تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين ابن ليث بن رافع المصري الفقيه

(¬*)

عنبر مجد يتضوع، وجوهر حدّ يتنوع، وبحر لا يجيء النيل من أياديه

بإصبع، وسابق أرخى عنانه لما علم بأنه لا يتبع، وكان قويّ الجنان، قويم السنان، قؤول اللسان، صؤول اليد بالإحسان، حمل إلى بغداد، والسيف يقطر دما، والرمح يقرع سنه ندما، والوجود يود لو عدّ عدما، وطلب في المحنة التي أظلت والمدة التي ظلت، والمصيبة التي افترست الأديان، وأخرست الألسنة إلى يوم العرض على الديان، فقال ولم يبل، وبالغ لله أبوه ولأمّ غيره الهبل.

سمع من ابن وهب، وأشهب من أصحاب مالك، فلما قدم الشافعي مصر صحبه، وتفقّه عليه، وحمل في المحنة إلى بغداد إلى القاضي أحمد بن أبو دؤاد، فلم يجب إلى ما طلب منه، فردّ إلى مصر، وانتهت إليه الرياسة بها.

قال المزني: كنّا نأتي الشّافعيّ نسمع منه، فنجلس على باب داره، ويأتي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فيصعد إليه ويطيل المكث، وربّما تغدّى معه، ثم ينزل فيقرأ علينا الشافعي، فإذا فرغ من قراءته قرّب إلى محمد دابّته فركبها، وأتبعه الشافعي بصره، فإذا غاب شخصه قال: وددت لو أن لي ولدا مثله، وعليّ ألف دينار دينا لا أجد لها قضاء.

وقال ابن عبد الحكم: كنت أتردّد [إلى الشافعي]، فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي، وكان على مذهب مالك، فقالوا له: يا أبا محمد، إنّ محمدا ينقطع إلى هذا الرجل، ويتردّد إليه، فيرى الناس أن هذا رغب عن مذهب

أصحابه، فجعل أبي يلاطفهم، ويقول: هو حدث، ويحبّ النظر في اختلاف أقوال الناس ومعرفة ذلك، ويقول لي في السر: يا بنيّ، الزم هذا الرجل فإنك لو جاوزت هذا البلد فتكلمت في مسألة، فقلت فيها: قال أشهب، لقيل لك: من أشهب؟. قال: فلزمت الشافعي، وما زال كلام أبي في قلبي حين خرجت إلى العراق، فكلّمني القاضي بحضرة جلسائه، فقلت فيها: قال أشهب عن مالك: [فقال] ومن أشهب؟. وأقبل على جلسائه، فقال لبعضهم كالمنكر: ما أعرف أشهب ولا أبلق!.

وذكره القضاعي في كتاب "خطط مصر" فقال: ومحمد هذا هو الذي أحضره أحمد بن طولون في الليل إلى جبّ سقايته بالمعافر، لما توقف الناس عن شرب مائها، والوضوء به، فشرب منها، وتوضأ، فأعجب ذلك ابن طولون، وصرفه لوقته، ووجه إليه بصلة، والناس يقولون: إنه المزني، وليس بصحيح.

قال ابن خلّكان: توفي يوم الأربعاء لليلة خلت من ذي القعدة، سنة ثمان وستين ومائتين، ودفن - فيما ذكر - عند أبيه وأخيه، مع الشافعي.

ومولده: سنة اثنتين وثمانين ومائة. وقيل: سنة سبع وستين.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.