من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد الله بن محمد بن هبة الله بن مطهر بن أبي عصرون
(¬*)
التميمي، الحديثي، ثم الموصلي، الفقيه، الشافعي، شرف الدين، أبو سعد.
ذو علم يهتدى بكوكبه، وعلم يقتدى بموكبه، وحلم ردّي رداؤه على كبكبه، وعلا قدر أخذ بلمّة النجم، ولم يزاحمه بمنكبه، وتقدم في تلك الأيام والسيوف تنتضى، وديون الدين تقتضى، والخصم لا ينقاد إلا لحاكم
الحتوف، ولا يذعن إلا لقضاء السيوف، فقوّى الله به منّة الإسلام وشدّها، وأورف ظلال الأحكام ومدّها، وطعن بخطيته الثغور، فثغور العدى هتّمها، وثغور الإسلام سدّها، وأقام الهيبة فنكست الرؤوس وعدم في مجلسه الهوى، وكثر الناموس.
كان من أعيان الفقهاء، وفضلاء عصره، وممن سار ذكره، وانتشره أمره.
قرأ في صباه القرآن الكريم، وتفقّه، وقرأ الخلاف، وتوجّه إلى واسط فقرأ على قاضيها الشيخ أبي علي الفارقي، وأخذ عنه فوائد المذهب، ودرس بالموصل في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وأقام بسنجار مدة، ثم انتقل إلى حلب سنة خمس وأربعين، ثم قدم دمشق لما ملكها السلطان الشهيد نور الدين، ودرّس بالزاوية الغربية من جامع دمشق المنسوبة إلى الإمام أبي حامد الغزالي، وتولّى أوقاف المساجد، ثم رجع إلى حلب، وأقام بها، وصنّف كتبا كثيرة في المذهب، كلّ مصنّف في عدة مجلّدات، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وتعين بالشام، وتقدّم عند نور الدين الشهيد، وبنى له المدارس بحلب وحماة، وحمص، وبعلبك، وغيرها. وتولّى القضاء بسنجار، ونصيبين، وحرّان، وغيرها من ديار بكر.
ثم عاد إلى دمشق في سنة سبعين وخمسمائة، وتولّى بها القضاء سنة ثلاث وسبعين، عقيب انفصال القاضي ضياء الدين الشهرزوري.
ثم عمي في آخر عمره، قبل موته بعشر سنين، وابنه محيي الدين ينوب عنه، وهو باق على القضاء، وصنّف جزءا لطيفا في" جواز قضاء الأعمى ". وهو على خلاف مذهب الشافعي.
وذكر أبو الحسين العمراني، صاحب كتاب: " البيان "فيه وجها أنه يجوز، وهو غريب.
وكتب السلطان صلاح الدين بخطه من دمشق إلى القاضي الفاضل بمصر فصولا، من جملتها: حديث الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون، وما حصل له من العمى، وأنه يقول: إنّ قضاء الأعمى جائز، وأنّ الفقهاء قالوا: إنه غير جائز، فتجتمع بالشيخ أبي الطاهر ابن عوف الإسكندراني، وتسأله عما ورد من الأحاديث في قضاء الأعمى: هل يجوز، أم لا؟.
وبالجملة فلا شك في فضله.
وقد أثنى عليه عماد الدين الكاتب في" الخريدة "، وقال: ختمت به الفتاوى، وذكر له شيئا من شعره، منه قوله:
أؤمّل أن أحيا وفي كل ساعةتمرّ بي الموتى تهزّ نعوشها
وهل أنا إلا مثلهم غير أنّ ليبقايا ليال في الزمان أعيشها
وأورد له أيضا في الخريدة قوله:
أؤمّل وصلا من حبيب وإنّنيعلى ثقة عما قليل أفارقه
تجاري بنا خيل الحمام كأنمايسابقني نحو الردى وأسابقه
فيا ليتنا متنا معا ثم لم يذقمرارة فقدي لا ولا أنا ذائقه
وأورد أيضا قوله:
يا سائلي: كيف حالي بعد فرقته؟حاشاك مما بقلبي من تنائيكا
قد أقسم الدمع لا يجفو الجفون أسىوالنوم لا زارها حتى ألاقيكا
وأورد له أيضا:
وما الدهر إلا ما مضى وهو فائتوما سوف يأتي وهو غير محصّل
وعيشك فيما أنت فيه فإنهزمان الفتى من مجمل ومفصّل
ومولده: يوم الاثنين، ثاني عشرين ربيع الأول، سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، بالموصل.
وتوفي: ليلة الثلاثاء، الحادي عشر من شهر رمضان، سنة خمس وثمانين وخمسمائة، بدمشق.
ودفن بمدرسته التي أنشأها داخل البلد، وهي معروفة به.
ولما توفي ورد من القاضي الفاضل تعزية فيه جوابا عن كتاب جاءه في ذلك وهي:
وصل كتاب الحضرة، جمع الله شملها، وسرّ بها أهلها، ويسّر إلى الخيرات سبلها، وجعل في ابتغاء رضوانه قولها وفعلها، ومنه زيادة هي نقص الإسلام، وثلم في البرية تتجاوز رتبة الانثلام إلى الانهدام، وذلك ما قضاه الله من وفاة الإمام شرف الدين بن أبي عصرون ﵀ وما حصل بموته من نقص الأرض من أطرافها، ومن مساءة أهل الملة، ومسرة أهل خلافها، فلقد كان عالما للعلم منصوبا، وبقية من بقايا السلف الصالح محسوبا، وقد علم الله اغتمامي لفقد حضرته، واستيحاشي لخلوّ الدنيا من بركته، واهتمامي بما عدمته من النصيب الموفور من أدعيته.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع