من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري
(¬*)
قاضي القضاة، أبو المعالي، كمال الدين الزملكاني.
من بيت علاء كان آخره، وبحر علم ضمّ القبر آخره، وكان إذا ذكر تضاءلت الناس، وإذا حضر مجلسا نكس لأجله كل راس، توقّل ذرا المناصب والثريا موطئ قدمه حيث داس، وحل المراتب فأغضت النجوم كأنما خاط جفونها النعاس، وساد وما خلت البقاع، وشاد بيت علاه والجوزاء له سجف، والمجرة شراع.
ثم كان حجة في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، لا يعرف ما ابن إدريس لولا فنه المذهب، ولا يوصف معه في التدريس إلا إمامه لكونه صاحب المذهب، فما تأمّل أحد الوجهين إلا قال شعاعه لمن حدّق: اذهب لا تذهب، ولا
وقف على شعب الطريقين إلا وأخذ بأطراف المذهب، ولا مال إلى القديم إلا وأعيا عياض وكبا أشهب، ولا قال بالجديد إلا وتمنّى النهار أنه من خليع ملابسه يوهب، فإن عطف على الأصحاب نحو (الماوردي) عطر أرجاءه، أو (الرافعي) رفع قدره وحقّق رجاءه، أو (ابن الصباغ) أظهر ما حال من ألوانه، أو (المزني) أتى بالمطر في غير أوانه، أو (القفّال) لما فتح بابا، أو (إلكيا الهراس) لما وجد زبونا، ولا استفاد اكتسابا، وكان نورا مذ عقّ تمائمه، ونورا وما تجافى كمائمه، ودرّا وما فارق غمائمه، وصدرا وما لاث عمائمه.
حكى لي من رآه مراهقا، ولمبالغ الرجال مراهقا: أنه ما أغبّ كتابا من نظر، ولا تكلّم إلا وسكت من حضر، فلهذا بزّ نهايات الآمال، وعزّ بعده أن تدرك غايات الكمال، وكان أكثر ما ينتج الفتاوى مواقع سيله، ويخرج خطه وخطوط العلماء في ذيله، وأتقن كل علم، وأخذ منه بطرف، أو تسلّط عليه تسلّط من عرف، بسرعة إدراك اختصر طريقه، وقوة عارضة لا تمهل معارضها أن يبلع ريقه، بقواطع حجج لا يثبت معها مناظره، ولطافة حديث لا يمل منه محاضره، ما جالس - حتى ولا عدوا له - إلا وأخذ لبه، وقلب إليه قلبه، وكان خطّه أبهى من الرياض، وأزهى ما رئي من السواد في البياض، كأنه خط العذار، أو نقش المواشط في معاصم الأبكار، هذا إلى صورة محبوبة، وهيبة من النفوس قريبة.
وولي التدريس على صغر، وتصدّر في أجلّ محاريبه في الكبر، وكتب الإنشاء والحساب، ثم ولي الوكالة عن السلطان والقضاء بحلب، وما ولي شيئا
إلا وأتقنه، ولا عانى أمرا إلا وأحسنه ونال أحسنه، وتميز على نظرائه بأنه عالم، وزاد في تخليص قلمه ما هو به عالم.
وله تصانيف، منها: "شرح المنهاج" في الفقه، ولم يكمله، و"إصابة الرمية في الرد على ابن تيمية"، ومصنفات "في أفضلية العلماء والشهداء".
ومن نثره قوله: من توقيع بيّنة لفضائله التي بسقت في رياض الفضائل أفنانها، ومعارفه التي نمّ عليها عرفها ودلّ عليها برهانها، ومآثره التي ظهرت آثارها فصدق خبرها عند الأعيان عيانها، فإذا أنشأ أتى بالبدائع، التي لم تزل عن الانتحال تتورع، والبدائه التي تتعب الأفكار مما تتسرع، وإذا رقش بيض الصحائف خلت الليل البهيم طرزت به أردية النهار، وقلت: الروض البسيم تفتحت منه الأزهار.
ومنه قوله من آخر: علما بما اشتمل عليه من المحاسن والمناقب في المشارق والمغارب، ورغبة في استقراره بهذا البلد الأمين، واستمرارا نظره في أهل العلم والدين، وليتنقل في بروج السيادة فيبدي حكما وحكما، ويتصرف في فنون الإفادة فيصرف لسانا وقلما، ويصبح وقد أحيا كل أرض نزل بها صوب فضله الذي همى، وصواب رأيه الذي لو لم يكن البحر العباب لما طمى، ولا حلّ بهذا حلة ثم حلّة بهذا فطاب الواديان كلاهما".
ومنه قوله، مما كتبه على مجموع جمعه ابن نباتة على الاسم العمادي صاحب حماة وسماه: مطلع الفوائد ومجمع الفرائد: " لقد رضت البيان في وصف هذا الكتاب حق وصفه فجمع، واستمحت أن لو وصف محاسنه فما سمح، واقتدحت نار الفكر لأرى نهج البلاغة في مدحه فما ورى ولا قدح،
وسرحت جياد العزم في مصائد شوارد حمده فما سرح شيء منها ولا سنح، وكيف يجلى مطلع الفوائد ما لا يعلو على دراري النجوم، وتحلّى مجمع الفرائد بما يفوق الدر المنظوم، أين من فلك المعاني فلك الصور، وأين بحر اللآلي من بحر الفكر، هذا الفلك مطلع صباح البصائر، وذاك مطلع صباح الأبصار، وذاك يتعاقب فيه شمس وقمر، وهذا كله شموس وأقمار، وهذا البحر يفعم بدرّه وإناء كل من اغترف، وذاك إن ولد درّأ خبّأه تحت قراره في الصدف، فلا غرو أن أحجمت عن سلوك هذا المهيع، لا سيما وقد جعلوا من وسم الكتاب باسمه معنى كلمهم، وبلاغة حكمهم، وسراج منهاجهم، ودرة تاجهم، وطراز حلة وشيهم المرقوم، وواسطة در عقدهم المنظوم، فبلغوا من رتب البلاغة غاية المراد، لما شاهدوا مجموع الجمال الفريد في ذات العماد".
ومنه قوله وقد أرسل إليه والدي ﵀ كتابا أنشأته ليقف عليه، فكتب إليه، وينهي أنه وقف على هذا الكتاب الذي ما أنتجه إلا فكر لبيب، ولا أظهره إلا أفق أديب، ولا أمدّ شعاعه إلا شهاب منير، ولا أهدى نوءه إلا سحاب درّه درّ، وبرقه مستطير، تضمّن من الألفاظ الأدبية واللطائف العربية ما تحدّى به على البلغاء، فلم يواخوه، وعظم به شأن عبد الحميد لما قيل إنه ابن يحيى فظنوا أنه أخوه، أقسم المملوك بأمانه جهد إيمانه أنه طرب لمواضع منه طربا كاد يستخفه، ويميل به لما كان كالمدام من تلك الزجاجة يستشفه، فهنئ منه مولانا بسيد كريم، وإمام علم من حاضره قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله في ورقة كتبها إليه: " وحاشا لله أن يسوء سيده بفعله، أو يقابل حلمه بالإقدام على ما يغير عوائد فضله، معاذ الله، معاذ الله، ومن يجحد منن الغمام،
وينكر صنائع الكرام؟. إنا لله لهذه الأعجوبة، ويا لله كيف جازت هذه الفرية المكذوبة! ".
ومنه قوله في مسامحة كتبها: " وبعد، فإن الله لما خصّ أيامنا الزاهرة بالفتوح التي أنامت الرعايا في مهاد أمنها، وأنالت البرايا مواقع يمنها ومنّها، وكفت أكف الحوادث عن البلاد وأهلها، ونشرت عليهم أجنحة البشائر في حزن الأرض وسهلها، رأينا أن يصفّي بالإعفاء من شوائب الأكدار شربهم، ونؤمن بالإعفاء من طلب البواقي التي هي على ظهورهم كالأوزار سربهم، وأن نشفع العدل فيهم كما أمر الله تعالى بالإحسان إليهم، ونضع عنهم موضع هذه الأثقال إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم، وأن نوفر على عمارة البلاد هممهم، ونبرئ من تبعات هذه الأموال اللازمة لهم ذممهم، ونريح من همّ ذلك أسرارهم، ونطلق من ربقة الطلب المستمر أسارهم، ونسامحهم بالأموال التي أهملوها وهي كالأعمال محسوبة عليهم، ونعفيهم من الطلب بالبواقي التي نسوها كالآجال وهي مقدمة بين يديهم، ورسم بكذا، فليتلقوا هذه النعمة بباع الشكر المديد، ويستقبلوا هذه المنة بحمد الله تعالى، فإن حمد الله تعالى يستدعي المزيد، ويقبلوا على مصالحهم بقلوب أزال الأمن قلقها، وأذهبت هذه المسامحة المبرورة فرقها، ونفوس أمنت المؤاخذة من تلك التبعات بحسابها، ووثقت بالنجاة في تلك الأهوال من شدة طلب يأبى أن يفارق إلا بها، ولتعف آثار هذا الباقي، بحيث لا يترك لطباقها في أموالنا انتساب، ولا يبقى لها إلى يوم العرض عرض يورد ولا حساب".
ومنه قوله من توقيع خطيب: " وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ، الذي بعثه إلى الأسود والأحمر، وجعله خطيبا للأنبياء يوم المحشر، وأذعن كل شيء بنبوته حتى حنّ إليه الجذع اليابس حين عدل عنه إلى المنبر، وأقامه للمتقين
إماما، ونشر له في الخافقين أعلاها، أعلاما، وأمره بالتبليغ، فقال: "أنا سيد ولد آدم لا افتخارا بل تنبيها وإعلاما، صلّى الله عليه وعلى آله وبلّغه منا سلاما، أما بعد، فإن أولى ما صرف إليه وجه الاهتمام، وصرف في تقرير أمره وتحرير ذكره صريف الأقلام، أمر الإمامة في الصلوات، وإقامة الجمعة والجماعات، وكذلك الخطابة التي ما زال خطبها في الإسلام جليلا، والمترشح لها من الأنام قليلا، وهما رتبتان متناجيتان في الشرف، ومعتنقتان اعتناق اللام للألف، قد رفعا إلى ذروة من العلياء شامخة، ووضعا في محلّ لا ترقى إليه إلا قدم في الإقدام على المعالي راسخة، فإنّ أعواد المنابر فلك تتنزّل عن رتبته الأفلاك، وسماء يعرج فيها الملوك كما تعرج في السماء الأملاك، لأنّها المرمى البعيد، والمرام الصعب الشديد، والمقام الذي يجتمع له الناس بالذكرى من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإنّ المحراب باب منه إلى الله الوصول، ومقام بين يدي الله يفوق هوله كل مهول، فلا يدخله إلا من رفع دونه الحجاب، ولا يثبت فيه إلا من استغفر به وخرّ راكعا وأناب، ولذلك شفع مقامها الفرد بمن أصبح في الآفاق فردا، وتعين بهذه الصفات في جامعها جامعها فكتب له بها عهدا، ورسم أن يفوّض إلى فلان لأنه الواحد من علماء الآفاق، وأئمة الأمصار، والحبر الذي علا كعبه على كل حبر، فاستحقّ أن يكون كعب الأحبار، ولأنه الذي تفرّد بجميع شروط الإمامة، فهو الكامل، والإمام الذي إذا تقدّم لم يكن ذلك تقديما
للمفضول مع وجود الفاضل، فمن أحقّ منه بالإمامة؟، أم من أولى منه بأن يقيم للدين هذه الدعامة؟. يأبى الله ذلك والمسلمون، ولا يتقدّم بأمر الله إلا السابقون الأولون. وكيف لا؟ والموعظة من مثله في القلوب أوقع، والذكرى منه في الأفئدة القاسية أنجع وأنفع، والدعاء منه أقرب للإجابة، والقلوب إلى قوله أحقّ بالإنابة، وهذا المنصب ما زال يتسوق إليه ويتشوق لمقدمه، حتى إن المنبر لو استطاع لمشى إليه، والمحراب لولا استقبال القبلة لكان يقف بين يديه، وهو أعلم بما لهذه المرتبة من الشرف، فإنّها رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، وهو وارثهم، ودرجة لم يبلغها إلا نبيّ أو أمير أو عالم، وهو ثالثهم.
وأما شعره، فقليل مختاره، ومنه قوله:
سواكم بقلبي لا يحلّ ولا يحلوكما أنه من حسنكم قطّ لا يخلو
حللتم عرى صبري وحلّلتم دميوحرّمتم وصلّى فلذّ لي القتل
أحبّة قلبي ليس قبلي متيّمكمثلي، ولا في العالمين لكم مثل
فلا تحسبوا أنّي مللت هواكمولا أنّني يوما أملّ ولا أسلو
ومنه قوله:
وفي حلبة الخدّ من أدمعيخيول تجول ولا تركب
فسبق الكميت بها بيّنولكن تقدّمه الأشهب
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع