من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
القاضي الفاضل: السريع
الصفحة ٢ من ٢
وقوله من رسالة يصف آمد:
وآمد ذكرها من العالم متعالم، وطالما صادم جانبها من تقادم، فرجع عنها مقروعا أنفه وإن كان فحلا، وفرّ عنها فريدا بهمه وإن استصحب خيلا ورجلا؛ ورأى حجرها فقدّر أنه لا يفك له حجر، وسوادها فظن أنه لا يفسخه فجر، وحميّة أنف أنفتها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر من ملوك كلهم قد طوى صدره على الغليل إلى موردها، ووقف وقفة المحب السائل فلم يفز بما أملّ من سؤال معهدها.
وله من أخرى يصفها:
وهي العقيلة التي صدر الصّدر الأول محلأ عن ورودها، والخريدة التي حصل منها على راحة يأسه وتعب طردها؛ والمحجّبة التي كشفت ستورها، ودار لعصمتها كسوار معصمها سورها، وغلت على أنها السوداء على خطابها لأن المهج مهورها؛ ولربما نأى بجانبها الإعراض، ونبا جوهرها عن الأعراض، وطاشت دون أوصافها سهام الأغراض؛ ودرجت الملوك على حسرتها، فلم تحسر لها لثاما، ولا استطاعت لثغرها ثلما ولا له التثاما.
وله من أخرى يصف قلعة نجم، وهي من عيون الرسائل، منها:
هي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة
إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة، عاقدة حبوة صالحها الدهر أن لا يحلها بفزعة، نادبة عصمة صافحها الزمن على أن لا يروعها بخلعة، فاكتنفت به عقارب منجنيقات لم تطبع بطبع حمص في العقارب، وضربتها بحجارة أظهرت فيها العداوة المعلومة في الأقارب، فلم يكن غير ثلاثة إلاّ وقد أثرت فيها الحجارة جدريّا بضربها، ولم تصل إلى السابعة إلاّ والنّجران مؤذن بنقبها، فاتسع الخرق على الراقع، وسقط سعده عن الطالع، إلى مولد من هو إليها طالع، وفتحت الأبراج ﴿فَكانَتْ أَبْواباً، وَسُيِّرَتِ اَلْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾.
ومنه قوله:
ومن اعتقل خصما فقد ملك قياده، وأمن شراده، وصار تحت ختمه، وحبس جسمه في حصنه، وقلبه في جسمه؛ وإذا كان الله قد أعطانا البلاد وهي آلة المقيم وأعطاهم المراكب، هي آلة الظّاعن الهارب، فقد علمنا لمن عقبى الدار؛ وقد نقلهم الله نقل قوم نوح من الماء إلى النّار، وقد وريت بمولانا للإسلام زناد، وذاك الزّناد هو السيف القاضب، [و] المستطير من شرره هو دفع الدّم السّاكب.
ومنه قوله:
وعرف المملوك ما يكا بده مولانا، وكلّ يعين الله، وما تغلو الجنّة بثمن؛ ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ﴾ الغمرات ثم ينجلينه؛ فإنّك نصل والشّدائد للنّصل، وكلّما اشتدّ
الخناق قوي اليقين؛ إنّ الله يريد يعظم موضع الفرح:
والحادثات وإن أصابك بؤسهافهو الذي أدراك كيف نعيمها
لا زعزعتك الخطوب يا جبل؛ كل ما يمرّ بمولانا من المغائظ ومن تثاقل الأولياء يتحمله ويحمله الله، ويعلم أن الطباع البشرية يستولي عليها الضجر، ويعلم أن الذي يطلبه من الناس أعظم من الذي يدفعه إليهم؛ فإنه يعطيهم الأموال ويطلب منهم الأرواح، ولا بدّ من تلطّف الترفيه فيمن يستنزل عن نفسه، وأين من يجود بها؟ ألا قليل ما هم:
وقد كانوا إذا عدّوا قليلافقد صاروا أقلّ من القليل
ومنه قوله:
فسبحان من جعل آراءه في الظّلمات مصابيح، وفي المشكلات مفاتيح، ويده إذا امتطت الأقلام بارت الغمام، وإذا اتّشحت بالأعنّة بارت الريح؛ وباب مولانا ميدان العلى، ومجلسه معرض الحلى، وترابه غرر وجوه السادة الألى.
ومن أخرى في فتح بيت المقدس، شرفه الله تعالى، ومنها:
وأتينا المدينة من جانب، فإذا هو أودية عميقة، ولجج وعر غميقة، وسور قد انعطف عطفة السّوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقر الدار، وقدّم المنجنيقات التي تتولّى عقاب الحصون، عصيّها وحبالها، وأوتر لهم قسيّها التي تضرب ولا تفارقها سهامها ولا نصالها، فصافحت السّور، فإذا سهامها في ثنايا
شرفاتها سواك، وقد قدم النّصر نسرا من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض، ويعلو علوّه إلى السّماك، فشجّ مرابع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها، ورفع مثار عجاجها، وأسفر النّقّاب عن الخراب النّقاب، وأعاد الحجر إلى خلقته الأولى من التّراب، ومضغ سرد حجارته بأنياب معوله، وأظهر في صناعته الكثيفة ما يدلّ على لطافة أنمله، وأسمع الصّخرة الشّريفة أنينه، إلى أن كادت ترقّ لمقتله.
وله أيضا من أخرى:
فنصبنا عليها المنجنيقات تمطر سماءها نبال الوبال، وتملأ أرضها بالنكاية والنّكال، وتهدّ بساريات حجارتها راسيات الجبال، وتنزل نوازل الأسواء بالأسوار، وتوسع مجال الدّوائر في الدّيار، وتخطف بخطّافاتها أعمار الأغمار؛ وتطير حمامها بكتب الحمام، وتديم إغراء سهامها في أهلها بتوفير سهام؛ وكشف النّقّابون السّور المحجوب فتهدم بنيانه، وتداعت أركانه، بتظاهر المنجنيقات عليها والنّقوب.
ومنه قوله:
في ليل كموج البحر، له أنجم كحبب النّهر، قد حشر الهموم وحشدها، وهدى ضوالّها للقلوب وأنشدها، فأقول له لمّا تمطّى بصلبه: قطع الله صلبك؛ ومتى أرى عمود الصّباح: قد عجّل الله عليه صلبك.
ومنه قوله:
ولنا من الجيران من يجوز، ويظنّ أنه إلى الله لن يحور، ويصدّق وعد
الشيطان، وما يعده الشيطان إلا الغرور، ويصدر عنه كلّ عظيمة المورد، ويجهل أن الله عليم بذات الصدور، ويظن أنه يرث الأرض، وينسى ما كتب الله في الزّبور، وينشد ضالة الولاية بجيشه وبيته وما يقبل بيت مكسور، ولا يضمن النصر جيش مكسور.
ومنه قوله:
والمسؤول أخذ دستور لمملوكه للحجّ في هذه السنة، فقد جفا بيت الله جفوة طويلة، واشتاق إلى زورة، وتمامها أن يكون المولى فيها الوسيلة، وقد تحقق المملوك أنّ المولى يلبيه ولا يحرمه، فكاد يلبّي ويحرم، ولولا أن ذكره وذكر والده كمسّ المسك، لكان على هذا العزم يتمم ويحزم، وما ينقطع مرافق خدمه ولا منافع لسانه وقلمه عن الدولة الناصرية، فقد كان حج فحشد جيوش الليل، وفوقوا سهام الأسحار، وأعانوا في تلك السنة سلطان الدّنيا وجنود النهار، وما يدّعي المملوك في الدعاء رتبة المجاب، ولكن في الحشد رتبة السمسار.
ومنه قوله:
فوضعت يدا فيه وقدما على النجم، ورشفته على حر الوجد بارد الظّلم، وصرفت به عن الخاطر كل همّ، فما بشاره بعده ولا هم.
ومنه قوله:
وأما خلعه الكرى على العشاق، فهي عوائد سماحة، ومن أشرق كإشراقه، فما يكون أبدا في ليله، إنما يكون في صباحه، فما ضرّه أن يهب ما لا
تدعو إليه حاجة، وأن يخلع ديباجة كراه كما يخلع ديباجه.
ومنه قوله: وهمّ بأن يأخذ من كلام سيدنا في كتابه، فيعيد إليه حلاله؛ فإنه ما وجد لفضله أوصف من وصفه، ولا أكشف لبراعته من كشفه، ثم استحيا من ريبة يسوّد لها وجوه الأقلام، وأشفق أن يأكل أموال الناس بالباطل ويدلي بها إلى الحكام.
ووصف أيضا المنجنيق من رسالة، فقال:
فسلّمت كأنها بنان، ونضنضت كأنها لسان، وأضاءت كأنها مارج من نار، واهتزت كأنها جان، وتقومت كأنها سنان، وانعطفت كأنها عنان، وأقدمت كأنها شجاع، وأحجمت كأنها جبان، ورمت رؤوسهم الموفّرة من أحجارها بأمثال الرءوس المحلّقة، فأعادتهم إلى الخلقة الأولى مخلقة وغير مخلقة.
ومنه قوله:
وكأن الثّريا لجام مفضّض في أدهم الليل، أو غثاء حمله داهم السيل، أو جيب جود زره اللباس، أو كفّ تفصّل الأفق على الليل بقياس.
ومنه قوله:
أطال الله بقاء المجلس إلى أن يقضي للكفر أعمارا، ويملك منهم رقابا وديارا، ولا يذر على الأرض منهم ديارا، ولا يصلوا أن يضلّوا العباد ولا يبلغوا أن يلدوا فاجرا كفارا؛ وإلى أن يغرقهم من دمائهم في طوفان، وإلى أن يعرضهم على الجذوع فيكونوا عنده صلبان كالصلبان.
ومنه قوله:
خدمة المملوك واصلة من يد الشريف فلان، وهذا الشريف قد زكى نسبه بأعمال صالحة، وعمله بسيرة ناصحة، وله عائلة هي وإن كانت غلا، فقد فسحت خطاه في الانتجاع، وبه فاقة هو وإن كان في ضائقتها فقد بعثته في الأرض على الاتساع، ولمّا قلب طرفه في سماء القصد، هدي إلى قبله مولانا التي يرضاها كل متوجه، وإلى هدف المدائح الذي تسدّد إليه سهام كل ألكن ومفوه، فإن رأى مولانا أن يشفع فيه جدّه شافع البشر، ويلين حظّه فإن حظّه كالحجارة أو أشدّ قسوة من الحجر.
ومنه قوله:
ورد كتاب المجلس، ومرحبا بمقدمه وأهلا بمنجمه، والسّوق تختلف نقود صروفه، وتتنوع صنوف ضيوفه، فلابد أن تنبعض إذا انبعضت المسافات، ولو أنه إلا بمقدار ما يدنو اللقاء على الرسول السّائر، بالكتاب الصّادر، والخيال الزائر، بالحبيب الغادر، والنّسيم الخاطر، من رسائل الخواطر، ويقرّ به طرف الناظر من الصديق الحاضر؛ ووقفت على هذا الكتاب المشار إليه، وما وقفت عنه لسانا شاكرا، ولا صرفت عنه طرفا ناظرا، وبلغت من ذلك جهدي وإن كان قاصرا، واستفرغت له خاطري وما أعدّه اليوم حاضرا؛ ومما أسرّ به أن يكون في الخدمة السلطانية، أعلاها الله ورفعها، ووصلها ولا قطعها، وألّف عليها القلوب وجمعها، واستجاب فيها الأدعية وسمعها، من يكثر قليلي، ويشفي في تقبيل الأرض غليلي، فإن تقبيل سيدنا كتقبيلي؛ فلو شرب صديق وأنا عطشان
لأرواني، ولو استضاء بلمعة في الشرق وأنا في الغرب لأراني، كما أنّ الصديق إذا مسته نعمة وجب عنها شكري، وإذا وصلت إليه يد منعم وصلتني، وتغلغلت إليّ ولو كنت في قبري.
ومنها:
وأعود إلى جواب الكتاب: الأخبار لا تزال غامضة إلى أن نشرحها، ومقفلة إلى أن نفتحها، بخلاف حال خادمها مع الناس؛ فإنّ القلوب لا تزال سالمة إلى أن تجرحها، والهموم خفيفة إلى أن ترجحها؛ وفي الخواطر في هذا الوقت أمور موجودة نجعلها في العدم، ونخرجها من الألم إلى اللّمم، ونعادي بين الأسماع والألسنة، وبين العيون والقلم؛ والقلوب بيد الله سبحانه، وعليها بالاستجارة والاستخارة، فتلك تجارة رابحة، وكلّ تجارة لا تخلو من خسارة؛ والله تعالى يجمع كلمة المسلمين على يد سلطاننا، ولا يخلينا منه ومن بنيه حلى زماننا وسيوف أيماننا، ويسعدنا من أكابرهم بتيجان رؤسنا، ومن أصاغرهم بخواتم أيماننا؛ ولقد تفرغت العزمة الفلانية لهذا الكتاب، ولو ذكرت السلطان بالعدو فيرجم كلبه، ويكفّ غربه، ويذيقه وبال أمره، ويطفئ شرار شره، ويعجل له عاقبة خسره، فقد غاظ المسلمين وعضّهم، وقتل جموعهم وفضّهم؛ ولو جعل السلطان عزّ نصره غزو هذا الطاغية مغزاه، وبلاده مستقر عسكره ومثواه، لأخذ الله الكافر بطغواه، كما أخذ ثمود بطغواه، ولأبقى ذكرا.
وقوله:
وللمودّة عين لا يكحلها إذا رمدت إلاّ إثمد مداد الصّديق، وما في الصبر
سعة لصحبة أيام العقوق، بعد صحبة أيام العقيق؛ وقد بلغني أن ولد المذكور خدم في المجلس السلطاني، وسررت بأن يجتمع في خدمته الأعقاب والذّراري، وتطلع في أفقه الأقمار والدّراري؛ والله تعالى يحفظ علينا تلك الخدمة جميعا، ولا يعدمنا من يده سحابا ومن جنابه ربيعا، وللمودات مقرّ ما هو إلاّ الألسنة، والقلوب قضاة لا تحتاج إلى بينة.
ومنه قوله يذكر كتابا جاءه في ورق أخضر:
ولمّا تناولته في الحلة الخضراء، مخطرا بسريرة السراء، قلت: الله أكبر، من كان خاطره غيثا روّض، وفاض فأعشب فذهّب ففضّض، وما شككت أنّي دخلت الجنة لما فاض من أنهارها، وأفيض من سندسها، أو طلعت إلى سماء الدّنيا لما ملأ سمعي وعيني من شهبها وحرسها، ولا أنني قد جاءتني رسالة الرّوض الأرج لما فغمني من نفيس نفسها؛ فقلت لصحيفته: ما هذه اللّبسة الغريبة، والحلية الحبيبة والورقة، التي هزّت عطفيّ في ورق الشبيبة بعد رداء المشيب، والريحانة التي لا يدعيها عذار حبيب؟ فقالت:
شققنا مرائر قوم [به]فنحن نسمّيه شقّ المراره
ومنه قوله:
وكيف ما حل أهل هذا البيت، فهم في كل بيت صدوره، وفي كل مطلع نجومه وبدوره، لا تذلل أنوارهم بإشارة الأصابع، ولا تبتذل أقدارهم في مصونات المجامع؛ كأنّ الأرض بهم سماء فإنهم طوالعها، وكأن الدّنيا بهم رياض فإن أوجههم دهرها، وأيديهم مشارعها.
ومنه قوله:
وقد أثمر هذا القلم أكرم الثمر وهو يابس، وأبرّ جودا على أخضر المغارس، وأتى أكله كلّ حين وكلّ وقت، وطال وإن كان القصير يقصّر عنه كل نعت؛ ووصل كتابه فأكرم به من ساق وحبيب، وخلوت به وليس علينا ولا بيننا من الأنام رقيب، وقبلت منه خدّا بل يدا، وأجلّه عن أن يكون نسيبا للنّسيب، وهزرت منه قضيب بان للعلى يجتنيها بفتكة القضيب.
ومنه قوله:
والفترة مسطّرة أن ينفخ الرّوح في صريعها، ويرشّ نور الشمس على وجه صديعها، وإلاّ فإنه مغشى عليه، مغشيّ بليل تحته فقد قريب بنات نعش إليه.
ومنه قوله:
ومن مستهلّ ذي الحجّة ما استهل من يده كتاب، ولا استقل من تلقاء جهته سحاب، ولعل قلمه في الميقات قد أحرم، فلم يمسّ الطيب من أنفاسه، ومسح المداد عنه لتمام الإحرام بكشف رأسه، والآن فقد انقضت الأيام المعلومة، فهلاّ قضى عنا الأيام التي تمادت فيها شقوة العيون المحرومة.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع