تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري

(¬*)

الشافعي، أبو إسحاق، شيخ الإسلام، برهان الدين.

التزم بطريقة أبيه حتى كان إبراهيم الذي وفّى، ونزع به إليه الشبيه فما أغفى، وكان في زمنه أمة قانتا، وطودا لا يقلقل ثابتا، ثبت على هذا طول مدته، وكلّ عمره، حتى أكل الدهر رونق جدته، وكان للدين برهانا، وفي الزمان المسيء إحسانا، التفّت عليه بقايا حلقة أبيه، واحتفّت به، ولم يبق منهم أحد حتى من يربيه.

اشتغل بعد موت والده على قاضي القضاة أبي عبد الله الخويي، وكان ولي الشام، ونشق منه ما ملأ المشام، فارتضاه لمنّته، واصطفاه لابنته. وكان الخويي محبا لتقديم النجباء، وتكريم الألبّاء، وأذن لجماعة بالفتوى كان هو أوّلهم، وأولاهم بما خوّلهم، ثم كان يخطب لجلّة المناصب فيأباها، ويأنف منها، وما أتته إلا أشباها، حتى توفّي قاضي القضاة ابن صصرى، وتوقى المنصب إن يحمّل إصرا، ولم يكن سواه من يجمع عليه، ويطمع النظر دونه إليه، فجهد ملك الأمراء بالشام تنكز في توليته، وطلبه إليه وأخذ في ملاطفته وتفديته، وهو يصرّ على الامتناع، وتجلا عليه ولا يكشف عنها القناع، هذا بعد أن بعث إليه أكابر العلماء، ودخل عليه منهم بأماثل العظماء.

وأتاه الخطيب القزويني، وابن الزملكاني برسائله، وجدّا في وسائله، وهو لا يلفت إليهم وجها، ولا يرى إلا عنهم غافلا يتلهّى، وقعد لها حتى تخطّته، ونزل عن صهوتها وقد أمطته.

تفقّه بأبيه، وابن الخويي، وأخذ النحو عن عمه شرف الدين، ودأب الليل والنهار في القراءة، والمطالعة، والاشتغال والإشغال، والتعليق والمراجعة، ومذاكرة من حضر، وطلب التحقيق لكل مسألة، والتحرير في حلّ كل مشكلة.

قلت: حكى لي من لا أشك فيه: أن ابن الزملكاني كان يعلق فتاوى الشيخ إذا أتته، وربّما تشكل عليه المسألة، فيضع لها سؤالا، ويدسّ به من يأتيه، فيأخذ خطّه عليه.

وكان ابن تيمية إذا ذكر الفقهاء قال: الفقيه ابن الفركاح.

وكان ابن المجد عبد الله يقول: ينبغي لمن حضر مع الشيخ برهان الدين أن يتأدّب.

وسمعته مرة يقول: ما يستحقّ أحد أن يتكلم مع الشيخ برهان الدين إذا تكلم في الفقه، ولكن يسمع.

وكان ﵀ كريم النفس، سخيّ الكفّ، لا يردّ سائلا، ولا يخيّب آملا، على ضيق رزقه، وقلة ذات يده، مع الصبر والاحتمال، والقناعة والتصدي لأشغال الطلبة في المسجد الجامع، وفي المدرسة البادرائية، وفي بيته، لا يرى له راحة إلا في التعب، فلا يزال معمور الأوقات بالذكر، والأشغال، والاشتغال، والمطالعة، والتصنيف، والتأليف، والفتوى، هذا إلى خلق حسن، وانبساط، ومجون لا يحظر مثله، مع ملازمة عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، ومجاملة الناس

في السّلام على القادمين، والتوديع للمسافرين، وتهنئة من تجدّدت له مسرة، والتغمّم لمن نابته نائبة، إلى غير هذا من مكارم الأخلاق، والمحاسن على الإطلاق، وأكثر من برع من الفقهاء بدمشق وبلاد الشام وقضاة البر تلاميذه، وعنه أخذوا.

وقال لي العلّامة فخر الدين المصري: لولا الشيخ برهان الدين لما تفقّه أحد، يعني في مذهب الشافعي - في زمانه.

قلت: والذي قاله هو الحق، لأنه لم يكن في مشايخ زمانه لا من أهل مذهبه، ولا من غيرهم من كان متصديا لأشغال الناس وإفادتهم غيره، لا يشغله عن ذلك شاغل، ولا يصده صاد.

وله مصنفات أجلّها: " التعليقة الكبيرة "وهي على التنبيه في [فروع الشافعية]، ومنها: " مصنف في المنطق "، وآخر سماه: " تفهيم المجاملة في علم المراسلة "، وبعث به إليّ لأقف عليه، فكتبت عليه مقرّظا له، وليس بطائل.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.