من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن السلمي
(¬*)
الدمشقي، شيخ الإسلام، عز الدين، أبو محمد.
بحر لا حدّ له من أئمة الإسلام، وعلم لا يمكن تعريفه كبقية الأعلام، كان
منتصرا لمذهب أبي الحسن الأشعري، منتصبا لخصم خصمه الجري، شديد البغضاء لأهل التجسيم، قد أورثهم سلّ الأسقام، وسلّ عليهم الانتقام، وسلّط عليهم التضييق في كل مكان، وكان سيفا من وقف أمامه طرق، وسيلا من جاء قدّامه غرق، وناره لا تبوخ، وأرضه لا تسوخ، ورواشق سهامه لا تخطئ المواقع، وبوائق فكره لا تحل الأعداء إلا البلاقع، إلى أن دالت دولة الأشرف شاه أرمن موسى بن العادل، واستمر مريرها، وخضع منبرها له وسريرها، وكان يميل إلى هذه الخرقة، ويظنّ أنها المحقة، حتى أنست له أكثر حقوقه، وجرت مجرى الدم في عروقه، فأخذ في معارضته وتسكيت عارضته، ويأبى هو إلا أن يجري على غلوائه، ويسري على أضوائه، والأشرف قد أشرف في خلافه، وأشرف على إتلافه، إلا أن الله أنجده بالحصيري إمام الحنفية، فدخل على الأشرف القلعة وهو على حماره، لم ينزل عنه إلا على فرش داره، وقام الملك الأشرف حتى كان هو الذي نزله وتلقاه وبجّله، ثم أجلسه مكانه، وبذل في كرامته إمكانه، وأقبل عليه فرآه الأشرف قابلا على ابن عبد السّلام، قائلا إنه على معتقده هو من دان دين الإسلام، فلم يسع الأشرف الرد عليه، ولا سلّم بباطنه إليه، فقوي ابن عبد السّلام بعد أن وهن، وتكلّم بعد أن سكت، وتراجعت سورة غضبه لربه، وترادت عزيمته إلى جهاده وذبّه، وكان آخر حاله أنه نفي وكفوا همّه وكفى.
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، أو في التي بعدها.
وسمع حضورا: من أحمد بن حمزة بن الموازيني، وبركات بن إبراهيم الخشوعي.
وسمع: من عبد اللطيف بن أبي سعيد، والقاسم بن عساكر، وطائفة من المشايخ، ولم يكثر من السماع.
حدّث عنه الدمياطي، وابن دقيق العيد، وأبو الحسين اليونيني، وشهاب الدين ابن فرج، والقاضي جمال الدين محمد بن المالكي، وعلم الدين الدواداري، وخطيب حلب أبو عبد الله بن بهرام، والمصريون.
وبرع في العربية، والأصول، وبلغ رتبة الاجتهاد، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه معرفة المذهب، مع الذكاء المفرط، وسعة المعرفة، وفقه النفس، والعبادة، والنسك، والقول بالحق المر، وقد ولي خطابة دمشق بعد الدولعي.
قال الشريف عز الدين في الوفيات: " حدّث ودرّس، وأفتى، وصنّف، وولي الحكم بمصر مدة، والخطابة بجامعها العتيق، وكان علم عصره في العلم، جامعا لفنون متعددة، عارفا بالأصول والفروع العربية، مضافا إلى ما جبل عليه من ترك التكلّف، والصلابة في الدين، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه.
ولي الخطابة، فلما تملك دمشق الملك الصالح إسماعيل، وأعطى الفرنج الشقيف وصفد، تألم الشيخ، ونال من الصالح، وترك الدعاء له في الخطبة عمدا، فعزله واعتقله ثم أطلقه، فنزح هو وابن الحاجب إلى مصر، فتلقّاه السلطان نجم الدين، وبالغ في احترامه إلى الغاية، واتّفق موت قاضي القاهرة شرف الدين بن عين الدولة، فولّى بعده قاضي القضاة بدر الدين السنجاري، ولي قضاء مصر نفسها، والوجه القبلي الشيخ عز الدين مع خطابة جامع مصر، فاتّفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين بن الشيخ بنى بنيانا على سطح مسجد بمصر، وجعل فيه طبلخاناة الصاحب، فأنكر الشيخ عز الدين ذلك
ومضى بجماعته وهدم البناء، وعلم أن السلطان والصاحب يغضب من ذلك، فأشهد على نفسه بإسقاط عدالة معين الدين، وعزل نفسه عن القضاء، فعظم ذلك على السلطان، وقيل له: اعزله عن الخطابة، وإلا شنّع على المنبر، كما فعل بدمشق فعزله. فأقام في بيته يشغل الناس، وكانت عند الأمير حسام الدين ابن أبي علي شهادة تتعلق بالسلطان، فجاءه لأدائها، فنفذ يقول للسلطان: هذا ما أقبل شهادته، فتأخرت القضية ثم أثبتت على السنجاري، وله أفعال من هذا الجنس محمودة، وقد رحل إلى بغداد فأقام بها أشهرا، وذلك في سنة سبع وتسعين.
وكتب عبد الملك بن عساكر: أن الشيخ عز الدين لما ولي خطابة دمشق فرح به المسلمون، إذ لم يصعد هذا المنبر من مدة مديدة [من] في علمه وفتياه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، لقوة نفسه، وشدة تقوّله، فأمات من البدع ما أمكنه، فغير ما ابتدعه الخطباء، وهو لبس الطيلسان للخطبة، والضرب بالسيف ثلاث مرات، وإذا قعد لم يؤذن إلا واحد، وترك الثناء، ولزم الدعاء، وكانوا يقيمون للمغرب عند فراغ الأذان فأمرهم بالتمهّل، وكانوا في دبر كل صلاة يقولون: إن الله وملائكته يصلون، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … الحديث.
ولما مرض بعث الملك الظاهر يقول: عين مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال:
ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين، ففوضت إليه بعده.
قال قطب الدين اليونيني: كان رحمه الله تعالى مع شدته فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار، وكان يحضر السماع ويرقص ويتواجد.
مات في عاشر جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وشهد جنازته الملك الظاهر، والخلق.
وقال أبو شامة شيّعه الخاص والعام، ونزل السلطان، قال: وعمل العزاء له في جامع العقيبة، وكان مقتصدا في لباسه، تاركا للتكبر، مقدّما في العلم والعمل، ومن نظر في تصانيفه عرف قدره.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع