تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محمد بن يونس بن محمد بن مالك بن محمد

(¬*)

عماد الدين، أبو حامد. رجل من رجال الشرع المطهّر، وبطل من الفقهاء دونه البطل المشهر، عالم من العلماء، وعامل على طريق القدماء، طلب العلم طلبا شرف قدره في الأنام، وشرّد عن جفنه المنام، ومنع خده أن يستقرّ على وساد، وجنبه أن يلامس مضجعا حتى شرف وساد، صحب الأيام على هذا الاجتهاد، وقطع الليالي في هذا الجهاد، ولم يدع بحرا ولا ثمادا، ولا ربيعا ولا جمادى، حتى حاز في السبق آمادا، ونصب للدين عمادا، وأتته وفود الطلب تمدّ مطيّها الأعناق، وترد من جواهره بالأعلاق.

كان إمام وقته في المذهب، والأصول والخلاف، وله صيت عظيم، وقصده الفقهاء من البلاد الشاسعة للاشتغال، وتخرّج عليه خلق كثير، صاروا كلّهم أئمة مدرّسين يشار إليهم.

وكان مبدأ اشتغاله على أيه بالموصل، ثم توجّه إلى بغداد، وتفقّه بالنظامية، وعاد إلى الموصل، وخطب بالجامع المجاهدي، ودرّس بها بمدارس، وصنّف في المذهب، وتقدّم في دولة نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل تقدّما كثيرا، وتوجّه عنه رسولا إلى بغداد غير مرة، وإلى الملك العادل، وناظر في ديوان الخلافة في مسألة شراء الكافر للعبد المسلم في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وولي القضاء بالموصل، وكان شديد الورع والتقشف، لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله، ولا يمسك قلم الكتابة إلا ويغسل يده، وكان دمث الأخلاق، لطيف الخلوة، ملاطفا بحكايات وأشعار، وكان كثير المواظبة لنور الدين صاحب الموصل، يرجع إليه في الفتاوى، ويشاوره في الأمور. ولما توفي نور الدين سنة سبع وستمائة توجّه إلى بغداد بسبب تقرير ولده الملك القاهر مسعود، فعاد وقد قضى الشغل، ومعه الخلعة والتقليد، فتوفّرت حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه، وكان مكمل الأدوات، غير أنه لم يرزق سعادة في تصانيفه، فإنها ليست على قدر فضائله.

وولد بقلعة إربل، سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، في بيت صغير منها، ولما وصل إلى إربل في بعض رسائله دخل ذلك البيت، وتمثل بالبيت المشهور، وهو:

بلاد بها نيطت عليّ تمائميوأول أرض مس جلدي ترابها

وتوفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة، سنة ثمان وستمائة، وكان الملك المظفر صاحب إربل يقول: رأيت الشيخ عماد الدين في المنام بعد موته، فقلت له: ما متّ؟. فقال: بلى، ولكني محترم.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.