تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ابن الشحنة الموصلي

وهو أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر. جدّ في اعتنائه، ووجد في اجتنائه.

ماثل الصباح باجتلائه، وقابل القمر الليّاح في اعتلائه. كتب لأخيه، وكبّ إلحاء إلى أضيق نواحيه. فسعدت به أصدقاؤه، وصعدت إذ علا به ارتقاؤه. وجهد في مقتبل عمره، وتلف شبابه في خضره وقطع الليل مواصلا للسهر، وواصلا عاتق العشاء بذيل السحر؛ حتى دعا بالإمامة وعرف بالعلامة، وانتصب للإقراء؛ وإنما نصّب للتمييز لا للإغراء. فلم يحجب عن علياء، ولا مشى على استحياء؛ لفضله البارع وإفضاله المسارع.

ذكره ابن المستوفي، وقال: عالم بالنحو واللغة، أخذ ذلك عن رجال بغداد العلماء، مثل ابن الأنباري وأبي الحسن القصّار، وغيرهما.

وسمع كثيرا من كتبهما، وسمع عليه كتاب إصلاح المنطق. وكان ختم القرآن، وقرأ بمستعمل القراءات وشواذّها. وكان بينه وبين أبي الحرم شحناء عظيمة. كان أبدا يفتري

عليه ويأخذ من عرضه، وشيخنا لا يجيبه عن ذلك؛ لورعه ودينه.

وكان خبيث اللسان سيّئ العقيدة، مقيما على شرب الخمر. يتمثل إذا أخذ منه السكر:

اليوم خمر وغدا أمر. هجّاء لكل من صحبه. لم يحسن أحد إليه إلا وقابله بالإساءة. كثير الاستهزاء بالأمور الدينية، كثير الخلطة لأوباش الناس والشرب معهم. رحل في صحبة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد السلام إلى السلطان أبي المظفر يوسف بن أيوب، فمدحه فأحسن صلته. ولمّا وصل إلى الموصل تنكّر له صاحبها أبو الفتح مسعود بن مودود. فلمّا ولي ولده أبو الحرث أرسلان بن مسعود أحسن إليه، وولاه بعض أعماله. وكان يحضر مجلس شرابه، فنقل إليه أنه هجاه فلم يصدّق ذلك لعدم الموجب له. فاتفق أن أمر بإحضاره وسأله عن ذلك، فأنكر، فأمر بضربه بالدّرة، فلما ضرب سقطت ورقة من عمامته، فيها الهجو الذي نقل عنه، فشهره في الموصل بأسرها، وحلق لحيته وحبسه، فأقام مدّة طويلة. وولد له بالحبس ولد وتوفي، كما ذكر المواصلة محبوسا.

قال ابن المستوفي: وحدثني أبو المهنّد سيف بن محمد الزيلعي قال: نزل بي إنسان بدوي، كان حبسه أتابك، أبو الحرث لمّا أسره مع من أسر من العرب في وقعة كانت له عليهم. قال: رأيت في محبس الموصل رجلا فاضلا شاعرا، فسألته عن سبب حبسه، فذكر أنه حبس لهجو بلغ عنه الأتابك. قال: ووالله ما هجوته؛ وإنما قلت قصيدة منها:

أعيذ مجدك من قدم أقول لهإني زهير ولكن ليس لي هرم

فحبسني كما ترى.

ومن شعره قوله:

طربا أقول إذا الحمام ترنّماعيش لنا بالأنفقين تصرّما
قصرت مسافته فكان كزائروافاك في سنة الرّقاد مسلّما
أشكوتنا عدة تعيّن كلّمانهنهت فيض دموعها فاضت دما
فاعص اللوائم في هواك فإنّمارشد المتيم أن يعاصي اللوّما
واشرب على زهر الربيع مدامةكالشمس تبدي المرح فيه أنجما
أو ما ترى نوّاره وكأنهنشوان أصبح باكيا متبسّما
رقد النسيم بجانبيه فنبّهتأنفاسه منه عيونا نوّما
وسرى ينمنم وشيه فحسبتهوافى بأخبار الأحبّة نعما
صقلت حواشي روضه فكأنّهمن حسنه قد همّ أن يتكلّما
وكأنما ورق الحمام فواقدفي الدوح يبكي النائح المترنّما
تشدو فتخبر مغرما عن مغرمفيها ويفصح معرب عن أعجما
بدع كبدع في السما حديثهكالغيث أنجد في البلاد وأتهما
أضحت أغضّ من الصبا وألذّ منشكوى المحبّ إلى حبيب أنعما
ملك له المجد القديم وكلّماقدمت مباني المجد أصبح محكما
متواضع وأقلّ ما يعتدّهفيه التواضع أن يكون معظّما
إن ضاق دهر كان مسرح همّهرحبا وإن عيش الزمان تبسّما
فإذا ارتقى من قلّة من سؤددهتفت به أخرى لكي يتقدّما
راض الخطوب الجامحات فاصبحتوأعاد منأدّ الزمان مقوّما
وتآلفت فيه القلوب فما ترىمنهن إلا منبيا ومعظّما
تتلو الصوارم والقنا غبّ القنافي كفّه مفلولة ومحطّما
في كل أرض قد أقام لنصرهعرسا ومن زاد الأعادي مأتما
تلك النواحي من نصيبين غدتغيرى وأم النشر ثكل أيّما
فالجوّ أكلف والجناب لحربهمجل وضوء نهارها قد أظلما
جور الصوارم في البرية عادلفإذا سفكن دما حقنّ به دما
لا يدرك الآمال من يقتادهوسن التعلّل نحو ليت وعلّما
هذا النبي وكان أفضل مرسلزجرت قريش منه طيرا أشأما
حجدت نبوته فقام مجاهداوأعاد مشركها حنيفا مسلما
قطعوا له الرحم القرينة بينهمعددا وقاطع مثلها أن يرحما
وافى ابن عمك حاسرا من كنزةرأسا فراح من الهوان معمّما
لا قى شكائم شدّة من فارسرجعت به مضمى وكان مضمّما
لا قى الأماني عذبة حتى إذاما ذاقها عادت أجاجا علقما
نجّاه ما نجىّ أباه وقد رأىطير المنايا من عباده حوّما
متدفّق لولا تمطّره بهلرأيته بسنا الأسنّة ملخما
لمّا رأى علميك ولّى معلنابالويل منه وبالمذلة معلما
سدما تذم له قوائم سابحلو أنها غدرت به لتذمّما
لا يغرينّ به الملام فإنمايلقى المتيّم أن يكون متيّما

ومنها يطلب فرسا:

جد لي بأجرد إن تعرّض خلتهسيدا تمطّر في الدّجى فتقحّما
ينمي إلى آل الوجيه ولا حقمتلاحق الأقراب ليس بأهضما
مثل الظليم إذا تهادى مدبراوالظبي إن لاقيته متقدّما
متناصب الأذنين تحسب أنهبهما يحاول أن يرى أو يعلما
هرج الصهيل كأنّما ترجيعهترجيع نشوان غدا مترنّما

ومن آخرها:

قيّدت بالإحسان نطقي أن يرىفي غير حمدك معرقا أو مشئما
وحميتني غدر اللئام فإن أعدمرتادهم فغدوت منهم ألأما
فلقد نصبت من الثناء حبالهفاصطدت حبّك لي جوادا منعما
وعلمت أن الشكر عندك غرسهيضحي لمن أولاه غرسا مطعما
كن معدما ومن المعالي مقربامن جدّ في العلياء أصبح معدما
واسمع أقامت في جنابك دولةيخشى لها البؤسا ونرجو الأنعما
مدحا كنور بات يصقله الندىليلا وباكره النسيم مهينما
غرّا كريم الأيد غير مصونهاإلا إذا ألفت أغرّ مكرّما
ما صافحت فكر الفصيح ونطقهإلا أعادته عييّا مقحما
لو شام رونقها الوليد جفالهاأمحلّتي سلمى بكاظمة اسلما
واسلم ليسلم كلّ مجد إنّهلن تسلم العلياء حتى تسلما
شرّفت أبكار القوافي مثلماشرّفت دهرا كنت فيه القيّما

قال ابن المستوفي: نقلت من أوّل مجموع بخطّه ما صورته: لمّا أنفذ الله ﷾ في سهام قضائه، وامتحنني في الدنيا ببلائه، ونظمني في سلك من غبر من أوليائه، ومن اجتباه من أنبيائه وأصفيائه الذين أنطق بمدحهم كتابه وأجزل لهم ثوابه. فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ اَلْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَاَلصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (¬﴾، مدّت إليّ الأيّام باعها، وقرتني الأجداف ذراعها، وأدارت على كأس مدامها، وغرّتني بابتسامها؛ فلم أفق من نشوتها ولا فقأت خمّار خمرتها ألا وقد بدّلت بكل قريب بعيدا، وبكل وصل صدودا. وأصبح السجن لي منزلا أهلا، والأشجان لي مناهلا؛ حتى رمقتني من الله عين رحمته، وكنفتني ظلال رأفته، فأتاح لي جليسا، جعل الله بوحشة السجن به آنسة الربع والمربع، ومقر متارعه عذبة المكرع.

يقصر الخاطر عن تعداد معاليه، ويقصر النطق عن إظهار معانيه. وما محاسن شيء كلّه حسن؟

فاقترح عليّ أن أجمع تذكرة ممّا يمليه الخاطر عليّ، ونسخ به إليّ، تكون له، إن منّ الله تعالى علينا وعليه بفكاك الأسر؛ لمذاكرة أيّام البؤس، والزمن العبوس؛ ليواصل حمد الله سبحانه على ما انجاب من غمامها، وانجلى من ركامها. فأجبته إلى ذلك بصدر غير منشرح، وقلب غير فرح، والثغر يفتر، والأحشاء تحترق، والله المستعان وإليه الشكوى من كلّ بلوى.

وهو حسبي ونعم الوكيل. فانجدر ما يبتدي به ما يغنينا من وصف حالنا، وهو ما يقال في السجن قد قيل: إنّ السجن محكّ العقول وتجربة المأمول. به يمتحن الصبر من الأحرار، ويكشف العقل والوقار. وألطف ما قيل فيه قول بعضهم، وهو معلقة:

السّجن أصبح مثل النار مضرمهوالحرّ فيه إذا فكّرت كالذهب
يصلى بنار هموم في جوانحهتنفي المآثم من حسد ومن لغب

وبشعره أبيات ابن الجهم بين الناس لم يذكرها، وهي قوله:

قالوا حبست فقلت ليس بضائريحبسي وأيّ مهنّد لا يغمد

ولمعلقه:

لا عار في السجن للأحرار إن سجنوالغير جرم ولكن سجنهم شرف
فإنّ آل رسول الله كان لهممنه نصيب ولم يجنوا ولا اقترفوا
كالسيف والدرّة الزهراء سجنهماخوفا وضنّا بها الأغماد والصدف

قال: وكتب: بعض الأوقات منضجعا في علوّ، كنت آوي أيّام سجني بقلعة الموصل، وإذا بحمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، فعرض لي طرب حزن، وجدت منه راحة بالبكاء.

فقلت: لله درّ غيلان كأنه أوحى إليه قوله:

فإنّ انحدار الدمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفي نجيّ البلابل

فعملت أبياتا، وهي:

وحمائم غنيّن في رأد الضحىطربا فقلت مقالة المحزون
غنّين فالوجد الذي تبدينهوجدي المكتّم والشجون شجوني
ما جامدات الدمع كالجاري ولاحال الطليق كحالة المسجون

ثم كتبتها على حائط ذلك الموضع.

قال: ورأيت كثيرا من المتقدّمين يحكون عن دعبل الخزاعي أنه كان يقول: أين من قولي أنا:

لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أين الشباب وأية سلكا»

وليس هو بأجود من غيره على أنه أخذه من قول الحسين بن مطير الأسدي:

تضحك الأرض من بكاء السّماء

ولي في هذه المعنى:

أما ترى الروض قد حيّاك مبتسمالمّا استهلّت عليه أعين السّحب
وغنّت الورق في أعلى الغصون ضحىحتى تمايلن أعطافا من الطرب

ولي في الورد:

روض أنيق يروض العين منظرهأتاك في خير وقت غير منعوت
كأنما الطلّ في أوراقه سحرالآلئ نثرت في صحن ياقوت

ولي في الشقائق:

هذا الشقائق قد أبدت محاسنهإلى العيون عيونا كلّها دعج
كأنّه فوق ساق من زمرّدةمداهن من عقيق حشوها سبج

ولي في الثلج:

أما ترى اليوم قد غدا ثملامن مستهل الغمام مخمورا
والجوّ في حلّة ممسّكةينثر فوق الرياض كافورا

ومن قصيدة:

رقّ النسيم وراق الماء والراحوافترّ من حلل النوّار إصباح
هذا الربيع ينادينا علانيةهبّوا فقد هبّ للأرواح أرواح
أما ترى الروض مهتز الغصون كمايهتز من ذكر الأحباب مرتاح
فللغمائم في إقطاره زجلوللحمائم في أعلاه إفصاح
فاتبع ضلال الهوى فالرشد مرتبعلا ظلّ فيه ولا روح ولا راح
واشرب مشعشعة كالشمس مشرقهاعلى الندامى أباريق وأقداح
من كفّ معتدل لا عدل فيه ولالطالب النّجح من أحيته إنجاح
لي من عذار به ريح ومن فمهخمر ومن خدّه ورد وتفاح
هذا النعيم فعاد اليوم فيه فتىله على القصف إصرار وإلحاح
واعمد إلى من بجاتيل فإن بهمحاسنا لسرور النفس مفتاح
كم فيه من أشعث باد سجومتهتهفو لرتبته تلك الأكيراح

ولي في هذا الدير، والله يتجاوز عمّا عثر به اللسان، وأسأله الصفح:

يا من بجاتيل وإن بعد المدىسقّيت صوب سحائب وبوارق
يا حبّذا نوّار روضك إذ غدايفترّ من دمع الغمام الدافق
معنى خلعت به العذار تصابيافي غنج أحداق وزهر حدائق
أيام أجري في ميادين الصّبامتخايلا جري الجموح السابق
أجتاب ثوب ظلالها فكأننيما بينها طيف الخيال الطارق
ألهو بنشوان القوام بوجههشغل الخلي ونزهة للوامق
ما زلت أسقيه ويسقيني إلىأن شيّب الظلماء وخط السّارق
كأسا إذا الساقي اجتلاها في الدّجىجعلت على خدّيه ثوب شقائق
طورا أنا شده النسيب وتارةيشدو فيطربني بلحن مخارق
حتى رأيت السّكر يخفض صوتهوبدا النّعاس يحل عقد عقائق
فلثمته عند الكرى فإذا بهسلس القياد مطيّة للفاسق
فجرت هنالك في مطاوي سرّهامرضاة إبليس وسخط الخالق

قال ابن المستوفي: ونقلت من مجموعه المذكور بخطّه ولمعلّقه:

يا من يدكّ على كريم في الورىحتى أملّكه كرائم مالي
هذا الزمان إذا تيمّم آملأحدا يعود مخيّب الآمال

ومنه قال معلقه: كان لي في عنفوان الشبيبة وزمن اللهو صديق كنت آنس به ويأنس بي، ويطلعني على الخاص من سرّه. وكان من أولاد الكتّاب، فهوي صبيا من أولاد الجند.

فكنت إذا ذكرته عنده يضرب عن ذكره صفحا، ويقول متمثلا:

ودع عنك نهبا صيح في حجراتهولكن حديثا ما حديث الرواحل

وان قلت له ها هو قد أقبل انظر إليه، يلوي وجهه عني. ومع هذا كله فكان به كلفا، وكنت أعلم ذلك منه. فقلت له يوما وقد خرجنا إلى بعض الرياض للخلوة: ما أبرد حبّك لمن لا يعلم به، ولا تعمل الحيلة في الوصول إليه، والجلوس معه؛ حتى إنك تضرب عن ذكره، وتكفّ نظرك عنه إذا قيل لك: قد أقبل.

فقال لي: يا هذا، إنّ غرامي به لأحرّ من لظى على ساكنها، ولكن أخاف الفضيحة. وإن يفطن به الناس، أو أني أنظر إليه فيستحي مني. فإن نظر إليّ قتلني لا محالة. فأريد أن

تعمل في هذا المعنى شيئا. ثم قال: أزيدك شيئا إنني لأضرب عن الفكر؛ لتوهمي ربّما خطر ذلك بباله فيخجل منه.

فقلت له: يا سيدي، وإلى هذه الغاية؟ فقال: نعم. فعملت هذه الأبيات:

إني لأنساه خوفا أن يلمّ بهفكري فيخرج منّي الفكر خدّيه
وأمنع الطرف يوما أن يلاحظهفإنّ سهم المنايا بين عينيه
هذا اعتذاري لخدّيه ومقلتهفما يكون اعتذاري من عذاريه

قال معلّقه: كتبت إلى بعض إخواني في يوم دجن، وكان قد وقع فيه الميلاد، واتّفق أنه يوم سبت، ولم أقدر على الخروج من منزلي من كثرة الوحول والمطر، وشدّة القرّ. حبانا الله بلقيائك، وأحيانا ببقائك يوم طلعت سعوده وغاب حسوده، وتبرقعت بدجنّه شمسه، وانهزم من طلائع إقباله نحسه، ورقّت حواشيه، أمنّا رقى واشيه. لم يقترح مثله على الدهر مقترح، ولا ظفر بشكله مغتبق، ولا مصطبح.

سبت ودجن وكانون وميلادوماجن لرياض اللهو مرتاد
وقهوة من محيّا من كلفت بهأو كاعتقاد خليع فيه إلحاد
رقّت وراقت فخلنا أنها شفقملألئ في نواحي الكأس وقّاد
تذكو فيطفئها بالمزج آونةعنّا ويجمح أحيانا وتنقاد
يسقيكها ذو دلال في لواحظهبرء وسقم وموعود وإبعاد
ومجلس ظل محفوفا بأربعةتآلفت وهي في الأوصاف أضداد
فالبرق مبتسم والغيث منسجموالورق نائحة والغصن ميّاد
فوافيا دار تشويق يحط بهموسوس همّه نسك وإرشاد
فليس يحظى بصفو العيش غير فتىيفنى بطالبه غيّ وإفساد
ولا يصاحبك من هذا الورى أحدإلا خليع وخمّار وقوّاد
عصابة رغبت فيما تعجّل منهذي الحياة وفيما قيل زهّاد

وقال معلّقه:

سلوتك إن حدثّت نفسي بسلوةلحبّك مذ حدّثت أني هائم
وأصغيت نحو اللؤم إن كان مسمعيتغلغل فيه ما تقول اللوائم
أتيتك وجدا إن تلجلج منطقيبه أفصحت عنه الدموع السواجم
فإن هيج ذا الشوق الحمائم في الضحىفمنّي استعارت شجوهنّ الحمائم

وفي آخره عند خاتمته هذه نفسه مصدور، وضجره مأسور، علقتها ولم أعد فيها نظري، ولا عددتها من مهام وطري؛ لأنني مثمود القريحة، دامي الجريحة، مأسور الخاطر والبدن، مشغول بصروف الزمن، وعلى الله، وهو المستعان.

وقد أورد ابن المستوفي من شعره قوله يمدح السلطان صلاح الدين ﵀:

سلام مشوق قد براه التشوّقعلى الحي من وادي الغضا إذ تفرّقوا
أأحبابنا كيف التداني وركبكمغدا مشئما حقا وركني معرق

فلمّا بلغ من مديحها قوله:

وقالت لي الآمال إن كنت لا حقابأبناء أيّوب فأنت الموفّق

قال له السلطان ﵀: لقد وفّقت، وأجازه جائزة سنيّة. فكان هذا ممّا نقمه عليه أتابك، وأثّر في حاله عنده.

وقال ابن المستوفي: أنشدني ابن بكاجك، قال: أنشدني ابن الشحنة لنفسه، وأتمّها على أبيات الصوري التي أوّلها:

يا جار إنّ الركب قد جاروافاذهب تحسّس لمن النار
تبدو وتخبو إن بدت عرّسواوإن أضاءت لهم ساروا
كأنها برق بذات الغضاتبدو ودون البرق أستار
عمرك إن آنست من أهلهافالمم بنا نحوك يا جار
لعلّها النار التي أضرمتفي كبدي من أجلها النار
يطربني الشوق إليها جوىبطرب نحو النّوى ظار
ويطّبيني لادّكار الحمىشيئان أوطان وأوطار

قال: وأنشدني بعض المواصلة لابن الشحنة:

صلى الإله على أمية إنهبصلاتهم تتمحّض الآثام
قوم هم القوم الألى أيامهمعن ثغرها تتبسّم الأيام
لا مثل أقوام غدوا من هاشمما سلّ فيهم للفخار حسام
أما النهار فسامدون ودأبهمتحت الدياجي الفسق والأزلام
الفضل نزر والمثالب جمةوالذمّ حلّ والثناء حرام
إن كان قائمهم يضاهيهم فلانشرت له بين الورى أعلام

قال ابن المستوفي: وزاد فيها من أنشدني:

لا تفخروا بموالد فببعض ماتاقوا به تتقطع الأرحام

قال ابن المستوفي: أخبرت أنه توفي بالحبس في قلعة الجديدة سنة ست وستّ مئة.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.