تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني، أبو إبراهيم

(¬*)

لم يقم مذهب صاحبه الإمام الشافعي إلا بوزنه، ولم يدم سحّ سحاب إلا من مزنه، ولا شيم برق إلا ونوؤه المزني قادح ناره، ومائح مائه من دافق أنهاره، ومفتل خيوط الأنواء من أدنى ما وهب، ومكتنف سجوف اللأواء منه بالذهب، وهو ذو المختصر الذي ما أتى بمثله مطيل، ولا أوتي نظير فضله إلا من ادّعى الأباطيل. وكان البحر فيض ندى، والغمام ومض شعاع يطير بأجنحة الضرم مصعدا، نور دجى بعبادة محت حندسه، وحمى الوادي بما أسسه، وسكن مصر فأضحت به مقدّسة لتقوى، عمرت باطنه، وعمّت مواطنه، وعدت عليها

البحار، ولم تزل في مكانها قاطنة حتى واراه الضريح، وناب القبر عن الصدر، والرثاء عن المديح.

كان زاهدا، عالما، مجتهدا، محجاجا، غوّاصا على المعاني الدقيقة، وهو إمام الشافعيين، وأعرفهم بطرقه وفتاويه، وما ينقله عنه.

صنّف كتبا كثيرة. وقال الشافعي في حقه: " ناصر مذهبي".

وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصرة، قام إلى المحراب، وصلّى ركعتين شكرا لله تعالى.

وقال ابن سريج: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء، وهو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتّبوا، ولكلامه فسروا وشرحوا.

ولما ولي القضاء بكار بن قتيبة بمصر، وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقّع الاجتماع بالمزني مدة، ولم يتفق، فاجتمعا يوما في صلاة جنازة، فقال القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المزني شيئا حتى أسمع كلامه.

فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم التحريم على التحليل؟.

فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أنّ النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم حلّل. ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم. فاستحسن ذلك منه، وهذا من الأدلة القاطعة.

وكان في غاية الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة في كوز نحاس، فقيل له في ذلك؟. فقال: بلغني أنهم يستعملون

السرجين في الكيزان، والنار لا تطهرهما.

وقيل: إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلّى منفردا خمسا وعشرين صلاة استدراكا لفضيلة الجماعة، مستندا في ذلك إلى قوله ﷺ: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة".

وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن من أصحاب الشافعي يحدّث عن نفسه في شيء من الأشياء في التقدم عليه، وهو الذي تولّى غسل الشافعي. وقيل: كان معه أيضا الربيع.

توفّي لستّ بقين من رمضان، سنة أربع وستين ومائتين، بمصر، ودفن بالقرب من تربة الشافعي. وذكر ابن زولاق: أنه عاش تسعا وثمانين سنة، وصلّى عليه الربيع بن سليمان المؤذن المرادي.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.