من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويي
(¬*)
قاضي القضاة، ذو الفنون، شهاب الدين، أبو عبد الله بن قاضي القضاة شمس الدين أبي العباس الخويي.
غمام لا ينزف من العلوم، ومنهل لكلّ طالب منه شرب يوم معلوم، جبل إذا استقرّت الحلوم، ونار إذا جفّ ويبس حطب الظلوم، ولد ذلك الوالد الذي نشأت من بحره سحابه، وتلألأ من شمسه شهابه، وولي القضاء بالديار المصرية، ثم بالشام، فقرّت به قرارته، وكان قمره الطالع، ودار دارته، ولاذت به الطّلبة فكمل نشأتها، وأحيا في ظلمة الليل ناشئها، ونوّه بأهل الاستحقاق، ونول ما أزال الشقاق، وكان على كرمه ربما بخل، وضنّ وطالما وهب سجاياه الغمام ونحل.
قال شيخنا ابن الزملكاني: لو لم يقدر الله أن ابن الخويي يجيء إلى دمشق لما جاء منا فاضل.
وبه انتفع الجماعة ابن الوكيل، وابن الزملكاني، وابن الفركاح، وغيرهم.
واشتغلوا عليه، وأذن لهم بالفتوى، ثم كان ينبه عليهم، ويذكرهم بالعلم والفضيلة.
ولد في شوال، سنة ست وعشرين وستمائة، ونشأ بدمشق في صغره، ومات والده وله إحدى عشرة سنة، فبقي منقطعا بالعادلية، ثم أدمن الدرس والسهر والتكرار مدة بالمدرسة، وحفظ عدة كتب، وعرضها، وتنبّه، وتميّز على أقرانه، وسمع في صغره من ابن اللتي، وابن المقير، والسخاوي، وابن الصلاح، وأجاز له خلق من أصبهان، وبغداد، ومصر، والشام، وخرّج له تقيّ الدين ابن عبيد الحافظ معجما حافلا.
وحدّث بمصر، وصنّف كتابا كبيرا في مجلد يحتوي على عشرين علما.
وأجاز له عمر بن كرم، وأبو حفص السهروردي، وابن منده، وهذه الطبقة، ولازم الاشتغال في كبره، وصنّف، وشرح "الفصول" لابن معطي، ونظم: "علوم الحديث" لابن الصلاح، و"الفصيح" لثعلب، و"كفاية المتحفّظ"، وشرح من أول "الملخّص" للقابسي خمسة عشر حديثا في مجلّد.
قال الذهبي: فلو تمّ هذا الكتاب لكان أكبر من "التمهيد" وأحسن.
وله مدائح نبوية، وكان من الأذكياء الموصوفين، وانتظار المصنفين، يبحث
بتوئدة وسكينة، ويحب الذكي، وينوّه باسمه، وكان حسن الأخلاق، حلو المجالسة، ديّنا، متصوّنا، صحيح الاعتقاد، يحب الحديث وأهله، ويقول: أنا من الطلبة.
درّس وهو شابّ بالدماغية، ثم ولي قضاء القدس من قبل هولاكو.
قال الذهبي: ثم انجفل إلى القاهرة، فولي قضاء القاهرة، والوجه البحري خاصة، اقتطع له من ولاية الوجيه البهنسي، وأقام البهنسي على قضاء مصر والوجه القبلي إلى أن توفي.
قال أبو حيان: تولى القضاء بالمحلة من الغربية، ثم تولّى قضاء القاهرة، وما ينسب إليها، انتهى.
وتولّى موضعه تقي الدين ابن بنت الأعز، ثم نقل الخويي إلى الشام، ومات الخضر السنجاري، فجمع قضاء الديار المصرية لابن بنت الأعز، ولما مات ابن الزكي بدمشق نقل ابن الخويي إليها.
سمع منه: ابن الفرضي، والمزي، والبرزالي، والختني، وغيرهم، وروى صحيح البخاري بالإجازة نوبة عكا، وسمع منه خلق. قال أبو حيان: سمعنا عليه مسند الدارمي، انتهى.
وكان يعرف من العلوم: التفسير، والأصولين، والفقه، والنحو، والخلاف،
والمعاني، والبيان، والحساب، والفرائض، والهندسة.
[وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي - رحمه الله تعالى - قال: حججت، وكان من جملة الحاج في تلك السنة قاضي القضاة شهاب الدين الخويي، فلما كنا بالموقف تذاكرنا ما ورد في فضل يوم عرفة، وما ينزله الله تعالى من الرحمة، والمغفرة لأهل الموقف، حتى ذكرنا حديث: "من ذكرني في نفسه"، فقال القاضي شهاب الدين الخويي: ليت شعري! هل ذكرنا بالملأ الأعلى؟. وإذا شخص ينادي على كتاب لا ندري ما هو؟ فقلت للخويي: ننظر الكتاب. وفتحنا فيه فألا، فإذا أول الصفحة اليمنى قول ابن الفارض ﵁:
لك البشارة فاخلع ما عليك فقدذكرت ثمّ على ما فيك من عوج
فتأمّلنا الكتاب، فإذا هو ديوان ابن الفارض، فخلع القاضي شهاب الدين الخويي ثياب إحرامه، ودفعها إلى الرجل الذي كان معه الكتاب، وسرّ سرورا عظيما لم يكن مثله].
ومن شعره:
بخفيّ لطفك كلّ سوء أتقيفامنن بإرشادي إليه ووفق
أحسنت في الماضي وإنّي واثقبك أن تجود عليّ فيما قد بقي
أنت الذي أرجو فما لي والورىإن الذي يرجو سواك هو الشقي
ومنه قوله:
أمّا سواك فبابه لا أطرقحسبي كريم جوده متدفّق
ما إن يخاف بظلّ بابك واقفظمأ، وبحر نداك طام مغدق
بحبال جودك لا يزال تعلّقيما خاب يوما من بها يتعلّق
بشرى لمن أضحى رجاؤك كنزهوله الوثوق بأنه لا يملق
ومنه:
وهبني ملكت الأرض طرا ونلت ماأنيل ابن داود من المال والملك
ألست أخلّيه وأمسي مسلمابرغمي إلى الأهوال في منزل ضنك؟
ومنه قوله في ذم الخمر:
أضحى على ترك المدام يلومنيفأجبته لما أطال ملامي
العقل أنفس حيلة تكسو الفتىفخرا، فكيف أزيله بحرام؟
ومنه قوله:
هجرت المدامة إذ حرّمتوما زلت مغرىّ بهجر الحرام
وأنفس ما للفتى عقلهفكيف يزال بشرب المدام؟
ومنه قوله:
مساوئ الخمر لا تحصى ولكنسأذكر بعضها فاسمع مقالي
حصول عقوبة، وظهور سرّوفقد بصيرة، وذهاب مال
ومنه قوله:
قالت وقد أبصرت فضلي ومعرفتي:ما لي أراك بعين الفقر ملحوظا؟
فقلت: إن الغنى آلى وأقسم لايحنو على من غدا بالعلم محظوظا
فقالت: أبشر بعلم قد ظفرت بهفالمال يفنى ويبقى العلم محفوظا
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع