من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الوزير أبو نصر أحمد بن يوسف المنازي السليكي
/ مجيد على الإقلال، ومفيد يرمي الدّرر بالاستقلال، لا تحوي مثله دارة الهلال، ولا تروي بغزارة مدده السّحب ذوات الاستهلال، ولا يعرف له ديوان يجمع شعره
فيه، ولا صوان يتدفّق نهره بين حواشيه، إلاّ أنّ ما يوجد به ينازع الأهيف الألمى ما بين شفتيه، ويغالب الظبي الأغنّ على ما في مقلتيه، كأنّما شقّ عنه الزّهر من الكمام لبّتيه، أو آواه الروض في الخمائل بين لابتيه.
ولقد تطلّب القاضي الفاضل ﵀ ديوان المنازي فعزّ حتى كأنّه لم يكن موجودا، ولا كان إلاّ آلى أن يفارقه فجاوز معه ملحودا، على أنّه الباقي بما تتفرّقه الألسنة وجود المشرق كالشمس على صفحات الأيام فلا تستطيع له جحودا. وأجاب من طلب الفاضل منه هذا الديوان بجواب قال فيه:
وأقفر من شعر المنازي المنازل
فأعجب الفاضل بجوابه، وقال: إن فاتنا نجح طلابه فما فاتنا حسن خطابه.
وكان بين المنازي والمعري اجتماع طرب له الدهر وضرب له بسهم رقص الحباب له على جنبات النهر، وكان ذا إلف للحدائق تفيّأ ظلالها، وتهيّأ طبعه السلسال لرشف زلالها ومصابحة خلقه البهيّ لو سيمها، ومقاومة خلقه السريّ لنسيمها، ومراوحة ما تديره كؤوس الورد من سلاف رحيقها، ومراودة أبكار الرياض على فضّ ختام الأرج وافتضاض
عذرة شقيقها.
وزر للمروانيين ملوك ديار بكر وزارة ناطت نجاديّ سيفها بلواء، ووادي سيبها بكشف لأواء، وترسّل إلى خلفاء مصر فنزل بذلك القبيل، ومسح جناح الفرات بالنيل، ورجع إلى مرسله أحسن مرجع، وأخصب به ثرى رائده بأكرم مستنجع. وكان في الدولة المروانية حيث لا مثل له في أولاها، ولا نصل أمضى من قلمه في المناضلة عن علاها/ حتى كانت به في بعد اللّمس كأنّها دولة بني مروان الأولى من بني عبد شمس، فقام في دولة المروانيين مقام عبد الحميد عند مروان، أو رجاء بن حيوة عند عبد الملك في ذلك الأوان إلاّ أنّه تأخّر عن ذلك العصر، وجاء بما يجيء به من مذهبات الألوان، وكان لا يعبأ بذي همم، ولا يعيا بجدال رمح يتشاوس موهما أنّه في أذنه صمم، ولا بحجّة سيف شامخ المضارب في عرنينه شمم، وله إدلال بشعره، وإذلال بنظمه الدرّ على غلّو سعره.
ومن بدائع نظمه الذي لا تساقط مثله النجوى ولا تريق شبيهه على خدود الحبائب دمعة الشكوى، قوله يخاطب أبا العلاء، وقد فاوضه في شيء فأعجبه كلامه:
للّه لؤلؤ ألفاظ تساقطهالو كنّ للغيد لاستأنسن بالعطل
ومن عيون معان لو كحلن بهانجل العيون لأغناها عن الكحل
سحر من اللّفظ لو دارت سلافتهعلى الزمان تمشّى مشية الثّمل
ومنه قوله في ولد له توفّي ولم يكن له غيره:
أطاقت يد الموت انتزاعك من يديولم يطق الموت انتزاعك من صدري
لئن كنت مبثوث المحاسن في الحشافإنّك ممحوّ المحاسن في القبر
رجوتك طفلا فوق ما يرتجي الفتىكذاك هلال الشهر أرجى من البدر
فلا وصل إلاّ بين عينيّ والبكاولا هجر إلاّ بين قلبي والصّبر
ومنه قوله في الوزير أبي القاسم الحسين بن علي ابن المغربي:
اصفح لطرف الصبّ عن نظراتهإن كنت آخذه بما لم يأته
سقيا لوجهك فهو أول روضةزهرت أقاحيه أمام بناته
/ لمّا خططت مثاله في ناظريمدّ الحجاب عليه من نظراته
حالت حماتك دون ورد غديرهوشميم زهرته ورشف قلاته
الماء يلمع في أريض جنابهوالنار تسفع من ضلوع رعاته
وإذا ادّعى بدر التمام بهاءهوأنار للساري قلا زعماته
منها:
ولئن جزت نعم الحسين محامدفلتجزينّ الغيث عن هطلاته
أقنى وأغنى فانقلبت ولي بهشغلان بين صفاته وصلاته
حاولت عدّ خلاله فوجدتهايشقى الرواة بها شقاء عداته
أبصرت سبل المجد من لحظاتهوأفدت حسن القول من لفظاته
فأرى الفصاحة والسماحة والغنىومكارم الأخلاق بعض هباته
ورث المعالي عن عليّ وابتنىرتبا مشيّدة إلى رتباته
وكذاك لابن القيل إرث علائهفرض ولابن القين إرث علاته
وقوله:
لو قيل لي وهجير الصّيف متّقدوفي فؤادي جوى بالحرّ يضطرم
أهم أحبّ الآن تشهدهمأم شربة من زلال الماء، قلت: هم
وقوله:
هي الشمس حالت دونها حجب خدرهاولو برزت كان الضياء لها حجبا
إذا جهرت ألحاظها قصد غافلأغارت على قلب أو استهلكت لبّا
ألم يأن في حكم الهوى أن ترقّ ليمن المدمع الريّان والكبد اللّهبى
ومن زفرة حرّى إذا ما تقطّعتشعاعا تدمّي الجفن أو تحرق الهدبا
/ شجتني ذات الطوق عجماء لم تبنوشيمة عجم الطير أن تشجو العربا
دنا إلفها واخضلّ أطراف عيشهافهاجت إلى البلوى وقد هدلت عجبا
هفا بك متن الغصن لو أنّ قدرةسلبتك حلي الطوق والغصن الرّطبا
ولكنّ إخوانا أعدّ فراقهمخسارا ولو سافرت أقتنص الشّهبا
وخلّفت قلبي بالعراق رهينةلقصد بلاد ما اكتسبت بها قلبا
وإنّي ليحييني على بعد دارهنسيم نعاماه ولو حملت تربا
ومن شيمتي أن أستمدّ له الصّباوأستتبع النّعمى وأستمطر السّحبا
وأعمر من ذكراه كل مفازةوألهي بعلياه الركائب والرّكبا
وأذكره بالضيف إن جاء طارقاوبالطيف إن أسرى وبالسيف إن هبّا
وبالبدر إن أوفى وبالليث إن سطاوبالغيث إن أروى وبالبحر إن عبّا
وأشتاق أياما تقضّت كأنّماأسرت عن الأيام أو أدركت غصبا
نحنّ حنين البعد والشمل جامعويزداد حبّا كلّما لم يزر غبّا
إخاء تعالى أن يكون أخوّةوقربى وداد لا تقاس إلى قربى
وقوله يصف دار حرب جلا ساكنها:
جلا حتّى الذباب الخضر عنهاذباب من حسامك ذو اخضرار
وتفرّ ضاريات الأسد منهاثعالب من أسنّتك الضواري
وقوله:
لحى الله من يستنصر ابن عدوّهسفاها ولا يستنصر ابن أبيه
كفيل من الشطرنج يحمي ويحتميبقاطبة الشطرنج غير أخيه
/ وقوله:
وقانا لفحة الرّمضاء وادوقاه مضاعف النّبت العميم
نزلنا دوحه فحنا عليناحنّو الوالدات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالاألذّ من المدامة للنّديم
يصدّ الشمس أنّى واجهتنافيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارىفتلمس جانب العقد النّظيم
وقوله:
غزال قدّه قدّ رطيبيليق به المدائح والنّسيب
جهدت فما أصبت رضاه يوماوقالوا كلّ مجتهد نصيب
ومنه قوله:
ومبتسم بثغر كالأقاحيوقد لبس الدّجى فوق الصّباح
له وجه يدلّ به وعينيمرّضها فيسكر كلّ صاح
تثنّي عطفه خطرات دلّإذا لم تثنه نشوات راح
يميل مع الوشاة وأيّ غصنرطيب لا يميل مع الرياح
وقوله:
لقد هتف الحمام لنا بشدوإذا أصغى له ركب تلاحا
شجا قلب الخليّ فقال: غنّوبرّح بالشجيّ فقال: ناحا
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع