تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد القرشي

(¬*)

الأموي، العثماني، الفقيه، الشافعي، الإمام المتفنّن، أبو عبد الله، صدر الدين، ابن المرحّل، ويعرف بابن الوكيل، لأنّ أباه ولي وكالة بيت المال بالشام.

إمام له نسب في قريش أعرق، وحسب في بني عبد شمس مثل الشمس أشرق، وعلم لو أن البحر سطا بشبهه لأغرق، وفهم لو أن الفجر سطع نظيره لأحرق، وبيت طنّب على المجرّة، ومدّ رواقه فتلألأ بالمسرّة، ونشر رايته البيضاء الأموية، وحولها ثغور الكواكب المفترة، وارتفع أن يقاس بنظير، واتضع والثريا تاج فوق مفرقه والجوزاء تحته سرير، وهمّة دون السماء لا يقصرها، وحكمة عن سبق القدماء لا يؤخرها، مع جبين وضّاح، ويمين منها الكرم يستماح، وأدب أشهى من رشف الرضاب، وأحلى من رضى الحبائب الغضاب، وخلق شرح الله له صدره، ومنح فضله أندية الرياض المخضرة، وصبر على نوائب ما برح الكريم يمنى بصروفها، ويرمى بصنوفها، ويبيت قلبه المعنّى

قرى لضيوفها، ورعبه المخيّل مقدّما عنقه لسيوفها، وهو على صداء النوائب لا يزيد سيف ذهنه إلا صقالا، ورحب صدر إلا احتمالا، وكرم يده إلا بسط أنامل، وحط رحل لديه لآمل، وسعة نفس عرفت من بني عبد شمس هزه طرب لا تنكر لبقية أولئك العرب.

وجرت له مع سلطاننا أيام سلطة الأمراء عليه، وسلطنة المظفر بيبرس أمور هيّجت عليه ساكن حنقه، ولججت به إلى موضع غرقه، وكان هو ذلك الوقت بمصر، رأس تلك المجالس التي عقدت، ومبتدئ تلك الفتاوى التي عليه حقدت، ومرتّب تلك الأمور التي انتقدت، وناظم تلك القصائد التي كانت سبب تلك النيران التي عليه أوقدت.

وأراد الصاحب ابن الخليلي وهو إذ ذاك بطّال أن يمسكه ليتقرّب به إلى السلطان، وأخذ هو الخبر، ففرّ، وتردّد رأيه في أيّ جهة يقصد، ثم حمّل نفسه أهوالها، وقال: إما عليها وإما لها، وركب طريق البدرية حتى شارف قطيا، والسلطان قد أشرف عليها، فأتى بكتمر الحاجب لصحبة سالفة له به فعرفه بمجيئه، فقال: ليتك لا جئت، ثم لم يسعه إخفاء أمره، ولا خفاء ما أطلّ من بدره، فأمر السلطان بالتوكيل به، ثم أمر بإحضاره، فما كان إلا أن رآه وكلّمه، وإذا بتلك البارقة وقد تجلّت، وتلك الحفيظة قد ألقت ما فيها وتخلّت، ومدّ يد ذلك الغيم وقد تقشّع، وحديد ذلك الغضب وقد تقطّع، وذلك الحلم الناصري قد رقّت حواشي أهدابه، وراقت نواشي سحابه، فأمر بأن يكون في الصحبة مخلّى السبيل، محميّ القبيل، وأقيلت مواضي تلك الهفوة، وأقيمت مضاجع تلك الغفوة، ودخل مصر آمنا، وأقام في الظلّ الناصري ساكنا.

ثم خرج إلى حلب على وظائف تولاها، ومراتب وطئ بأخمصه أعلاها، ثم

ذكره السلطان، أو ذكّره بعض خواصّه به، فاستدعاه إيثارا لقربه، فرتّبت له رواتب، وعيّنت له مناصب، وأقام في الحضرة السلطانية عليها مرعي الجانب، مرمي المجانب، وأرسل إلى ملك العرب مهنّا بن عيسى فأجمل وفادته وأسماها، وأجزل إفادته وأسناها.

ثم كان بمصر مقامه، وبالسلطان وحاشيته التيامه، ما روع له سرب حتى أتاه حمامه، وفرغت منه أيامه.

ودفن لدى شباك الشافعي رحمه الله تعالى بالقرافة، وكانت وفاته بكرة الأربعاء، رابع عشرين ذي الحجة، سنة عشر وسبعمائة.

ومولده في شوال، سنة خمس وستين وستمائة، بدمياط، ومنشؤه بدمشق.

تفقّه بأبيه، وبالشيخ شرف الدين ابن المقدسي وغيرهما، وسمع من القاسم الأربيلي، والعامري، والمزني: "صحيح مسلم".

وسمع من ابن علان: "المسند"، للإمام أحمد. وأفتى وله اثنتان وعشرون سنة، ودرّس بالمدارس الكبار، وله صيت بين العلماء بالفضيلة، وتقدّم عند الدولة والسلطان، وولي مشيخة الحديث بالأشرفية مدة، وحدث بجملة من "صحيح مسلم" بها، ثم نزح عن دمشق، وأقام بحلب مديدة، ثم انتقل إلى مصر، وسكنها، وولّي جهات كبارا.

ولما وصل خبر موته إلى دمشق عمل عزاؤه تحت النسر، وصلّى عليه صلاة الغائب في ثالث المحرم، ورثاه جماعة منهم: علاء الدين بن غانم، والإمام نجم

الدين القحفاز، ونجم الدين الصفدي.

وكان بينه وبين الأفرم نيابته بالشام صداقة كشفت بينهما الوقار، وأرشفت تصافيهما العقار.

حكى لي ابن الدقاق عنه: أن الأفرم استدعاه ليلة والليل جناحه ما نسل، وخضابه ما نصل، وفارسه المعلم ما نزع جوشنه، وأفقه المروض ما قلع سوسنه، وخصماء الطير خرس بعد ما نطقت لها ألسنة، وسرّ الفجر ما جال في ضمير، وفرق الشرق ما شاب، والأدب في لمته القتير، وثوب الأفق ما ذر عليه الكافور، ولا نفض عنه العبير، فدخل عليه وهيف الشمع تولول ألسنة نارها، وتعصب رؤوسها بتيجان نضارها، وقد أضاء بصباحها بهو الدار، وقمص سواد ذلك الليل بضيائها جلباب النهار، وقد دعي بالصبوح، وبطح زقّ قام عليه الراووق ينوح، وصفقت القناني، وتصدرت الأواني، واتفق البم والزير، ورقص الطرب الزائر والمستزير، وقد دبّ شعاع الخمر في وجنة الساقي، وفاض على المجلس، وألقى على الزجاج الباقي في حضرة ما حصلت في إشبيلية للمعتمد بن عباد، ولا للمقتدر بن أبي العباس في بغداد، ولا للأشرف شاه أرمن في ظواهر أخلاط، ولا تميم بن معز في مناظر الفسطاط، وهو بدمشق بالقصر

الظاهري، المشرف على الميادين، المكتنف بالبساتين، المزرر عليه حبب الغمام المؤزر بديباج الرخام، وسقوفه تنقط ذهبا، وتشعل فحمة الليل لهبا، والشاذروان قد علقت به سلاسل من فضة، وتساقطت عليه من الماء نجوم منقضة، والبركة قد أتلعت جيد نوفرة تتلقى ذلك الصّب، وتومئ إليه بالتقبيل إيماء من أحب، فرأى ما قيد النظر، وقدد النهار في ذلك النّهر، فدهش وقد تحفز نسيم السحر، واضطرب موج تلك الميادين في ضوء القمر، فلما حميت به الحميّا، ابتدر وقال قصيدة في صفة الخمر، أنست أبانواس، وشغلت كل الحواس، ومنها قوله:

ليذهبوا في ملامي أية ذهبوافي الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
لا تأسفنّ على مال تمزّقهأيدي سقاة الطلا والخرّد العرب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
فماكسوا راحتي من راحها حلّلاإلا وعرّوا فؤادي الهمّ واستلبوا
راح بها راحتي في راحتي حصلتفتمّ عجبي بها وازداد لي العجب
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا»
إذ ينبع الدرّ من حلو مذاقتهوالتبر منسبك في الكأس منسكب
وليست الكيميا في غيرها وجدتوكلّ ما قيل في أبوابها كذب
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا»
قيراط خمر على القنطار من حزنيعود في الحال أفراحا وينقلب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
عناصر أربع في الكأس قد جمعتوفوقها الفلك السيّار والشّهب
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا»
ماء ونار هواء أرضها قدحوطوقها فلك والأنجم الحبب
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا»
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بلبالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
شججت بالماء منها الرأس موضحةفحين أعقلها بالخمس لا عجب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وما تركت بها الخمس التي وجبتوإن رأوا تركها من بعض ما يجب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
ولن أقطّب وجها حين تبسم ليفعند بسط الموالي يحسن الأدب
عاطيتها من بنات الترك عاطيةلحاظها للأسود الغلب قد غلبوا
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
هيفاء جارية للراح ساقيةمن فوق ساقية تجري وتنسرب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
من وجهها وتثنيها وقامتهاتخشى الأهلّة والقضبان والقضب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
يا قلب أردافها مهما مررت بهاقف بي عليها وقل لي هذه الكثب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وإن مررت بشعر فوق قامتهابالله قل لي كيف البان والعذب
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا»
تريك وجنتها ما في زجاجتهالكن مذاقته للريق تنتسب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
تحكي الثنايا الذي أبدته من حبب"لقد حكيت، ولكن فاتك الشنب"
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومن شعره الذي نطق به فأبان عن إنسانه، وأتى بالبيان ملء إهابه، قوله:

سرى وستور الهم بالكأس تهتّكوساكن وجدي بالغناء يحرك
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وأقسم لولا نار قلبي تبرقعتلها في الدياجي ما اهتدت كيف تسلك
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «سرى وستور الهم بالكأس تهتك»
فعاطيته كأسا فحيّا بفضلهاومازج ذاك الكأس ريق ممسّك
ولما رأيت القوم بالكأس صرّعاوأن ابنة المطران بالقوم تفتك
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «سرى وستور الهم بالكأس تهتك»
أرقت دم الراووق حلّا لأنّنيرأيت صليبا فوقه فهو مشرك
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وسالت دموع العين منه وكلّمابكى بالدما مما جرى منه أضحك
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وزوّجت بنت الكرم بابن سحابةفصحّ على التعليق والشرط أملك

ومنه قوله:

وعارض قد لام في عارضوطاعن يطعن في سنّه
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وقائل: قد طلعت ذقنهفقلت: لا أفكر في ذقنه

ومنه قوله:

لي حبيب مكمّلمن سنا البدر أوجه
كلما شاب ينحنيبيّض الله وجهه
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

ولما جلا فصل الربيع محاسناوصفّق ماء النهر إذ غرّد القمري
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
أتاه النسيم الرطب رقّص دوحهفنقط وجه الماء بالذهب المصري
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

عيرتني بالسقم طرفك مشبهيوكذاك خصرك مثل جسمي ناحلا
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وأراك تشمت إذ أتيتك سائلالا بدّ أن يأتي عذارك سائلا
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله في مليح به يرقان، ذبل نرجسه، وفتّر جفنه، وأنعشه وازداد به طرفه

سقاما، ذهب به نصله، وذهب لا يعرف في غير القلوب فعله:

[رأيت في طرفه اصفراراسبا فؤادي فقلت: مهلا
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «رأيت في طرفه اصفرارا»
أيا مليك الأنام حسناالعفو من سيفك المحلى]
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «رأيت في طرفه اصفرارا»

ومنه قوله:

قد جرّد الهندي من لحظاتهوتعلّم الخطي من خطراته
يا خجلة الأغصان من أعطافهوفضيحة الغزلان من لفتاته
أبدى الذؤابة والقوام فلا تسلعن بان نعمان وعن عذباته
أرجو وأحذر قربه وبعادهفالقلب بين حياته ومماته

ومن قوله:

أقصى مرادي أن أمرّ على الحمىويلوح نور رياضه ويفوح
حتى أري سحب الحمى كيف البكاوأعلّم الورقاء كيف تنوح
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله في مليح يلقب بالحامض:

وبديع الجمال، معتدل القامةكالغصن والقنا الأملود
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «وبديع الجمال معتدل القامة»
لقّبوه بحامض وهو حلوقول من لم يصل إلى العنقود
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

غازل وخذ من نرجس من لحظهمنثور دمع كلّهنّ نظام
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
واحذر إذا بعث السّلام إليك مننبت العذار فإنّه نمّام
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

تغنّت في ذرا الأوراق ورقففي الأفنان من طرب فنون
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «تغنت في ذرا الأوراق ورق»
وكم بسمت ثغور الزهر عجباوبالأكمام قد رقصت غصون
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

واصل كؤوسك لا أريد فراقهافلقد رأت عيني المدام فراقها
إن الذي جعل الهموم عقارباجعل السّلاف حقيقة درياقها
لم تصلب الراووق إلا عند ماقطع الطريق على الهموم وعاقها
ومعنّفي في الخمر لو قد ذاقهالم يلحني لكنّه ما ذاقها

ومنه قوله:

وبي من قسا قلبا ولان معاطفاإذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
أقرّ برقّ إذ أقول أنا لهوكم قالها أيضا، ولكن لتهديدي

ومنه قوله:

يا ناقضا عهده من غير ما سببإلا لكوني أراعي عهد من خانا
يقول قلبك طور قلت: لا عجبمن جانب الطور قد آنست نيرانا

وحكى لي ثقات من أصدقائه، أنه كان يكتم هوى بعيد مزاره، قريب

ادّكاره، ومن دونه بحر من السراب متأق، وبيداء لا تجتازها من الريح سملق، وليل لا تبدو النار في سواده، وطود لا ترسي الأرض إلا بأوتاده، والنهار لا يتوضح، والدهر ليل كلّه ليس يبرخ، وعينه قد غار دمعها فما له قرار، وجفا الغمض أجفانها القصار، والنجوم لا تغور كأنما مسخ فيها النهار، قد كتم الفجر منها الخفاء، وعدم الصباح كأنه جود أو وفاء، وهو في شغل بليلى، وهي في شغل بسواه، لا يميل غصنها لهواه، لاهية عن شؤونه، ساهية عما يحمل منها على عيونه، لا يرثي طرفها النائم لطرفه الساهر، ولا يعرف ما فعل الدمع بالناظر، فلم يكن له إلا أن يخاطب إيماض البرق على دارها، ويجاذب عطف الصّبا لازديارها، وفي بعض شجونه وهواه بها وجنونه، قوله:

ألا هل صبا أو بارق بات موهناعلى دار ليلى والنفانف دونها
يبلّغ عينيها تحية ناظرأعار الغوادي المعصرات جفونها
يبيت على جمر يشب بذكرهاويكتم ما يلقى يخاف ظنونها
يراع لبرق بالثنايا كأنماعليه سيوف الهند هزّت متونها
لئن غاب عنكم حسن ليلى وحبّهافها فانظروا مجنونها وجنونها

وحدّثت عمّن كان يطّرح معه المؤونة، ويبوح إليه بأسراره المصونة، أنها جاءت مرة إليه، وقلب البرق يخفق غيرة عليها، وعين النجم تنظر شزرا إليها، في ليلة ما لها سحر، ولا لآخرها عنده خبر، قد قصّرها منادمة الحبيب، ومداومة الوصال على قلع عين الرقيب، مرّت وهي حلوة المذاق، كأنها قبلة على حذر، يدفع في صدرها يد السحر، وتولّت قصيرة كالنظر المخلوس، غزيرة بنور

الكؤوس، قد حسنت كأنها يوم أغرّ، وحسبت أنها في مقلة الدهر حور، ثم أعقبها وقت للسرور فيه نمو، ويوم كأنّ العشي فيه غدو، في مجلس لم يلو فيه على الذنوب، ولا يذود العفاف به هوى في القلوب، وقد شوشت الريح طرّة الورد، وجمعت أصابع المنثور قرصة البرد، وهلال الصيام قد لاح نضوا، وأومأ للسجود إذ جاءه سهوا، فنعم بليلة ويوم ما شاب صفوهما تكدير، ولا دب ليومها عذار ولا في مفرق ليلها قتير، لكنّهما انقضيا، وما منهما إلا أضوأ وأقصر من ذبالة، وأماله حتى طار النهار وأجفلت الغزالة، فقال:

سمح الزمان وكان جد شحيحمن بعد ما متّ عادت روحي
جاءت ومسح الليل أسود مسبللا شكّ قد وافى إليّ مسيحي
أحييت فيها ليلتي وحييتهاهو قبلتي وبثغرها تسبيحي
وبقيت يومي كلّه متمتّعاوبها غبوقي المشتهى وصبوحي
حتّى إذا ما اليوم ولّى طائراولّت ولكن خلّفت تبريحي

وحدثت عنهم أنهم دخلوا عليه يوما وقد خطرت على خاطره نسمة من ذكرها أجرت دموعه، حتى فاضت على نحره، وأسبلت البكاء حتى غرق إنسان عينه في بحره، فقالوا له: أيها الرجل مهلا على غربك، ورفقا لا يذهب البكاء بقلبك، فازداد بكاؤه إلى أن قالوا: حصاة كبده تفتّت، وظنّوا أن جملة صبره تشتت، فبقوا يحدثونه، ولا يحدثهم إلا زفراته القائلة، وينادونه ولا تجيبهم إلا عبراته السائلة، فلما هموا بالانصراف كفّ بعض ذلك الإسراف،

قوله:

أخفيت حبّك عن جميع جوانحيفوشت عيوني، والوشاة عيون
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
ووددت أن جوانحي وجوارحيمقل تراك وما لهنّ جفون
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
ووددت دمع الخافقين لمقلتيحتى غزير الدمع فيك يهون
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
يا ليت قيسا في زمان صبابتيحتى أريه العشق كيف يكون
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

أبثّك أن المرء للقبر صائرفلم أنت عن داعي المدامة صابر؟
أجب واستمع من راهب الدير واستمعومل طربا لمّا ترنّ المزاهر
وروّ بها لحمي وعظمي ورمّتيوقبري وأكفاني فما لك عاذر
أمزّق مالي والمدام أصونهاأرى الجوهر الأعراض وهي جواهر
أدخّرها للهمّ والغمّ إنماتفيد لأرباب الرزايا الذخائر
وسم الحميا نقطة وهي نقطةوقطب سروري حين بلي السرائر

ومنه قوله:

قال لي من أحبّ والبدر يبدومن خلال السحاب ثم يغيب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
ما حكى البدر؟. قلت وجهك لمايختفي عند ما يلوح الرقيب
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

يا حبل ودي قط لا تنقطعفقلبه قد رقّ مما جرى
أما ترى الحبل بتكرارهفي الصخرة الصمّاء قد أثّرا

ومنه قوله:

يقولون لي: كم ذا كلفت بأحوليقلب بالزوجين؟، قلت لهم: عذرا
رأت كل عين حسن أوصاف أختهافغارت، فطول الدهر تنظرها شزرا

ومنه قوله:

وصيّرت بدر التمّ مذ غاب مؤنسيأنيسي، وقلت: البدر منه قريب
فحجّبه عني الظلام بذيلهفوا عجبا، حتى الظلام رقيب!

ومنه قوله مما يكتب على كمدان:

بلغت مقاما ما تأتّى لعاشقحسدت له من بين كل الخلائق
أدور على خصر نحيل وطالماغدوت على ردف ولست بفاسق
ومن أجل أنّي ليس بيني حائلوبين حبيبي فقت كل المناطق
فلا يدّعي العشّاق حالي فإننينحيل معنّى مثقل بالعلائق

ومنه قوله:

عجبت من قلب معنّاهمعلى جفاهم كيف يهواهم!
رآهم في الحب أهلا فماأحبّ في الأكوان إلا هم

ومنه قوله:

زند المدام في الكؤوس قد قدحلما رأى زهر الرياض قد قدح
فاصدع بأوتار الجنوك حزناقد طير المنام فالطير صدح
واستجل بنت الكرم للشرب ففيطلاقها كدّ عذولي وكدح
راحا بها الأعمى يرى مع العمىوهاك برهان على هذي المدح
الخمر للأقداح قلب دائماوالحدق انظرها تجد قلب القدح
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

عقود الحساب كيوم الحسابفمن قلّ وقرا سما في المعالي
كذاك اليمين لها ما يقلوعقد الكثير نصيب الشمال

ومنه قوله:

فرغت بكم عن الأكوان لمّاشغلت بحبكم عن كل شغل
وأجمعت القلوب على هواكمفها أنا سالم من كل عذل

ومنه قوله:

أعنّي على ما دهاني أغنّيفإني رميت بريم أغنّ
إذا قلت: ثغرك صن باللثاميقول: سيحميه صارم جفني
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «إذا قلت ثغرك صن باللثام»
وإن قلت: قد صار من فتكه كليلا، فللقطف تدلي وللحتف تدني
ولا تخش من لهب فيهمافنيران خدي جنات عدن

ومنه قوله:

كأنما البرق خلال السماءمن فوق غيم ليس بالكابي
طراز تبر في قباء أزرقمن تحته فروة سنجاب

ومنه قوله في عمر الذهبي:

ولائم لامني على عمر وقاللي: قد غلطت بالعربي
كم في الورى مثله. فقلت له:وأيّ شيء يكون كالذهبي

ومنه قوله:

يا وجنة هي جنّة قد زخرفتوردا ومن آس العذار تخضّرت
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
عين بنور جمال وجهك متعتوسوى جمالك أبصرت لا أبصرت
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

بعيشك خلّ عاذلتي تلمنيومنها في ملامتها ومنّي
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
فإن نجحت فلا نجحت طريقيوأدركت المنية لا التمني
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
وإن خابت فلا خابت طريقيوإن كان الهوى يأتيه عني
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
ويا غصن النقا ويجلّ قدراقوامك أن أشبّهه بغصن
لحاظك بالهوى فتكت عناداولا تسأل عن الظبي الأغنّ
وعطفك قد كسا الأغصان وجدافمالت بالهوى لا بالتثنّي
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
ورقّت ورقها فبكت عليهاوفي الأفنان أبدت كل فنّ
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «بعيشك خل عاذلتي تلمني»
وقد طارحتها شجنا فلمابكيت صبابة أخذت تغني!
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

يا ليلة فيها الأمان والمنىوكل ما أطلبه تهيّا
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
لا تقصري فالصبح قد شربتهمدامة عنقودها الثريا
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

تلك المعاطف أم غصون البانلعبت ذوائبها على الكثبان
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «تلك المعاطف أم غصون البان»
وتضرّجت تلك الخدود فوردهاقد شقّ قلب شقائق النعمان
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
ما يفعل الموت المبرّح في الورىما تفعل الأحداق في الأبدان
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
أخليل قلبي وهو يوسف عصرهقلبي الكليم رميت في النيران
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
قطعته مذ كان قلبا طائراودعوته فأتى بغير توان
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
يا نور عيني لا أراك وهكذاإنسان عيني لا يراه عياني
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
ولقد رأيت على الأراك حمامةتبكي وتسعدني على أحزاني
تبكي على غصن وأندب قامةفجميعنا نبكي على الأغصان
للشاعر ابن الأردخل، من قصيدة «ولقد رأيت على الإدراك حمامة»
نخشى من الأوتار فهي مروعةمثلي، فلم تبكي على العيدان

ومنه قوله:

في خدك خط مشرق الصدغ سطوروالشاهد ناظر على الفتك بدور
يا عارضه بالشرع لا تقتلنيالشاهد فاتك وذا خطك زور
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله في مليح ذرّ على جسده سدر بالحمّام:

ومذ ذرّ ذاك السدر من فوق جسمهتزايد من أهواه في حسنه حسنا
ولو لم يزن ذاك القوام اخضرارهلما صحّ عندي أنه يشبه الغصنا

ومنه قوله:

بكيت حيا وحياء بكيتتفاريق دمع لحاد حدا
لئن كنت أبكي بحارا وفيخدودك قطر فما ذا سدا
فإن العيون تمدّ البحاروليس على الورد غير الندا

ومنه قوله:

فصل الشتا منح النواظر نضرةلما كسا الأكوان وهي عوار
لم يلبس الغبراء خضر مطارفحتى كسا الزرقاء بيض إزار

ومنه قوله:

قالوا: اتّئد لا تخف فلانافرأسه خفة يطيش
فقلت: بالنبل كم رأيناقتلى ورووس النبال ريش!

ومنه قوله:

أحبّتنا والدهر جمّ صروفهووجدي على طول المدا ليس يبرح
تغيّرتم عما عهدت لأجل ذاتغيّر دمعي وهو في السفح يسفح

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.