من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان
(¬*)
البرمكي، الإربلي، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو العباس، الشافعي.
أحنف وقته حلما، وشافعي زمانه علما، وحاتم عصره الذي لا يقاس به حاتم، وخاتم دهره الذي ختم به على الكرماء ولم يفك له خاتم.
من بقايا البرامكة الكرام، والسادة الذين ليّنوا جانب الدهر العرام، وكان زمنه مثال ذلك الزمان الذاهب، وعلى منوال ذلك الإحسان والمواهب، مع التخلّق بتلك الخلائق التي كأنما بات يشب عنبرها، ويتخيّر من إكليل الثريا جوهرها، بحلم ما دار بمثله معاوية سورة غضبه، ولا دارى بشبيهه أبو مسلم أشتات غضبه، وكرم ما دانى السفّاح غمامه، ولا دان به المأمون وقد طلب الإمامة، هذا إلى أدب خف به الخفاجي، واستصغر الوليد والطائي، مع إتقان في ضبط الوقائع، وحفظ البدائع، وتحقيق الأسماء، وتحرير النقل لكل ما تحت خيمة السماء.
أحد علماء عصره المشهورين، وسيد أدباء دهره المذكورين.
كان خبيرا بعلم الأدب، والنحو، واللغة، والعروض، حسن الشعر، عارفا بالتواريخ، صحيح الذهن، كثير المروءة، وافر العقل، كامل الرياسة، محبا للفضائل وأهلها.
ولي قضاء الشام عشر سنين، ثم انفصل، وسافر إلى الديار المصرية، وأقام بها مدرّسا بالمدرسة الفخرية.
[وكان لا يزال يتشوّق دمشق وأوطانها، ويتذكر أهلها وقطّانها، وفي ذلك يقول:
علّلاني عن الشآم بذكرإنّ قلبي إليه بالأشواق
مثّلته الذكرى لعيني كأنّيأتمشّى هناك بالأحداق
قال الكتبي: إنه حكي له أنه طلب بعد عمل هذين البيتين بخمسة أيام، ولي القضاء بدمشق]، فرجع إلى الشام متوليا، فاشتغل بقضاء القضاة ثلاث
سنين، وانفصل فأقام بدمشق مدرّسا معظّما، مقصودا إلى حين وفاته.
وأول اشتغاله على ابن يونس شارح "التنبيه".
مولده في ربيع الآخر، سنة ثمان وستمائة بإربل. وحكي أنه كان في زمن صباه أيام اشتغاله بحلب يحب غلاما بها كان في بعض الأحايين يغشاه، ويسل عليه سيوف حدقه ولا يخشاه، فانقطع عنه مدة لم يستطع هو فيها أن يقصده لكشف خبره، ويتعرّف ما الذي أوجب حجب قمره، فأتاه الغلام كالعاتب، فألفاه وهو في تقييد درسه يملي على كاتب، فقام إليه وعزم عليه أن يجلس إليه ساعة يقضي بها فائت نظره، ويقنع بها في الدنيا من وطره، فقال له:
اقعد واشتغل في الفقه على ذلك، ولا تخدعني بمحالك، فقال:
وما تغيرت عن ذاك الوداد ولاحالت بي الحال عن عهدي وميثاقي
درسي غرامي بكم دهري أكررهفقد تفقّهت في وجدي وأشواقي
فثنى ذلك الغزال جيده وولى، وقد أوقد النار في جوانحه وأصلى، وبقي مدة لا يزوره، ولا يأذن له، فيعود إليه سروره، فكتب إليه:
ولما أن تفرّقناوحالت نوب الدهر
رأيت الشهد لا يحلوفما ظنك بالصبر؟
فكان هذا معه سبب صلحه، وعفوه عن ذنوبه، وصفحه.
وحكي أنه كان يهوى بعض أبناء الأمراء، ولا يزيده لائمه فيه غير الإغراء، ولا يزال يتتبع مظانّه إذا ركب ليرى قمره الطالع، وجبينه، وكان ذا خال طبع الحسن عليه طابع، ويتقصّد المرور به وهو في الموكب يترنّح غصن قوامه،
ويصمي جفنه القلوب برواشق سهامه، وذوائب شعره وراءه مجرورة، وجلابيب أقبيته على النهار الساطع مزرورة، حتى اشتهر أمره في حبه، وظهر عليه حتى كاد يفضي إلى قضاء نحبه، فقال:
يا سادتي إني قنعت وحقكمفي حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاوقصدتم هجري وفرط تجنبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترىيوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذيألقاه من كمد إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالةلولاك لم يك حملها من مذهبي
ومن البلية والرزية أنّنيأقضي وما تدري الذي قد حلّ بي
يا من كلفت به فعذّب مهجتيعطفا على كلف الفؤاد معذّب
إن فاته منك اللقاء فإنّهيرضى بلقيا طيفك المتأوب
إن كنت تسمح للجفون بهجعةفلقد أضرّ بها ارتقاب الكوكب
قسما بوجدي في الهوى وتحرّقيوتحسّري وتلهّفي وتلهّبي
لو قلت لي جد لي بروحك لم أقففيما أمرت، وإن شككت فجرّب
مولاي هل من عطفة تصغي إلىقصص وطول شكايتي وتعتّبي
من بعد ذاك الأنس والإقبال قدأصبحت عندك كالغريب الأجنبي
قد كنت تلقاني بوجه باسمواليوم تلقاني بوجه مقطّب
ما كان لي ذنب إليك سوى الأسىفعلام تهجرني إذا لم أذنب؟
وإلى متى هذا الصدود وإنهليطول من هذا الصدود تعجبي
وحياة وجهك وهو بدر طالعوسواد طرّتك التي كالغيهب
وفتور مقلتك التي قد أذعنتلجمال بهجتها عيون الربرب
وبياض مبسمك النقي الواضحالعذب الشهي اللؤلؤيّ الأشنب
وبقامة لك كالقضيب ركبت منأخطارها في الحب أصعب مركب
لو لم أكن في رتبة أرعى لهاالعهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذّ ليخلع العذار ولجّ فيك مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذليقد جنّ هذا الشيخ في هذا الصبي
فاستر فديتك حرقة قد قاربتكشف القناع بحق ذيّاك النبي
لا تفضحنّ بحبك الصب الذيجرّعته في الحب أكدر مشرب
قد خانني صبري وضاقت حيلتيوتقسمت فكري وعقلي قد سبي
فانظر إليّ برحمة أحيا بهاوتريح قلبي من غرام متعب
وحكي أن شجنا له نزل بالغور شاتيا، وكان له حبيبا مواتيا، وكان له هناك نشب أطال مقامه، وأطال في ليل تهامه منامه، وكان الغور قد تعجل حلة الربيع، ولبس رقيق سحابه اللاذ الرفيع، والشريعة قد أبهجت من جهاتها المذاهب الأربعة، وأصبحت مكانس الظباء غاباتها المسبعة، وكان ابن خلكان يخرج في كل يوم إلى جهة القبلة مسيرا لمخبر يوافيه أو خبر يخفف ما هو فيه، لعلّه يهب إليه رفقة رائحة، أو تهب عليه من الغور رائحه، وكان يسير ويقول:
أحبابنا بالغور طال فراقكموتنكرت لمحبكم أيامه
منّوا على جفني القريح بهجعةلعسى تمثلكم له أحلامه
وحكي أنه كان في موعد غلام يجيء إلى زيارته، وقعد ينتظر نزول قمره إليه من دارته، فطال المدى وما زاره، ولا زاد على أن أوقد في قلبه ناره، فقامت
قيامته بانتظاره، ومضى أكثر الليل وما حظي بمزاره، فقام يطوف حول البركة إذ لا يقدر على أن يطوف بربعه، وينظر إلى الماء ويكاد يغرقه بدمعه، هذا والشوق في أحشائه يضطرب، والساعات تمضي وحبيبه لا يدنو ولا يقترب، وكان الغلام فوق أمل المقترح، وأحسن من الغزال لمن يلتمح، لا يشبه الغصن لين قامته، ولا يراه إلا من يئس من سلامته، فجعل يقول:
أنا والله تالفآيس من سلامتي
أوأرى القامة التيقد أقامت قيامتي
ولم يزل يكرّرها حتى فتح الباب، وطلع عليه الصباح بوجهه المشرق، فانمحى صبغ الليل وانجاب، وبات وليت مثله كل عاشق يظفر بمواصلة الأحباب.
وحكي أنه كان يهوى غلاما من أبناء الملوك الشير كوهية، تبّله غراما، وصيّر منامه عليه حراما، فكان يكثر الركوب إلى برزة، مظهرا أن توجهه لزيارة المقام، وقصده المرور على باب الغلام، ولا يقدر له أن يراه، ولا يستطيع في دفع حبه أكثر من أنه واراه، فمرّ مرّة ببابه، وهناك رجال من أقربائه، فعرضوا عليه النزول عندهم من حرّ الهجير، وكان الزمان صيفا يتوقّد شراره، فثنى القاضي رجله ونزل، وكان هذا أكبر أمانيه، وجل قصده، ولأجله كان يطوف حول معانيه، فلما قامت الظهيرة، وطاب النزول في الماء، نزلت الغلمان إلى نهر لتبترد بالماء، وتطلع في أفقه طلوع النجوم في السماء، وقد شدوا سود المآزر على بيض الروادف، فطرفوا الصباح بالظلماء، وانغمسوا في ماء النعماء، وذاك الغلام
بينهم يسبح، وقد شخص إليه بصر القاضي فما يبرح، فنهاهم فقيه هناك، لم يلم العشق له بفؤاد، ولم يبت وهو يدري كيف تفتت الأكباد، فذبح القاضي بما جاء به من الاعتراض، وحال بينه وبين بوادر الأغراض، فزجر القاضي ذلك الفقيه المعترض، وسلّ عليه سيف عتبه الممض، ثم أقسم أنه لا قعد إن خرجوا من الماء، ولا لبث، ثم أنشأ يقول غير مكترث:
وسرب ظباء في غدير تخالهمبدورا بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول خليلي والغرام مصاحبيأما لك عن هذي الصبابة مذهب؟
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترىفقلت له: ذرهم يخوضوا ويلعبوا
وحكي أنه مرّ مرة أخرى بعد ذلك بالمكان لعلّه يرى ذلك الغصن في ذلك البستان، وكان قد سافر منه في بكرة ذلك النهار، وسار وترك من أثر موقده في قلب القاضي النار، فقال:
كأنّني يوم بان الحي عن أضموالقلب من سطوات البين مذعور
ورقاء ظلت لفقد الإلف ساجعةتبكي اشتياقا عليه وهو مأسور
يا جيرة الحي هل من عودة فعسىيفيق من سكرات الوجد مخمور
إذا ظفرت من الدنيا بقربكمفكل ذنب جناه الحبّ مغفور
وحكي أنه كان قد دعي إلى وليمة عملت لبعض أبناء الأكابر في بستان، وقد أعرس، فلما أكل منها ورشّ عليه من ماء الورد، ركب ولم ينظف يده، وكان يكره الزّفر، فرأى فقيها كانت له به خصوصية، وتحت ثيابه شيء يحمله، فسأله عما معه؟ فقال: ماء ورد، فقال: اسكب على يدي منه، فتأبّى، وألحّ القاضي عليه في إخراجه، وكان معه، فلما لم يجد الفقيه بدّا أخرج ما معه، فلما رآه
القاضي، قال: ما هذا ويحك؟!. فقال له الفقيه: يا مولانا ماء ورد إلا أنه لما رآك استحيا!. فقال القاضي: لعن الله من لا يستحي، ثم تركه وسار.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع