تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

زيد بن الحسين بن زيد بن الحسن بن سعيد الكندي

أبو اليمن تاج الدين البغدادي المؤلف والمنشأ، الدمشقي الدار والوفاة، المقرئ والنحوي الأديب. وهو الذي تضرب به النحاة المثل، وتضرب عنه الملل. بلغ شأو القدما، وزاد عليهم زيادة الألف والنون في بعض الأسما. أجمل بذكره المشاهير، فانسلخ أبو الأسود من جلدته، ويئس الكسائي من حدته، وفرّ الفرّاء، وعرف أن سبب موت سيبويه ممّا ضرب زيدا عمرا.

وعذر جمر نفطويه إذا أصبح وهو جامد، والمازني إذا لم يذكروا وقبله زيد وعمرو وبكر وخالد. أعملت الركائب إليه السير، وعرف الخير منه، فسميّ زيد الخير. تقدّم في الدولة الناصرية الصلاحية من أولها، وأثرى من تموّلها، وكان له من بني أيوب ما زاد في زهوه وأكرم به لذلك ونحوه. وكان عليه طريقنا في رواية أكثر كتب الأدب وتلقيها ممن كتب.

وهي على جلالته وعلمه الذي يسم منكره بجهالته ما خلا من غمز غامز، وذكر نقص، وما هو عايز؛ إلا أنه تلي شيطان ساء قرينا، وقال ولم يرقب دينا.

قال ابن خلكان: كان أوحد عصره في فنون الآداب، وعلوّ السماع، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه. أخذ عن الشريف الشجري وابن الخشّاب، وأبي منصور الجواليقي، وصحب عزّ الدين فرّخشاه بن شاهنشاه ابن أيّوب، وهو أبن أخي الملك صلاح الدين.

واختصّ به وسافر معه إلى مصر واقتنى من كتب خزانتها كل نفيس.

قال ابن الجيمي: كنت بالقاهرة، فكتب إليّ الشيخ أبو اليمن من دمشق أبياتا:

أيها الصّاحب المحافظ قد حمّلتنا من وفاء عهدك دينا
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «أيها الصاحب المحافظ قد حم»
نحن بالشام رهن شوق إليكمهل لديكم بمصر شوق إلينا
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «أيها الصاحب المحافظ قد حم»
قد عجزنا عن أن ترونا لديكموعجزتم عن أن نراكم لدينا
حفظ اللّه عهد من حفظ العهد أوفى به كما قد وفينا
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «أيها الصاحب المحافظ قد حم»

قال: فكتبت إليه من أبيات:

أيّها السّاكنون بالشّام من كندة إنّا بعهدكم ما وفينا
لو قضينا حقّ المودّة كنّابحبّنا بعد بعدكم قد قضينا

وكتب إليه ابن الدهان الفرضي:

يا زيد زادك ربّي من مواهبهنعمى يقصّر عن إدراكها الأمل
لا غيّر اللّه حالا قد حباك بهاما دام بين النّحاة الحال والبدل
النّحو أنت أحقّ العالمين بهأليس باسمك فيه تضرب المثل

ومن شعر الكندي وقد طعن في السنّ:

أرى المرء يهوى أن تطول حياتهوفي طولها إرهاقُ ذلّ وإرهاق
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «أرى المرء يهوى أن تطول حياته»
تمنّيت في عصر الشّبيبة أنّنيأعمّر والأعمار لا شكّ أرزاق
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «أرى المرء يهوى أن تطول حياته»
فلمّا أتاني ما تمنّيت ساءنيمن العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «أرى المرء يهوى أن تطول حياته»
يخيّل لي فكري إذا كنت جالساركوعي على الأعناق والسّير إعناق
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «أرى المرء يهوى أن تطول حياته»
ويذكرني منه النسيم وروضةحفائر يعلوها من الترب أطباق
وها أنا في إحدى وتسعين حجّةلها فيّ إرعاد مخوف وإبراق
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «أرى المرء يهوى أن تطول حياته»
يقولون ترياق لمثلك نافعوما لي إلا رحمة اللّه ترياق
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «أرى المرء يهوى أن تطول حياته»

وقوله:

عليك حقوق للمعالي وأنعموأنت بها إن لم يحدّث بها رهن
حملت يدا من جود أفضل ذي يدهي المنّ لا يغتال رونقها المنّ
تو خّاك عزّ الدّين بالفضل بادياوحازك من وسميّ نائله مزن
فريضا إذا شتم الرواة فريضةتمنت له لو أنّها للورى أذن
إذا شامت الهيجاء سيف انتقامهفليس له إلا رقاب العدا جفن
عنت لك سادات الشجاعة والنّدىومن ذا الّذي يرنو إليك ولا يعنو

وقوله:

لولا ثقالة طبع فيّ أعرفهاوحدي وإن أغفلتها خبرة الناس
لزرت لا أجعل الأعياب محمدةولا أزال طفيليّا بإيناسي
لكن علمت نداي أنه خلقوماله غير ترك النّاس من آسي
واعذر فشعري كطبعي لست أنكرهالنّفس نفسي والأنفاس أنفاسي

وله:

فرخشاه عزّ الدين مكتفل العلاوباعث روح الجود والجود دارج
لئن حالت الأقدار دون ازديارهوسدّت بأعذار إليه المباهج
فمن ذكره عندي خيال مسامرومن شوقه بين الجوانح لا عج
وكم عاشق يدنو المزار وقلبهيكابد أثقال النّوى ويعالج

وقوله:

ربّ مليح الدلال غرّداني الهوى صدره سليم
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «روض الهوى مرتع وخيم»
يسلبني عن ضنا فؤاديوهو بأسبابه عليم
رغبت عنه إلى ودادعلى زوال الرّضا يقيم
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «روض الهوى مرتع وخيم»
محتضر بالوفاء باقيرنم رضوا ولا يريم
من ماجد الجود أريحيّنصاب آبائه كريم
معشره في الوغى أسودوفي صميم العلا قروم
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «روض الهوى مرتع وخيم»
وفي الهدى والنّدى ملاذفهم نجوم وهم غيوم
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «روض الهوى مرتع وخيم»

وله:

بدا النّوى لكؤوس الوصل خادجةما راق إلا وللتفريق ترنيق
يا من تكدّر صفو العيش بعدهماليوم أيقنت أنّ الوصل راووق
أستودع اللّه ربعا دون ساكنهلواحد العيش تغريب وتشريق
ولا سقى واصبا أصغو لزخرفهفإنه غمر الأحباب فاروق

وله:

بملكك فخر الدين رثّت ممالكتقضّت بأطراف الرماح العدا عنها
نهاها عن الرّشد المخالف حقبةفكنت له بالسّيف عن غيّه أنهى
بك اليمن الكبرى تضاعف يمنهافما يبلغ الوصل المحيط لها فيها
يمينا لقد حازت بمجدك سؤدداعلى المدن أضعاف الذي حزته منها

وله:

ذريني وخلقي ما أهمّ فإننيرأيت الذي اقنو الذي أنا أبدل
عجبت لمن ينتابه الموت غيلةتروح به أو تغتدي كيف ينحل
وهب أنه ممن محا الموت آمنمسرّته بالعيش لا تتبدل
أليس ترى أنّ الذي خلق الورىبأرزاقهم ما عمّروا يتكفّل

وله:

أرعينا بكت بدمع فعينيعوض الدّمع قد بكت بالسّواد
أعوزتني الدّواة عند كتابيفأقامته لي مقام المداد

وله:

لا مني في اختصار كتبي حبيبفرّقت بينه الليالي وبيني
كيف لي قد أطلت لكنّ عذريفيه أنّ المداد إنسان عيني

وله:

أيها الغمّ هل بذا القلب فرحهمن غضوب ما زلت أطلب صلحه
يتجنّى ظلما ويمزح بالهجر ومن ذا يطيق بالهجر مزحه
كلّ يوم يجني ذنوبا وعذريواقفا يرتجي رضاه وصفحه
طال ليلي مذ غبت عنه فما (مأبصر إلاّ يوم التواصل صبحه
لا مني فيه ناصح غير أنّيلست ذا سلوة فأقبل نصحه
ما ألذّ القبول لو نفحتنيبالهنا من علا فرّخشاه نفحه
منحتني خدمة علياه فكانت لديّ أشرف منحه
أخرستني عن مدحه بلسانيثم أملت من حسن حالي مدحه
لم تر النّفس فرجة من سرورفي بعادي ولا رأى الجسم صحّه
بك أبصرت حسن وجه زمانيحين غيري رأى بغيرك قبحه

وله:

أيا مالكي رقّي وليس بفرصةلنفسي إني بعد ملكي أعتق
لقد غشيتني حيرة في فراقكمتكاد لها نفس التحمّل تزهق
فواللّه ما أدري إذا ما ذكرتكموقد حال بعد بيننا وتفرّق
أأعلن بالشكوى إليكم من النّوىوما فعلت إني إذن متملّق
أأسكت أي أنّي جليد وصابرعلى فقدكم إني إذن متخلّق
سلام عليكم من مشوق لسانهبغير حديث عنكم ليس ينطق

وله:

أيا مالكا يقري صوارم عزمهإذا حلّ خطب بالكرامة نازل
أينكر إن ماجت بلادك مرّةبزلزلة ترتجّ منها المنازل
وأنت الذي هدّ الطّغاة ببأسهففي كلّ قلب من سطاه زلازل
سرت رعدة الأجسام فيما اعترتهمإلى الدّار منهم فاعترتها الأكافل

وله:

على جوجر من شاطئ النيل منزل .............

به ملك تزهى الصوارم والقنابه والوغى تزهى به والكتائب
عظيم فلا ترجى الطوائل عندهولكنّه ترجى لديه الرّغائب
جواد بكى والبحر ينضب خجلةبه وتحرّى أن تصوب السّحائب
ومن عبر أنّ الأحبّة أهلهوإنيّ عنه بالعوائق غائب
فداؤك عزّ الدين كلّ مؤمّللفضل وعنه من جنابك جادب
وهنّئت بالنّجل السّعيد الذي لهتزقّ من اليوم العلا والمراتب
يلوح من المهد المجلّل ذكرهكما لاح نجم في الدجنّة ثاقب
فلازلت للأحرار مولى وموئلاتحاذر إلا في ذراك العواقب

وله:

قدّست من مرتد بالملك مؤتزربالكبرياء ولكن بالورى رؤف
يشكو مطال اللّيالي كلّما وعدتبأن تزيل وصالا من نوى قذف
بالله أحلف أيمانا مغلّظةواللّه يعلم حسن الصّدق في حلفي
لو نلت في بعدك الدنيا بأجمعهاما كان في حرزها بالبعد عنك يفي

وله:

علقت بتسحار اللّواحظ فاتنكأنّ بعينيه بقايا خماره
يكسّر إعراضي بتكسير طرفهإذا ظلّ طرفي حائرا في احوراره
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «حلفت بسجان اللواحظ فاتن»

وله:

لم يسأل اللّه من جلّى مواهبهإلا وكنت له في السؤل أوّله
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «العبد يهدي إلى المولى ويتحفه»
ولم يزر بابك الأعلى ليخدمهإلاّ وقد رفض الأدمى وأهمله

وله:

بالله أحلف أيمانا مغلّظةوبالكتاب الذي يتلى ويعتقد
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بالله أحلف أيمانا مغلظة»
لو أن ألف لسان لي أبثّ بهاشوقي إليك لما استوعبت ما أجد
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بالله أحلف أيمانا مغلظة»
وإن يكن ابطأت يوما مكاتبتيفما على مثل ودّي ذاك ينتقد
أنا الذي ليس يحصى ما أكابدهمن الصّبابة لا وصف ولا عدد
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بالله أحلف أيمانا مغلظة»
الصّحف لا تسع الشّكوى فاذكرهاولا المطايا بأعباء الهوى تجد
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بالله أحلف أيمانا مغلظة»
لم يخل ربعك من رسلي ومن كتبيإلا وذكرك مملوء به الخلد
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بالله أحلف أيمانا مغلظة»
ولست أنكر تقصيري على شغفيلكن على حسن ظنّي، فيك أعتمد
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بالله أحلف أيمانا مغلظة»

وله:

بنفسي من أعلقت ظنّي بحبلهفأصبح لي من ذروة المجد غارب
تعمّد إيناسي إلى أن ألفتهكأني له من ضجعة المجد صاحب
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بنفسي من أغلقت كفي بحبله»
وأدنى سراري من سرائر قلبهفلم يبق من دون الضّميرين حاجب
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بنفسي من أغلقت كفي بحبله»
وكان عصا موسى لديّ ودادهأصلّي ولي ما عشت فيه مآرب
ولا عجب أن غيّر الدّهر صاحباوكل تصاريف الزّمان عجائب
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بنفسي من أغلقت كفي بحبله»
وما كان ذنبي غير أني ذخرتهلدهري إلا أنّي للدهر تائب
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بنفسي من أغلقت كفي بحبله»
ولست على هجرانه الدّهر ناكباعلى الودّ لكني على الوصل ناكب
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بنفسي من أغلقت كفي بحبله»
سأمنحه هجرا كما هو مشتهفإنّي فيما يشتهيه لراغب
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بنفسي من أغلقت كفي بحبله»
وإن هو بعدي جرّب النّاس كلّهمليحظى بمثلي قد رمته التّجارب
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «بنفسي من أغلقت كفي بحبله»

وله أيضا:

قدمت فلم أترك لذي قدم حكماكذلك عادى في العدا والنّدى قدما
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
إذا وطئ الضّرغام أرضا تطانفتخطا وحشها عنه فوسّعها هزما
كما مرّ باز بالفضاء محلّقرأته بغاث الطّير حتفا لها حمّا
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
وإن أك في صدر من العمر شاردافكم نفر عن همّتي لقن الهمّا
سبقت إلى غايات كلّ فضيلةتعزّ على طلاّبها العرب والعجما
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
وملّكني رقّ المناقب أنّنيأحطت بآداب الورى كلّها علما
فما منصب ممن ترقّت به العلاترى فرقه من أخمصي فوقه وصما
أبى لي مجدي أن يراني شاعرايريه منانا أخذ جائزة غنما
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
ولكنّني أهدي الثّناء لأهلهوأكبره عن أن أملّكه قدما
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
فآونة نثرا يحلّ [به] الحياوآونة تنشا العقول بها نظما
قريضا هو السّحر الحلال بيانهتروق معانيه ولو ضمن الشّتما
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
تعظّم إلا عن عظيم محلّهيعظّم ما فيه من الحكمة العظمى
هو الفضل في الإنسان أمّا أعزّهفنقص إذا ما سامه الذلّ والهضما
ولولا على الملك الّذي عزّ مثلهعلى الدهر فرّخشاه ذي الشرف الأسمى
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
لأظمأني ثغر المراد ولم أردبه موردا عذبا ولا مشربا جمّا
وجدت به من كنت لولا لقاؤهيئست لعيني أن ترى مثله قرما
مليكا رأيت المجد والفهم عندهولم أر خلقا جمّع المجد والفهما
متى عزّ أفراد المعالي فإنهّلأوّل من يسمى وآخر من يسمى
إذا قوله والفعل في ملّة جرىيبدّيه في الآراء مقتضبا حكما
رأيت العقول الباهرات بهيرةفأفضلها ما كان بالحكم مؤتما
أرى فيه مولى كلّ مولى رأيتهمناقب إلا عن نقيبته تحمى
يحاول كتمان العطاء بجهدهويأبى شروق الشّمس أن يألف الكتما
تصوب على ظنّ العفاة يمينهكما أرعفت في الحرب أرماحه الصمّا
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
تناهى وغالى في الشّجاعة والنّدىفأقنى الورى حربا وأعناقهم سلما
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
حوى من أبيه فخره بعد جدّهومن عمّه الفخر الذي شاع بل عمّا
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
وبالله ما احتاجت مفاخر نفسهإلى نسب يبدي أبا، لا ولا عمّا
رويدك عزّ الدين لم تبق همّةترقّى إلى حيث التقينا ولا وهما
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
ملكت على الأملاك في كلّ ساعةغدا عجزهم عنها عليهم بها وسما
وحزت العلا حتى كأنك أقسمتسجاياك لا خلّيت منها لهم قسما
وأوتيت حكم الشّيب في رنق الصّباكما فقتهم رأيا ولم تبلغ الحلما
أقلني من بعد المعاني ولفظهاوخذ بيدي إن زلّ فكري أو غمّا
فقرّك لا بل ندّ خاطرك الذيتدقّ معانيه إذا ما رمى أصمى
وأنت الذي لو سمت كلّ مهذّبيخافك في فهم لسمّيتهم ظلما
ولست بمدحي تستزيد قمامةولكن لي من مدحك الشرف الفخما
بقيت على الأيام في ظل نعمةبها البؤس للطاغي وللطائع النّعما
للشاعر أبو اليمن الكندي، من قصيدة «قدمت فلم أترك لذي قدم حكما»
مراضيك تستدعى وراجيك يرتجىوعونك يستعدى وغيّك يستهما

وله:

ومذ قيل لي تشكو سقام جفونهتغيّض بي وجدي وجفّ غرامي
فقير غريب في المناصل حمرةوغير عجيب في الجفون سقام

وكتب إليه ركن الدين الوهراني:

وصلت رقعة مولاي تاج الدين أطال الله بقاه بلفظ أحسن من نور يفتحه الصّبا، وخط كبيض العطايا في سواد المطالب. يشهد من رآه وسمعه أنه رجل عليّ الهمّة، ريّان من الحكمة والأدب. ولولا تفاضحه في أول لفظه فيه، وهي قوله: ما نقبا، فإنّها وإن كانت فضيحة عربية نطق بها الكتاب العزيز فإنها تقبله الحركة قليلة الاستعمال، لم يأت بعدها ما يناسبها من اللغة، كأنّها من حديث سكان نجد وتهامة، عليها روائح الشيح والقيصوم.

فلو أنّ الشنفرى يخاطب عمر بن برّاق بها فما فهمها إلا بعد جهد جهيد. إنّها لا ينطق بها اللسان حتى ينخلع منك الفك مع ما فيها من الندّ يصرم، والرفاعة المعجونة بالتبصرم ولأجل ذلك جاوبتها الألسن بأنواع من الضراط.

فصل منها:

وأما كلامه على بيت المتنبي فللّه درّه لقد جاءه ثابت الأصول سالم الفصول في نهاية ما يكون من الحسن والإتقان، وفرح الخادم به فرحا عظيما، كالخصيّ المفتخر بإحليل مولاه، وعرضه على طالبيه من أهل الأدب، فانتقده عليه أفضلهم وزيّف أكثر كلامه. وقال: المتنبي في واد وهذا المتكلم في واد. لعمري لقد حكم بالشهوة ومال مع الهوى:

كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسدا وبغيا إنه لدميم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

حتى سجد له عجبا، وقام به وجدا. ورقص عليه طربا. والفضل ما شهدت به الاعداء.

فالحمد للّه الذي حقّق فيه الأمل، ونصر به الخاطر، ولم يخيّب فيه الظنّ والسلام.

فصل منها:

أليس يعلم بسعادته أن الإنسان إذا تعصب لا يحسن العالم جعله أوحد الزمان، ونصر بخاطره بالحق الباطل. ولا يشتهي أن يظهر من ذلك الشخص إلا الحسن الجميل؛ فلأجل هذا عيب عليه الخادم في قوله: تحرّك الحار العزيزي وشاه ظهور ذلك ما كان يحتاج إلى تأكيد. وأظنّه، ودام الله عزّه، خاف أن يقول: الحرارة العزيزية، فيشبه كلامه كلام العامة والسّوقة، وكوادن الأطبّة، وجهّال الطبيعيين، فتخطّى هذه الطبقة إلى رتبة الفارابي وابن سينا، فحمل على أفلاطون عشرة آلاف حمار. يا مولاي تاج الدين لا تجرد على المدين الأنجس.

فصل: وأما تعريضه لخادمه بالقيادة وعتبه له على زواج النساء العواهر، فسيدنا معدود في ذلك؛ لأنه لم يذق حلاوة هذه الصناعة ولا تطعّم بنعيمها. ولو أنّه، أدام الله عزّه، خرج من بيته يوما، ولم ينزل لبيته إلا ثمن الخز والخبز، ورجع بعد ساعة وجد فيها المكائب الرفخة والسنبوسك المورّد والفراخ المصوص، والدجاج المسمّن والقناني المزوّقة والفاكهة النبيلة، والرياحين الطريّة، فيربع في الصدور، وجلس على بطون الفرش. وظهور المخادّ وهشم الثرائد، وفقء عيون البيض، وقطع قلوب الخسّ وأخذ الملآن وردّ الفارغ. واقترح الأصوات، واستعاد الغناء. ولم يخرج في هذا كلّه إلا التغافل وحسن الحظ، وقلّة الفضول لعشق هذه الحالة.

ودخل فيها بجملته، وسأل الله تعالى أن يحييه قوادا ويميته قوّادا ويحشره في زمرة القوادين. ويظن الخادم فيما يتلوه عليه من الأساطير كجالب التمر إلى هجر. وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

وابن اللّبون إذا ما كنّ في قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس

ومهما فضّل من جهل النساء العواهر الحسان فلا يجهل أن أكل الحلاوة مع الناس خير من أكل الجزاء مفردا.

فصل: وأمّا اتّهامه للخادم بأنه استقرض منه البقيار للبيع أنّه استعرض به للطلب، فقد حلف على نفي التهمة، وهو لا يصدقه، فما بقي إلا الكلاب على عيال من رآه أهلا لذلك قط. ويحمل الحمير على أم الذي يعطيه إيّاه أبدا. ولا شك أن الخوف على البقيار غلب عليه، حتى لو كتب إليه الخادم لا إله إلا الله. قال: هذا تعريض بالبقيار، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ (¬﴾، إذا رأى غير شيء ظّنه رجلا، فكيف يجوز للوهراني أن يطلب بقيارا جديدا من رجل بغدادي الحسب، تاجر المكتسب أشعري المذهب. كندي الأصل. وهذه الخلال لا تجتمع في كريم قط. ألا ترى أن أول من اجتمعت فيه ملك كندة امرؤ القيس بن حجر، وهو القائل يوم دارة جلجل، وقد نحر ناقة تساوي ثلاثة دنانير لنساء فيهن محبوبته:

ويوم نحرت للعذارى مطيّتيفواعجبا من رحلها المتحمّل
فظلّ العذارى يرتمين بلحمهاوشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فلو كانت محبوبته عاقلة شحّمت وجوه العذارى بشحمها، وأدخلت ما بقي منها في استها. وهذا أبو الأسود الدؤلي شاعر مفلق، وهو أول من تكلّم في النحو. خرج ليلة من داره فسمع حمارا له يعتلف، فقال: إني لنائم في فراشي وأنت تسرّي في مالي؟ والله لا بقيت لي في ملك. وأصبح به إلى السوق فباعه بأبخس الأثمان. وهذا أبو الطيب المتنبي،

شاعر كندي، لمّا أفرغت بين يديه الجائزه المشهورة، وأمر بردّها إلى كيسها، فعلقت قطعة منها في خلال الحصير، فجعل يعالجها ويقول:

تبدّت لنا كالشّمس تحت غمامةبدا حاجب منها وطنّت بحاجب
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إذا الحاجب المذموم عن حلب مضى»

ولمّا ظفر بها، وخاف العتب من الحاضرين، قال: لا تحقروها فإنّها تحضير المائدة. فكان عذره أنجس من ذنبه. ولو بيع هذا لطال، ودع عنك هذا كله لو كان الخادم ممّن يهون عليه التبذل لكدي بني شادي الذين هم فتيان الجود وبرامكة الزمان، لا سيّما المولى عزّ الدين أدام الله نعمته، الذي يمينه أندى من الغمام، وعزيمته أمضى من الحسام، ووجهه أبهى من البدر ليلة التمام. وهو على الحقيقة نهر للجود من ماء السماء ابن بحر السماح.

ورث المكارم من أبيه وجدّهكالرّمح أنبوب على أنبوب

وأي رجل أخسّ وأعتى من رجل يكدي الكندي الذي لقبه أبى أن يأخذ ويترك المولى عزّ الدين الذي لقبه أبو المواهب. وما هو في ذلك إلا كرجل ورد على هذا النيل فتركه ناحية، وحفر إلى جانبه في أرض صلبة سبخة كبريتية، لعلّه أن يخرج له ماء ملحا زعاقا، ويترك الماء العذب الزلال بغير كلفة ولا عناء. وأنشد:

وإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفّي زندا شحاحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

كأني أدام الله عزّه إذا قرأ هذا البيت قال: أحسنت. وهذا ممّا كنّا فيه، لمّا يئس من العبد رجع إلى المولى. واللّه لا تمّ لي معي مضرب أبدا يئيس الأمن، كما ظنّ. والوهراني ما هو مجنونا يطمع فيّ فيمن يسمع قولك. ويرجع إلى رأيك، وأنت الغالب على أمر، امرأة الواهراني طالق ثلاثا البتة، لا آخذ منه درهما أبدا. وأشهد أنّ ماله عليه حرام، كالدم والميتة ولحم الخنزير.

وأمّا تعريضه له بالصفع، فليته فعل حتى يستوفي ماله عليه، ويترادّ منه في الدنيا والآخرة. وهو أهون عليه من أن يستوفي ذلك منه في حظيرة الجحيم بأنامل من نار. ورأيه العالي في التقاضي والسلام.

ومولد الكندي بكرة نهار الأربعاء، لخمس بقين من شعبان سنة عشرين وخمسمئة وتوفي يوم الاثنين لخمس خلون من شوال سنة ثلاث عشرة وستمئة.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.