.
وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم: رأيت أي في المنام، فقال لي: يا بني عليك بكتاب البويطي، فليس في الكتب أقلّ خطأ منه.
وقال الربيع بن سليمان: كنت عند الشافعي، أنا والمزني، وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا، فقال لي: أنت تموت في الحديث.
وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه، أو جدله.
وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد!.
قال الربيع: فدخلت على البويطي أيام المحنة، فرأيته مقيّدا إلى أنصاف ساقيه، مغلولة يداه إلى عنقه!.
وقال الربيع أيضا: كتب إليّ أبو يعقوب من السجن: إنه ليأتي عليّ أوقات لا أحسّ بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي، فإذا قرأت كتابي فأحسن خلقك مع أهل حلقتك، واستوص بالغرباء - خاصة - خيرا، فكثيرا ما كنت أسمع الشافعي يتمثل بهذا البيت:
أهين لهم نفسي لأكرمها بهمولن تكرم النفس التي لا تهينها
توفي: يوم الجمعة في رجب، سنة إحدى وثلاثين ومائتين، في القيد والسجن، ببغداد.
وقيل: سنة اثنتين. وقيل: يوم الثلاثاء.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع