من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الأمير أبو الفتح، الحسن بن عبد الله بن أحمد ابن أبي حصينة
جمع أبو العلاء المعري ديوانه، ورفع في السماء كيوانه، وتكلّم على غريبه فتقدّم حرّا على عريبه. وقال أبو العلاء: سألني أن أسمع شعره فقرئ عليّ ما أنشأه من أنواع القريض فوجدت لفظه غير مريض، ومعانيه صحاحا مخترعه، وأغراضه بعيدة مبتدعه، وهو وإن كان متأخرا في الزمان وكأنّه من فرط عهد النّعمان. ومن سمع كلامه علم أنّه لم يعر شهادة، ولا حرم في إبداع الكلم سياده. انتهى قوله فيه.
/ ولقد وقفت على هذا الديوان فوجدته قد أكره ثقل التجنيس عفوه، وكدّر رنق التكليف صفوه إلاّ ما ندر له من الأبيات الآهلة المغاني بأهلّة المعاني البارعة جمالا يفتن وكمالا يؤذن بأنّ قيمة كلّ امرئ ما يحسن، فإنّها لم تخل من مثل شرود، وأمل لمن يرود أتت عليها نزعة بداوة، وجرعة زلال لم تغيّر بأداوه. ما خضخضت قليب سجله الأرشية ولا مضمضت فم منهله الأسقية، كأنّما قال أعربي في طمريه زرود، وقال عليه أوان ورود فهبّ ينمّ بالنسيم الحاجريّ ريحه، ويتبلبل ببلل الطلّ في طرّة السّحر شيحه.
ومن شعره الفتّان مليحه، قوله:
يا ساكنين بحيث الخبت من هجرأطلتم الهجر مذ صرتم إلى هجر
عودوا غضابا ولا تنأى دياركمفقلّة الماء ترضي الكدر بالكدر
ومنها قوله:
وذبّل من رماح الخطّ حاملةمن الأسنّة نيرانا بلا شرر
إذا هووا في متون الدّارعين بهاحسبتهم غمسوا الأشطانَ في الغدر
ومنه قوله:
بأيّة حال حكّموا فيك فاشتطّواوما ذاك إلاّ حين عممّك الوخط
من الآنسات اللابسات ملابسامن الصّون لم تدنس لها بالخنا مرط
شرطت عليهنّ الوفاء فمذ بدابياض عذاري للعذارى قضي الشرط
كأنّ الفتى يرقى من العمر سلّماإلى أن يجوز الأربعين وينحطّ
ومنها:
فدع ذا ولكن ربّ ليل عسفتهبركب كأنّ العيس من تحتهم مقط
على كلّ موّار الوضين كأنّهمريرة قدّ لا يبين له وسط
/ وقد لاح للرّكب الصباح كأنّهبدا من جلابيب الربى لمم شمط
ونجم الثريا في السماء كأنّهاصنوبرة من صائغ الدّر أو قرط
وقوله:
سقى محلا قد دثرأوطف وسميّ البكر
ما دقّ من روس الإبرقدحك بالمرخ العشر
غبّ ربيع وصفرينفض أهداب الوبر
فهنّ أمثال الزبريرى على وجه العقر
من وبله إذا انحدرإمّا غديرا أو نهر
أو الثماد في النّقرأمثال أحداق البقر
كأنّما ذاك المطريد المعزّ المشتهر
ومهمه جمّ الخطرظليمه تحت الخمر
يخضن درما كالأكرحتى إذا جاع ابتكر
إلى هبيد في عجرمفوّقات كالحبر
ومقفر حزت الغررفيه بحدّب كالمرر
قد ذبن من طول السّفرإلى فتى ساد البشر
يعطي [اللّهى] بلا ضجركأنّما عادى البدر
مناقبا ملء السّيرفلو سكتنا لم نصر
والصّبح يغنيه النظرعن شاهد إذا انفجر
ومنه قوله:
ومائرة الأزقّة مبرياتكأنّ على غواربها صلالا
شربن الخمس بعد الخمس حتىظمئن فكدن يشربن الطلالا
ومنه قوله:
ماضي الجنان إذا تقلّد مخذماألقى النّجاد على نظير المخدم
جلد على نوب الزمان كأنّماريح تهبّ على هضاب يلملم
ومنها:
جنبوا الجياد إلى المطيّ فسطّروافي البيد سطرا من حروف المعجم
فترى بها عينا بوطأة حافروترى بها هاء بوطأة منسم
ومنه قوله:
/ وإن كنت لم أدرك جزاك فإنّنيأبيت بما أوليتني ولي الجهد
ولم أر مثل الحمد ثوبا للابسوأدون ثوب أنت لابسه الحمد
وقوله:
وأضعت مدحي قبله في غيرهإنّ المدائح في سواه تضيّع
يثني عليه بدون ما في طبعهكالمسك أيسره الذي يتضوع
ومنه قوله:
ولقد سرى برق العراق فهاج ليبالشام وجدا من سنا لمعانه
يبدو لعينك في الظلام كأنّهصلّ الكثيب منضنضا بلسانه
فكأنّه والليل معتكر الدّجىنار المعزّ على متون رعانه
ومنه قوله:
للورد حمرة خدّه والغصن هززة قده والظبي مدّة جيده
أهوى الدجى من أجل أنّ هلالهكسواره ونجومه كعقوده
وقوله:
لا تحسبي شيب رأسي أنّه هرمفإنّما ابيضّ لمّا ابيضّت الهمم
وللشّبيبة بنيان تكمّلهلك الثلاثون عاما ثمّ ينهدم
ومنه قوله:
ما ضرّ من حدت النّوى أحمالهالو أنّها أهدت إليك خيالها
يا صاحبيّ قفا عليّ بقدر ماأسقي بواكف عبرتي أطلالها
ولقد سرت بك والركاب لواغبمرقالة شكت الفلا إرقالها
لعبت بنمرقها الشمال ومزّقتفي البيد أنياب العضاة جلالها
ومنه قوله:
/ وقد أغتدي والليل قد محّ بردهونجم الثريا في المغارب وسنان
بجائلة الأنساع مالت من السّرىكما مال من رشف الزجاجة نشوان
تدوس الحصا أخفافها وهو لؤلؤوترفعها من فوقه وهو مرجان
تناهبني مرتا كأنّ نعامهتسوس أكبّت في مسوح ورهبان
ومنه قوله:
منّت عليه بك البيداء واتخّذتفعلا جميلا إليه العرمس الأجد
أسرت فغمّض طول الليل أعينهاكأنّما كفّ من أبصارها الرّمد
مجهولة البيد لم يمدد بها طنبمن الغريب ولم يضرب لها وتد
كأنّما الآل فيها حين تنظرهيمّ ونوارها من فوقه زبد
ومنه قوله:
لو شئت أقصرت من لومي ومن عذليفالدّهر قسّم يوميه عليّ ولي
لا تحسبيني أغضّ الطرف من جزعفالحزن للخود ليس الحزن للرجل
إنّا لقوم إذا اشتدّ الزمان بناكنّا أشدّ أنابيبا من الأسل
يبكى علينا ولا نبكي على أحدونحن أغلظ أكبادا من الإبل
ومنه قوله:
بصحّة العزم يعلو كلّ معتزموما حلا غمرات الهمّ كالهمم
والعزّ يوجد في شيئين موطنهأمّا شباة حسام أو شبا قلم
ومنه قوله:
إذا شهد الطّعان به ثناهوقد أدمى ضليفيه العنان
/ بحيث ترى الرماح محطّماتكأنّ حطامهنّ الأرجوان
إذا طعن المدجّج في قراهقرا ما في ضمائره السّنان
كأنّ الرّمح حين يسلّ منهوجار سلّ منه الأفعوان
ومنه قوله:
لقد أيّدت كفّ لها منك ساعدوطال بناء شاده منك شائد
أرى الناس في الدنيا كثيرا عديدهموأكثر منهم نصب عيني واحد
ومنه قوله:
لمّا طلعت على سمند سابحفي لون حلي لجامه والمركب
سود قوائمه ولكن جسمهلولا السبائب كالقضيب المذهب
نهدت مراكله وأشرق متنهوعلت مناكبه علوّ المرقب
وكأنّما خاض الدّجى فتسربلتمنه شوامته بمثل الغيهب
سلس القياد كأنّ فضل عنانهممّا يلين مركّب في كوكب
ومنه قوله في قصيدة:
لقد خامرتني من هواك صبابةتعود بها مثل الجراح الجوارح
ومنه قوله من قصيدة أوّلها:
خير الأحاديث ما يبقى على الحقبوخير مالك ما دارا عن الحسب
منها:
عرض الفتى حين يغدو أبيضا يققاخير من الفضّة البيضاء والذّهب
منها في المديح:
روحي فدى لأبي العلوان من ملكسمح اليدين بتاج الملك معتصب
/ قد بيّضت ناره الظلماء أو تركتلون الدّجى لون رأس الأشمط الجرب
وفي القباب اللواتي أبرزت ملكيمينه رحمة صبّت على حلب
تلقى الملوك كثيرا إن عددتهموفي الذوابل فخر ليس في القصب
ما سار نحو العدى في جحفل لجبإلاّ وقام مقام الجحفل اللّجب
في ظهر عارية الظهرين قد دربتبالطعن من تحت طبّ بالوغى درب
تعود مبيضّة المتنين من زبدمحمرّة الفم والرّسغين واللّبب
كقهوة صفقت في الكأس فاكتسبتبالمزج لونين لون الراح والحبب
ومنه قوله من قصيدة:
كنتم ثلاثة آلاف وردّكمثلاثة وأبى أن ينفع العدد
وما القليل قليلا حين تخبرهولا الكثير كثيرا حين ينتقد
ومنه قوله:
سحائب كلّما رفعت شراعايفرّغ درّه أرخت شراعا
تمدّ لريّها الجوزاء كفّاوتبسط نحوها الأسد الذراعا
ويلمع برقها والليل داجكما عانيت في اليمّ الشعاعا
ومنها:
رماهم بالسلاّهب مقرباتيزلزلن الأباطح والتلاعا
وحجّبن السّنا بالنقع حتىكأنّ الشمس لابسة قناعا
ومنها:
إذا فعل الكريم بلا قياسفعالا كان ما فعل ابتداعا
مكارم ما اقتدى فيها بخلقولكن ركّبت فيه طباعا
/ علوت إلى السماء بكلّ فضلفكاد الجوّ يخفيك ارتفاعا
وآخيت النّدى والجود حتىحسبنا أنّ بينكما رضاعا
ومنه قوله:
أمّا فؤادي فقد أضحى أسيركميا ويحه من فؤاد ماله فادي
كيف الخلاص وقد أضرمت في كبديزندين ضدّين من خاف ومن بادي
ومنه قوله:
لو كان ينفع في الزمان عتابلعتبته في الرّبع وهو يباب
عجنا عليه العيس نسأل رسمهلو انّ من سأل الطلول يجاب
دمن لأحباب نحبّ ديارهممن أجلهم فكأنّها أحباب
ومنه قوله:
يا ليل ما طلت عمّا كنت أعرفهوإنّما طال بي فيك الذي أجد
ومنه قوله:
بكلّ غريرة تهتزّ ليناكما يهتزّ مشمول اليراع
ألاحظها بطرف غير ساموأتبعها فؤادا غير واع
ومنه قوله مديحا:
ملكت على الأعداء شرقا ومغربافليس لهم شرق يجنّ ولا غرب
سلوا عن ورود الماء في كلّ مصبحفقد يئسوا منه كما يئس الضبّ
ومنه قوله من قصيدة يصف البرق:
يحمرّ أعلاه وينصع متنهفسناه يلمع مذهبا ومفضّضا
/ روحي الفداء لحائل عن عهدهعرّضت بالشكوى إليه فأعرضا
ولساخط يرضيه قتلي في الهوىفأموت بين السخط منه والرّضا
ومنه قوله من قصيدة يمدح:
إذا خفقت له أعلام جيشفقد خفقت قلوب الخافقين
ومنه قوله:
ولمّا وقفنا للوداع ودمعهاودمعي يبثّان الصبابة والوجدا
بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعيعقيقا فصار الكلّ في نحرها عقدا
وقوله:
بيض يكنّ إذا انتقبن أهلّةوإذا سفرن النّقب كنّ شموسا
أنهبننا لما برزن محاسناوصددن عنّا فانتهين نفوسا
وقوله:
إذا جذبنا برى اليعملاتبين المخارم ظلّت تبارى
وأمّمن بحرا إذا ما شرعنإلى مائه العذب عفن البحارا
أقول لصحبي نحو الغميروقد ضلّ حادي المطايا وحارا
تيامنتم عن بلاد المعزّفعوجوا يسارا تلاقوا يسارا
ومنه قوله:
قد أدمنوا لبس الدّروع كأنّماصارت لهم عوض الجلود جلودا
يتهجّمون على الحمام كأنّمايجدون في عدم الحياة وجودا
أيمانهم مثل البحور وإنّماجعلوا له مدّ الأكفّ مدودا
وقوله:
ولربّ مرت قد رميت فجاجهاتحت الدجى بحنيّة مرنان
تنزو براكبها إذا متع الضحىمرحا كما ينزو فؤاد جبان
/ وتسيل ذفراها وقلت حجاجهاعرقا كلون عصارة الرّمان
وكأنّ موضع ما يخطّ زمامهافوق التراب مراغة الثعبان
ومنها قوله:
من معشر بيض الوجوه كأنّهموسط النديّ مصابح الرّهبان
ما دوا العلى بسنان كلّ مثقّفقاني الشبا وغرار كلّ يماني
وثنوا أنابيب الرماح كأنّمايقطرن من علق سلاف دنان
وكأنّ معوجّ الأسنّة بعد ماطعنوا بهنّ مخالب الغربان
وكأنّما قطع الرماح تدوسهاأيدي الجياد سبائك العقيان
قوم إذا لبسوا التّريك لحادثغطّوا بهنّ مواقع التيجان
ومنه قوله:
ما كلّ من طلب النجاح منجّحافي قوله وفعاله ومرامه
إنّ الذي يرمي السّهام نوافذايرمي وليس يصيب كلّ سهامه
[وقوله]:
لا يختشي فوت العلى ضارببنفسه في الهول ضرب القداح
إن أدرك الأمر الذي رامهفاز وإن ذاق الحمام استراح
ومنه قوله:
يكاد أن يختم من وطئهأهلّة فوق ظهور البطاح
كالغادة الحسناء أرسانهيلعب في هاديه لعب الوشاح
له سبيب مسبل خلفهكأنّه قرع القناة الرّداح
إذا مشى سدّ به فرجهمثل عثاكيل نخيل القراح
/ ويسمع الصوت بمنصوبةكأنّها قادمة في جناح
ومنه قوله:
ونصب عينيّ فتى ماجدسلاحه النّصر ونعم السلاح
ما للغوادي نفع إحسانهوإنّما وصف الغوادي اصطلاح
تكاد أن تشرب أخلاقهمن طيبها شرب الزلال القراح
وليلة كلّفت صحبي بهاخبط الدّجى باليعملات الطلاح
ومنه قوله:
قل للغمام إذا استهلّ مطيرهوانهلّ أوّله وسحّ أخيره
أحسبت أنّك حين صبت عديلهوظننت أنّك يا غمام نظيره
أبدا لناريفان أمّا خيرهلا زال منتجعا وأمّا خيره
ومنه قوله:
وليل بتّ أخبط جانبيهبدامية الحزامة والبطان
تحيّف شخصها التأويب حتىلكادت أن تدقّ عن العيان
وسال جحاجها عرقا بهيماكلون الوكف من خلل الدخان
أقول لفتية لغبوا وليليوليلهم مكبّ للجران
وقد مالت رقابهم ولا نواعلى الأكوار لين الخيزران
أبو العلوان مقصدكم فهزّواإليه عرائك الإبل الهجان
ومنه قوله يصف مقتل ذئب:
وأطلس مدلاج إلى الرزق ساغبيراح إلى ضنك المعيشة أو يغدى
/ غدا معرضا للجيش يقصد جبنهوما كان أمّا للرجال ولا قصدا
فلمّا رأى خيل المنايا معدّةإليه تمطّى كالشراكين وامتدّا
سما نحوه طرف امرئ لو سما بهإلى جبل لانهدّ من خوفه هدّا
فأوجره سمراء لو مدّ باعهبها طاعنا للسدّ أنفذت السّدا
فخرّ مكبّا للجران ونفسهتسرّ لمرديه الضغينة والحقدا
فقلت له يا ذئب لا تخش سبّةفمرديك أردى قبلك الأسد الوردا
وما هي إلاّ ميتة قلّ عارهاإذا أرغم السّيدان من أرغم الأسدا
ومنه قوله:
لو كنت في عصر قوم سار ذكرهمفي الجاهلية لم تكتب لهم سير
إنّ العصور وأهليها الذين مضوامذ مرّ ذكرك بالأسماع ما ذكروا
انظر لتنظر شيئا جلّ خالقهيحار فيه وفي أمثاله النّظر
طوقا على الملك الميمون طائرهكأنّه هالة في وسطها قمر
وحلّة من أديم الشمس مشرقةلا يستطيع ثباتا فوقها البصر
توقدّ التبر حتى لو دنوت بهمن عرفج لرأيت النار تستعر
قد كفّها عن كثير من توقدهاخرق ترى الماء من كفّيه ينعصر
وصارما ذكرا قد ناب حاملهعن الخليفة هذا الصّارم الذّكر
كأنّما حمّلت منه حمائلهعقيقة أو جرى في غمده نهر
وراية بات معقودا بذروتهامن فوقه العز والتأييد والظّفر
تهتزّ من فرح والعزّ شاملهاكأنّما عندها من سعدها خبر
/ خفّاقة كقلوب الشانئين لهاإذا تمكن منها الخوف والحذر
هوت نحور العدى والنجب حاملةتلك القباب عليها الوشي والحبر
خوص تهادى بأنماط مصوّرةتكاد تنطق في حافاتها الصّور
ومنه قوله:
وجنّة زهت بها الغروسأغصانها مونقة تميس
كأنّها حين تميس العيسرنّحها التهجير والتغليس
إلى فتى بعض عداه الكيس ومنه قوله:
خليليّ مالي أصطفي بين أضلعيأخا ليس يخلو أن تغول غوائله
أعفّ ولا أجزيه جهلا بجهلهولا آكل اللحم الذي هو آكله
سيزداد غيظا كلّما مدّ باعهفقصّر عن إدراك ما هو نائله
فيا منطقي أطلق عنانك إنّمايعدّ الحسام العضب للضرب حامله
يغلّ بنعماه الرّقاب كأنّماصنائعه أغلاله وسلاسله
وقد طاولته النّيرات فطالهافأيّ امرئ بعد النجوم يطاوله
جلا كربة الاسلام والشرك حالفبمجر يسدّ الخافقين جحافله
لهام يسدّ الجوّ بالنقع زحفهوتقلع أوتاد الجبال زلازله
ومنه قوله:
فإن كنت لا تشكو غناء فقد شكاحسام وعسّال وسهم ويعبوب
وهام على البيداء ملقى كأنّهصحاف قرى منها سويّ ومكبوب
/ ومنه قوله:
لا شيء أعشق من حسامك للطّلىإلاّ يداك لنائل وسخاء
أنت السخيّ فلم بخلت على الورىأن يشبهوك ولست في البخلاء
ومنه قوله يصف سيفا جفنه من كيمخت أبيض:
وتقلّد العضب الشبيه بغمدهفكأنّما هو مصلت لم يغمد
من فوقه سفن يشفّ كأنّهحبب يطفّ على خليج مزبد
كثرت بحدّيه الفلول كأنّهمما تكسّر في الطّلى فم أدرد
ومنها يصف الفرس:
من كلّ ملفوف النّداد مقلّصكالسّيد سيد الردهة المتمّرد
مترفّق يمشي بحلية سرجهمشي المقيّد وهو غير مقيّد
ومنها في الراية البيضاء:
ووراء ظهرك راية مرفوعةتهدي الخميس من الضّلال فتهتدي
كالغادة الحسناء ذات ذوائبتهفو وذات تعطّف وتأوّد
في لون عرضك كلّما خفقت بهاريح الصّبا خفقت قلوب الحسّد
ومنه قوله:
أمرضتني مريضة اللحظ سكرىمرضا ما إخاله الدّهر يبرى
ولقد هاج لي رسيسا إلى الغور خيال من ساكن الغور أسرى
صاح مالي وللهوى كلّما حاولت عنه صبرا تجرّعت صبرا
ذبت وجدا فلو قضيت لما احتجت سوى موطئ البعوضة قبرا
/ وقوله:
إذا سرت أخفيت النهار بقسطليلفّك في جنح من الليل معتم
كأنّك فيه والقنا يزحم القناهلال سماء طالع بين أنجم
ومنه قوله:
أهوى وحرّ جوى بكم وفراقأيّ الثلاث الفادحات يطاق
كلّ الدّماء لأهلها مضمونةإلاّ دم يوم الفراق يراق
ومنها قوله يصف الرمح والسيف:
ولقد سريت ومؤنسي متمايلميل النّزيف مرّوع مقلاق
في لونه كلف وفي أعضائهقضف وفي أوصاله استيثاق
عاري العظام دوين مفرق رأسهمثل النطاق ذؤابة ونطاق
هذا وماء جامد ممّا اقتنىلزمانه المتجبّر العملاق
طال الزمان عليه حتى إنّهلم يبق إلاّ ماؤه الرقراق
ومنه قوله في البرق:
أهاج لك التبّريح إيماض بارقعلى الجوّ منه ساطع يتوهّج
بدا موهنا والليل [بالنور] أسفعفضّواه حتى الليل أنبط أخرج
فألمحته صحبي وقد مدّ ضوءهكما امتدّ من تبر شريط مدّرج
أرقت له لمّا بدا الليل طالعاعليه من الظلماء ثوب مفرّج
ومنها قوله يصف الحنظل:
ترى ثمر الخطبان فيها كأنّهعلى صفحة البيداء هام مدحرج
تعاديه خيطان النعام كأنّهاإلى ميرة بزل تشدّ وتحدج
/ ومنها قوله يصف سلخ الأفعى:
وتلقى بها قمص الأفاعي كأنّهاحباب الحميّا أربدت حين تمزج
يخلّفها الصلّ الذي ملّ لبسهاكما خلّف الدرع الكميّ المدجّج
ومنها قوله يصف السّرى ورؤية الهلال:
أقول لصحبي والرّكاب شواحبكأنّ رذاياها المزاد المشنّج
وقد لاح للساري هلال كأنّهمن الفضة البيضاء ميل معوّج
ومنه قوله:
وخلّ الرماح أنابيبهالدى كلّ أنبوبة جدول
كأنّ السيوف وقد خضّبتسنا البرق أوّل ما تشعل
صوارم عوّدها أن تهانفليست تداس ولا تصقل
ومنها:
رجال ترفّ مناياهمعليهم كما رفرف الأجدل
كأنّي بهم قوت وحش الفلافهنّيت رزقك يا جيأل
ومنه قوله:
وقد كنت ذا ذخر من المال صالحوما تركت لي كثرة النّسل من ذخر
جنيت على نفسي بنفسي جنايةفأثقلت ظهري بالذي خفّ من ظهري
ومنه قوله:
جزى الله خيرا ليلة خاضت الدّجىإليك وسافتها الغريرية الهدل
وضعت يميني في يمينك للغنىفأوّل بؤسي زال عنّي بها البخل
وقوله:
إذا كانت منايانا طباعافما تحتاج ما طبع القيون
/ فلو سلم الطعين وعاش دهرالمات بغير طعنته الطّعين
ومنه قوله:
حمر الأسنّة في أطرافها سرعإلى الكماة وفي أعقابها مهل
كأنّها وهي في الماديّ مسرعةغدر يغيّب في أمواجها الشّعل
ومنه قوله:
تركنا سيوف الهند خشنا متونهاعلى اللمّس ممّا كسّرت في الجماجم
لعمري لنعم القوم قوم تغايرواعلى العرّ حتى أيقظوا كلّ نائم
وخيل تماشى في الحديد كأنّماكسونا هواديها سلوخ الأراقم
ركبنا بها الأهوال حتى تكشّفتعماية ذاك العارض المتراكم
فأمست رجال من عديّ بشاهقيبثّ عليها فيه رغد المطاعم
بأرجلهم دهم جناها ركوبهملدهم جرت من تحتهم في العواصم
ومنه قوله:
طاف الخيال بناو الصبح محتجبكأنّه صارم في الليل معمود
والشهب في جوّها مثنى وواحدةكأنّها الدرّ مبثوث ومنضود
والليل كالأمة السوداء في يدهامعلّق من ثريا الجوّ عنقود
والنسر كالنسر مبسوط قوادمهينجو وصاحبه بالغرب مصيود
ومنها:
نادمت صحبي بها والراح بينهمتضيء منها جلابيب الدّجى السود
تفرّقت فهي في صدر الفتى طربجمّ وفي وجنة الندمان توريد
أعني مديح أبي العلوان شاربهاأن يقرع الدفّ أو يستحضر العود
/ غنّى الحمام وغنّيت النديم بهفلي وللطير تغريد وتغريد
ومنها في السيف:
وفي يمينه ماضي الحدّ ذو شطبكأنّ ضربته الفوهاء أخدود
ما رقّ قطّ ولكن رقّ مضربهممّا تداوله صون وتجريد
ومنها:
وفوقه ثوب ماء كان أحكمهلنفسه من قديم الدّهر داود
مضاعف السّرد قد سدّت خصائصهفللمنايا طريق عنه مسدود
ومنه قوله:
مواض فواض شبن ممّا تصعّبتوهانت عليهنّ الخطوب اللوازب
تكسّر في الهامات حتى تظنّهامن الضّرب لم يحل لهنّ مضارب
وحطّته تشكو اللقاء وتشتكيأنابيبها قبل اللقاء المناكب
تعاودن قبل الرّوع عوجا كأنّماتعلّق في أطرافهنّ العقارب
ومنها قوله:
وفي ولديك السالمين بقيةتسرّ فلا ينصبك للهمّ ناصب
وما النّسل بالغالي عليك التماسهإذا كان لا تغلو عليك الكواعب
ومنه قوله:
وعضب له من رونق الماء رونقوجسم ومن حدّ الردّى حدّ مضرب
كأنّ غماما أمطرت فوق غمدهصغارا من الدرّ الذي لم يثقّب
ومنه قوله:
أدائمة الكرى لو كان عدلاهواك لما نفى عنّي المناما
/ ولو أنصفتني لوصلت يوماوكنت مثابة وهجرت عاما
[ومنه قوله]:
تعاتبني أمامة في التّصابيوكيف به وقد فات العتاب
نضا منّي الصّبا ونضوت منهكما ينضو من الكفّ الخضاب
ومنه قوله يرثي:
ولد النّدى معه وعاشا برهةلا فرق بينهما وقد ماتا معا
قطعت يد مدّت إليه فإنّهاقطعت عن الياس الربيع الممرعا
وقوله:
وردت بهم ونسر الجوّ يحكيأثافي القدر في الأفق العليّ
وقد حكت الثريا شنف خودوباقي البدر خلخال الهديّ
منها يصف الرماح:
لهنّ إذا اشتجرن غدّاة حربقراع مثل وسواس الحليّ
ومنه قوله:
تندى يداه ويندى صدر ذائلهمن الفوارس والأرماح تشتجر
ردّ الأسنّة والأوضاح واحدةحتى تشابهت الخرصان والغرر
وقوله:
تحنّ إلى البقيع وحبّ هندتكلّفك الحنين إلى البقيع
وترجو أن يزورك طيف هندولست لما رجوت بمستطيع
ولو سمحت بمسرى الطّيف هندلما سمحت جفونك بالهجوع
منها في وصف ذئب:
ترنّم ذيبه الطاوي ثلاثاترنّم شارب الكأس الخليع
وقوله:
من كلّ جائلة الوشاح غريرةترمي إلى المهجات سهما صائبا
ضنّت بوصلك واستنابت طيفهاخوف الوشاة فلا عدمت النائبا
/ ومنه قوله:
أسفي على عصر اللّوى أن لم يعدوعلى التيام الشمل أن لم يرجع
بانت أمامة وانثنيت وفي يديأرمام باقي حبلها المتقطّع
بخلت عليّ بوصلها وتمنّعتسقيا لذاك الباخل المتمنّع
ومنه قوله:
ولقد سريت يشقّ بي غلس الدّجىوحف السبائب كالرداء المسبل
وكأنّما الأوضاح فوق إهابهصبح تقطّع فوق ليل أليل
هذا ومنوافي الخزامة والنّسا والمركل
كاسي المناكب لا يزال حميمهينصب من مثل الإزار المخمل
ومنه قوله:
وليلة بتّ أفنيها مشاهدةوالنسر لم يسر والضرغام لم يثب
وقد أطلّ هلال في أوائلهاكأنّه نصف خلخال من الذّهب
ومنه قوله:
هل في الأخلاّء من خلّ أخي ثقةأصفيه ودّي مدى عمري ويصفيني
وما أصيب ولكنّي أصيب أخايفوّق السهم مشموما ويرميني
وقوله:
ابشر فإنّك من عاداتك الظّفرما أومض البرق إلاّ أسبل المطر
تلقى الليالي بسعد لا احتباس لهويصنع الله ما لا يحسب البشر
وقوله:
تذهب أرحامكم ضياعالا كانت المدن والضّياع
من قبل أن تشمت الأعاديوقبل أن يكشف القناع
/ ومنه قوله:
ينشدك الدهر مديحي فماتحتاج أن تسمع إنشادي
أمضي وذكري غابر فيكمفيوم دفني يوم ميلادي
وقوله:
إذا داس التراب بأخمصيهتحوّل عنبرا ذاك التراب
فتى يخضّر قائم كلّ عضبيجردّه ويحمّر الذباب
ومنه قوله:
وإلى ابن فخر الملك سرن نجائبامثل السفائن في بحور سراب
يثني عليه فتنثني أعناقهافكأنّما خلقت بغير رقاب
ومنه قوله:
كأنّما تحت ثوبه أسدعبل الشّوى في ذراعه فدع
إذا مشى تاه في تبخترهكأنّما في مشاته ظلع
أزلّ طاوي الحشا على زمعمنبسط تارة ومجتمع
تغدو وحوش الفلا مصرّعةأشلاؤها في بيوته قطع
أطلّ من مرقب وعنّ لهسرب وفيه المسنّ والجذع
فمدّ نحو الصّوار مشعلةكأنّها بعد موهن شمع
وانضمّ حتى كأنّه كرةوامتدّ حتى كأنّه ربع
مدّ إليها أسنّة ذربالا يقع النقع موضعا تقع
فبسطات المتون تحسبهامدى ثني رؤوسها الصّنع
فأقعصت لا ترم عالمةإنّ المنايا دوارك سرع
كأنّما انحطّ فوقها جبلأو مقرم في تليله تلع
/ ذاك أو أرقم بمغصيةمنضنض في إهابه لمع
عفّ عن الزاد أن يعيش بهفهو يسفّ التراب مقتنع
تهتزّ متناه وهو منبعثكأنّ فرط اهتزازه زمع
قدحك ضيق الوجار هامتهحتى حسبناه أنّه قرع
منها:
طالوا فنالوا السماء من كثبواجتنبوا الكبرياء فاتّضعوا
حتّى لظنّ الغنيّ أنّهمقد نزلوا والرجال قد طلعوا
أكرم ما في الفتى أواخرهاعندهم لا الأوائل الشرع
ومنه قوله:
إذا قلت أسلو جدّدت لي صبابةصمائم ورق في ذرى الأيك هتّف
تجاوبن في الأفنان حتى كأنّماتجاوب فيهنّ اليراع المجوّف
/ ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع