من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن مالك
وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّاني النحوي جمال الدين.
مقيم أود، وقاطع لدد، ومزين سماء. موّهت الأصيل ديباجتها، وشعشعت البكر زجاجتها. وجاءت أيامه صافية من الكدر، ولياليه وما فيها شابية من الكبر. قد حلقها العشاء بردعه، وخلقها الصباح بريعه. فطالت النهار غررا، وأمدّت الأنهار غدرا. فكأن كل مستعين حول مسجده، وكل عين فاخرة بعسجده. هذا وزمر الطلاب وطلبة الأجلاب لا
تزال تزجي إليه القلاص، ويكثر من سربه الاقتناص وكلها تفنن عيونا، وتحسن أبكارا وعونا.
قال أبو الفتح ابن اليونيني: كان أوحد عصره في علم النحو واللغة العربية مع كثرة الديانة والصلاح والتعبّد والاجتهاد. وسمع وحدّث. وكان مشهورا بسعة العلم والإتقان والفضل، موثوقا بنقله، حجّة في ذلك. وله عدّة تصانيف حسنة مفيدة، وإليه انتهى علم العربية. ولم يكن في زمنه من يجري مجراه، وفي غزارة علمه ووفور عمله. وكانت وفاته بدمشق في ثاني عشر شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمئة. ودفن بسفح قاسيون، وهو في عمر الثمانين.
ورثاره ابن الظهير بقصيدة منها:
أدرى الخطب من أصابت سهامهواستخفّ الحلوم حزنا حمامه
أم درى زائر المنيّة إذا قدّم ما ذا أذاقنا إقدامه
بالإمام ابن مالك فجع الدين فغشّى ضوء النهار ظلامه
بإمام أفنى اللّيالي والأيام في البرّ والكتاب أمامه
خلّدت ذكره الجميل علومخلّدتها من بعده أقلامه
كم سقيم من الكلام شفاهبعد ما أيأس الأساة سقامه
ومفهّم من الدقائق ما أمكن منها الفهوم إلا اهتمامه
خلّف الفاضل الفريد أبا بشروآنست أيّامه أيّامه
لو حواه ومن تقدّم عصرلأقرّت بفضله أعلامه
من لأهل الآداب من بعده هاد إلى منهج الصواب كلامه
فقروا راغمين منه أبا برّا عطوفا فكلّهم أيتامه
أولع النقص بالكمال فماأوجب هذا السرار إلا تمامه
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع