من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري (٢)
وكان لا يرد عليه أحد إلاّ ويستنشده إيّاها، لإعجابه بها. فقدم التهاميّ معرّة النعمان ودخل على أبي العلاء، فآستنشده إيّاها، فأنشدها، فقال له: أنت التهامي؟ فقال: نعم.
فقال: كيف عرفتني؟ فقال: لأني سمعتها منك ومن غيرك؟ فأدركت من حالك أنّك تنشدها من قلب قريح، فعلمت أنّك قائلها.
ومن رسائل أبي العلاء رسالة كتب بها إلى أبي نصر صدقة بن يوسف، لمّا استدناه إلى حضرة عزيز الدولة فاتك/ صاحب حلب، وهي:
لو أهديت إلى حضرة سيّدي الرّبيع يزهي بأحسن زهره، والبحر يتباهى بالنّفيس من جوهره، لكان عندي أنّي قصّرت واختصرت، فكيف بي ولا أقدر على أن أهدي زهره، ولا أنتزع صدفه، فدع الجوهرة. والرّائد لا يكذب أهله. فأمّا العبد إذا كذب سيّده فبعد ولا سعد. والذّاهل من لم يذكر أمسه، والجاهل من لم يعرف نفسه. ولنفسي أقول:
أعيت رياضة الهرم، واعتصار الماء من الجمر المضطرم. [إن كذبت، فعن الخير أعذبت]. ما اعتزلت، حتّى جددت وهزلت، فوجدتني لا أصلح لجدّ ولا هزل، فعندها رضيت بالأزل.
ما حمامة ذات طوق، يضرب بها المثل في الشّوق، كانت في وكر مصون، بين الشّجر والغصون، تألف من أبناء جنسها ريدا، فيتراسلان تغريدا، مسكنها نعمان الأراك، تأمن به غوائل الأشراك، وتمرّ في بكرتها بالبيت الحرام، لا تفرق لمكان صائد ولا رام، فغرّها القدر، فخرجت من الأرض المحرّمة، فأصبحت وهى جدّ مغرمة، صادها وليد في الحلّ، ما حفظ لها من إلّ، فأودعها سجنا للطير، ومنعها من كلّ مير، فإذا رأت من خصاص القفص بواكر الحمام، ظلّت تمارس جرع الحمام، تسأل بطرفها أخاها، ما فعل بعدها فرخاها؟ فيقول:
أصبحا ضائعين، قد سترهما الورق عن كلّ عين.
فريخان ينضاعان في الفجر كلّماأحسّا دويّ الرّيح أو صوت ناعب
بأشواق إلى المعيشة النّضرة، منّي إلى تلك الحضرة. ولكن صنع الزّمان ما هو صانع، واعترض دون الخير موانع. حال الغص دون القصص، والجريض دون القريض. المورد نمير أزرق، ولكن المدنف بالشراب يشرق.
لمّا رأى لبد النّسور تطايرترفع القوادم كالفقير الأعزل
/ انهض لبد، هيهات! صدّك الأبد.
ولمّا كان اليوم الذي ورد كتابه، المشتمل من حسن الظنّ بوليّه على ما لا يستوجبه، عكفت عليه الغربان مبشّرات، مثلّثات بالنعيب ومعشّرات. لو أنس إليّ ابن دأية لم أخله إن رغب في الحلي من حجل، في الرّجل، أو تقليد، يقع في الجيد، ولضمّخت جناحه مسكا وعنبرا، ولكسوته وشيا وحبرا، على أنه يختال من لون الشّبيبة، فى أجمل سبيبة.
يا غراب، لغيرك بعدها التراب! إن قضى الله نبذت لك من الطعام، إتاوة في كلّ يوم لا في كلّ عام.
كأن كتابه الشّريف قسيمة من الطيب، تضوع بالأناب القطيب، وكأنّما طرقتني منه روضة نجديّة، سقتها الأنوار الأسدية، فعمد ثراها، وأرجت رباها، وأبدى بهارها للأبصار، كدنانير ضربت قصار، وازدانت من الشّقيق، بمشبه العقيق، ولعب فيها الماء، فهي أرض وكأنّها سماء، لها من النّجم نجوم، ومن طلّ السّحر دمع مسجوم. وقد سألت من ورد إليه أن يؤنسني بتركه لديّ، كي أستمتع في ناجر، بمشاكل خبيّة الحاجر، ولأكون جليس الروضة إن لم يرها منظرا مبهجا، ساف منها عرفا متأرجا. وإنّ العامة عهدتني في صدر العمر أستصحب شيئا من أساطير الأولين فقالت عالم، والناطق بذلك هو الظالم. ورأتني مضطرا إلى القناعة فقالت زاهد، وأنا في طلب الدنيا جاهد. وزاد تقوّل القوم عليّ حتى خشيت أن أكون أحد الجهّال، الذين ورد فيهم الحديث المأثور: "إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا".
فغدوت حلس ربع، كالميّت بعد ثلاث أو سبع. وحدثت علّة كني عنها/ في المستمع، وعاقت عن الحضور في الجمع. وفي الكتاب الكريم ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اَللّهِ﴾. وإنّما ذكرت ذلك لينتهي إلى حضرة [السيّد] عزيز الدولة، [أعز الله نصره]، أنّي تخلّفت عن خدمته لمرض، منع من أداء المفترض، وإنّ الذكر ليطير للرجل وغيره الخطير. كم من شجرة شاكة ظّلها ليس برحب، وثمرها غير عذب، سمها السّمرة، وكنيتها أمّ غيلان، تذكر في آفاق البلاد، وغيرها من
أشجار الثمار إن ذكر، نكر. والإرماء، لا توجبه للشيء الأسماء. ربّ أسود كريه الرائحة يسمى كافورا وعنبرا، وقبيح الصّورة [من البشر] يدعى هلالا وقمرا. وكيف يتأدّى العلم إليّ وأنا رجل ضرير! وكفى من شرّ سماعه، ونشأت في بلد لا عالم فيه، وإنّما تشبّث النامية، بالجوازع السامية. ولم أكن صاحب ثروة فكيف الحداء بغير بعير، والإنباض مع فقد التّوتير. فإن بلغ سيّدي الشّيخ أنّ ساري اللّيل، قبض على سهيل، وأن الأرض أنبتت وشيا وحريرا، والسحاب أمطر مداما وعبيرا، فهو أعلم بردّه على المبطلين. حسب الأرض، أن تعنو بخلّة وحمض. وعادة السّحاب المرتفع في السّماء، أن يأتي بريّ الظّلماء.
والدّلجة، بلّغت إلى البلجة. لهفي على فوات هذه المنزلة! ومن للورقاء، بكوكب الخرقاء، والراقد عند الغرقد، أن يضحي مجاور الفرقد! من لا يصلح لمجالسة النّظراء، فكيف ينتدب للقاء السادات الكبراء!
لقد أسمعت لو ناديت حيّاولكن لا حياة لمن تنادي
هل آمل من الله ثوابا، وإنما [أنا] كقتلى بدر أسمع ولا أملك جوابا. ولمثل هذه الرتبة سهر من أهل العلم الساهرون. أعرض النّوافل وغاب العائم، وأومض البارق فأين الشائم. إنّ الحيّ خلوف، ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ / وعزيز الدولة/ ليس كغيره من الملوك والسادات، لأنّه يوصف بفارس من جهات: فهو فارس الأقران، من فرس الأسد، فارس على الجواد العتد، فارس من فراسة الألمعيّ، سالم من الخطل والعيّ. والإنسان يستحي من نظيره، فكيف من سيّد العصر وأميره! يا فضحة فتاة قيل إنها بيضاء، كأنّها من النّعمة ما تضمّنته الإضاء، حليمة رزان، تزين المجلس ولا تزان، حوراء غيداء، فلما كان الهداء، وجدت على خلاف ذلك، فإذا بياضها سواد رائع، والنّعمة جفاء فى الجسد ذائع، والحور زرق مباين، والغيد وقص شائن، وإذا هى سفيهة رواد، لا يشغف بودّها الفؤاد. والمثل السائر: "أن تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه".
ولست أرضى لحضرة [مولاي] الشيخ بتحيّة نصيب، لأنّه رضى بعشر تحيّات في الصبّاح، وعشر عند الرواح ووليّه يحمل إلى حضرته الجليلة تحيّة شاكر طروب، تصل شروق الشّمس بالغروب، وتكر من طلوع الشفق، إلى حين تمزّق ثياب الغسق، كلمّا اجتازت بالصّعيد الأعفر، جعلته كالهنديّ الأذفر. إن شاء الله تعالى.
وأثبتنا هذه الرسالة بجملتها لاتّساقها، واتّفاقها. وهي كبنيان لو أخذت منه لبنة لا نقضّ، وسلك لو انحلّ منه طاق لتداعى فيه النّقض، وكعقد لو انفرطت درّة منه لا رفضّ، وكصفّ لو نقل منه واحد لتخلّى عن البعض.
ومن رسالة له سماها رسالة المنيح:
إن كان للأدب نسيم يتضوّع، وللذّكاء نار تشرق وتلمع، فقد فعمنا على بعد الداّر أرج أدبه، ومحا اللّيل عنّا ذكاؤه بتلهّبه، وخوّل الأسماع شنوفا غير ذاهبة، وأطلع في سويداوات القلوب كواكب ليست بغاربة. وذلك أنّا، معشر أهل هذه البلدة، وصف لنا شرف عظيم، وألقي إلينا كتاب كريم،/ قراءته نسك، وختامه بل سائره مسك، ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ اَلْمُتَنافِسُونَ﴾. أجلّ عن التقبيل فظلاله المقبّلة، ونزّه أن يبذل فنسخه المبتذلة، وأنّه عندنا لكتاب عزيز. ولولا الإلاحة، على ما ضمن من الملاحة، والخشية على دجى مداده من التوزّع، ونهار معانيه من التشتّت والتقطّع، لعكفت عليه الأفواه باللّثم، والموارن بالانتشاء والشمّ، حتى تصير سطوره لمىّ في الشّفاه، وخيلانا على مواضع السّجود من الجباه.
منها:
موشّحا بكل شذرة أعذب من سلاف العنقود، وأحسن من الدّينار المنقود، فجاء كلوائح البروق، أو يوح عند الشّروق.
ولو أنّ شوقه إلى حضرته تمثّل فمثل، وتجسّم حتّى يتوسّم، لملأ ذات الطّول والعرض، وشغل ما بين السماء والأرض، ولم يكتف حتّى يكلّف الخطوة، أن تسع صهوة، والراحة، أن تكون مثل الساحة. وبلغ وليّه السّلام الذي لو مرّ بسلمة وارية لأغدقت، أو سلمة عارية لأورقت، فحمل فؤادي من الطّرب على روق اليعفور، بل فوق جناح العصفور، فكأنّما رفعني الفلك، أو جاءني الملك.
منها:
وكدت لولا اشتمال المخاوف على هذه المحلّة، واشتعال الضمائر فيها بقبس الغلّة، أحسب سلامه السّلام الذي ذكره البارئ جلّ اسمه في قوله: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾.
أفبلدتنا جنان، أم وضح لأهلها الغفران، أم نشروا بعد ما قبروا، أم جزوا الغرفة بما صبروا، فهم يلقّون فيها تحيّة وسلاما. وإن نالوا بمنهّ أوصاف الأتقياء الأبرار، فقد أنزلت بهم خلّة من خلال الأشقياء الكفّار، وذلك أنهم بأسد البلاغة افترسوا، وبأسبابها عقدت ألسنتهم عن الجواب فخرسوا، فكأنّما قيل لهم: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وإنّما غرقوا في لجّ التّبانة فصمتوا، وسمعوا صواعق الإبانة فخفتوا، فقلم كاتبهم/ عود الناكت، وجواب بليغهم حيرة الساكت. على أنّهم قد راموا تصريف الخطاب فصرفوا، وعرفوا مكان فضله فاعترفوا، وتراءوه من مبارك العروج، فلمحوه في مآرك البروج، واستنهضتهم الهمم إلى مداناته فعجزوا، ووعدوا هواجسهم التّبلد فأنجزوا، ولن توجد آثار النّوق، في أوكار الأنوق، فهم يتأمّلون وميضه الآلق، ويحمدون الإله الخالق، على ما منحه سيّدهم من الاقتدار، بدقيق الأفكار، على إعادة اليمّ كالغدير المسمّى بالغدر، وإلحاق السّها بالقمر ليلة البدر، ولم يزل الماشي العازم، أسرع من راكب الرّازم، فكيف بمن امتطى به عزمه كتد الرّيح، وحكم له سعده بالسّعي النجيح، وخصّه بارئه بطبع راض، صعاب الأغراض، حتّى ذللّها، وأبسّ بوحوش اللّغات فأهّلها، فصار حزن كلام العرب إذا نطق به سهلا، وركيكه إن أيّده بصنعته قويا جزلا. فمثله مثل جارسة
الكحلاء، تسمح بالمسائب الملاء، تطعم الغرب، وتجود بالضّرب، وتجني مرّ الأنوار، فيعود شهدا عند الاشتيار، وكالهواء في مذهب لا أعتقده، وقول من سواي يسدّده، يجتذب أجزاء البخار، فيسقى من تحته عذب الأمطار. ومن لنا بأنّ اللفظ المشوف، يمثّل عليه التمثيل من على الحروف، فعساها تبلّ بفقرة زاهرة، أو تظفر باستخراج لؤلؤة فاخرة. على أنّه من العناء سؤال البرم، ورياضة الهرم. وهيهات! بعدت محالّ الغفر الطّالع، عن مزالّ الغفر الظالع، وأعجز البارق، يد السارق، وجلّت الشموس، عن سكنى الرّموس، وهو - رزق لامه، ما رزق كلامه - أولى النّاس، بإضاءة النبراس.
وقد كان فيما مضى قوم جعلوا الرسائل، كالوسائل، وتزيّنوا بالسجع، تزيّن المحول بالرّجع، ما رقوا في درجته، ولا وضعوا قدما على محجّته. لكنهم تعاينوا، فما تباينوا، وتناضلوا، فلم يتفاضلوا. ولو طمعوا فى الوصول، إلى مثل هذه الفصول، لاختاروا الرّتب، على الرّتب، ورضوا اعتساف السبيل، وارتعاء الوبيل، ليدركوا بطلبهم ما أدرك عن غير جدّ، واغترفه من بديهه العدّ. وكلّهم لو شاهده لرضي بأن يدعى السّكيت في حلبة سيّدنا فيها سابق الرهان، وتمنّى أن يكون زجا في قناة هو منها موضع السنان، ولمّا وردت مع عبده موسى تلك الغرائب المؤنسة، والقلائد المنفسة، أبطلت كيد السّحار، وعصفت بهشيم الأشعار، فوجد في وطنه أشباح أوزان تتخيّل، وانقاد أذهان تتهيّل، فألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون.
شاهدناه فيما سمعناه المعنى الحصير، في الوزن القصير، كصورة كسرى فى كأس المشروب، وتمثال قيصر في الإبريز المضروب، لم يزر به ضيق الدّار، وقصر الجدار، إن تغزّل فحنين العود، أو تجزّل فهدير الرعود، وإن كان استصغر من ذلك ما استكثرناه، واستنزر من أدبه الذي استغمرناه.
منها:
وإن كان في وانية آدابنا بقيّة إرقال، ولآنية أفهامنا خفيّة صقال، فسوف تنتفع، وهو
ذريعة الانتفاع، وتضيء بما أهدى إليها من الشعاع، إضاءة الصّفر، بما قابل من النّيرات الزّهر وقد يرى خيال الجوزاء على رفعتها، في أضاة المعزاء مع ضعتها، ويورق العود، ببركة السعود، وتفيض الرّدهة، عن نوء الجبهة. ولو تفوّه بمقال جامد، وهمّ باختيال هامد، لنشرت المعّرة صحف الافتخار، وسحبت ذيل العظمة والاستكبار. عجبا أنّ فكره يلحظها لحظ الشّاهد الساهد،/ إنّما هو في الرّحيل عنها كجسم ذى روح، نقل من الغرقئ إلى اللّوح، وهى بعده كقسيمة الوسيمة، ذهب عطرها، وبقي نشرها. وإنّما شرفت على سواها، وطالت عن البلاد دون ما والاها، لإقامته في تلك الأيام، وإنامته عن أهلها نواظر أزام، فعرفت عند ذلك به، ونالت خيرها من حسبه.
وإنّما فضل الطّور بالكليم، والمقام بإبراهيم. ولقد سمونا بمجاورته، قبل محاورته، سموّ اليثربيّ، بجوار النّبي. ولعل المعرّة علمت أنّه عقد لا يصلح لمقلّدها، وسوار يرتفع لجلالته عن يدها، وتاج لا يطيق حمله مفرقها، وجونة يشرق بذرورها مشرقها. ومغانية الأولى كالشّجرة بعد اجتناء الثمرة، والصدفة بغير جوهرة.
ولم يخف علينا أنّ القمر، لم يخلق للسمر. وليس للمستعير أن يحسب العارية هبة، ولا يظن ردّها إلى المعير مثلبة، لكن شرف للصّعلوك، العارية من الملوك. وقد أفادت هذه البقعة الصّيت البعيد، وانقادت لها أزمّة الجد السعيد.
فطعن وأرجه مقيم، وارتحل وللثّناء تخييم، ولولا جفاء التّربة والأحجار، عن التخلّق بأخلاق الجار، لأصبحت ساحتها للتأدّب مختارة، والفصاحة من عند أهلها ممتارة.
ولكن أبى الجلمود، قبول الطّبع المحمود. وما همّ ابن داية، بصيد الجداية! فكيف يلتقط الفار بالمنقار، ويستر القرواح بالجناح، أم كيف يمدّ الطّراف من النّسع، ويقدّ النّجاد من الشّسع! هذا ما لا يكون، ولا تسبق إليه الظّنون.
والظّلم البيّن، والخطب الذي ليس بهينّ، تكليف القطب النابت، مداناة القطب الثابت، وإلزام نسر الحافر، مرام النّسر الطائر.
وإذا قيل فلان أديب، وفلان أريب، فإنّ اتفاق الأسماء، لا يمنع الفراق عند الرّماء.
الذّباب، سميّ طرف القرضاب، وليس كلّ مثّوب/ مبشّرا، ولا كل متثائب مؤشرا، أعرض شأو لا يتعلق بنصبه، وعنّ أمد لا يتعب في طلبه.
نام والله اللاغب، وأدلج الراغب، والعجمة أسهل من البكمة، والحبسة أقلّ ضررا من الخرسة.
ومن يجعل الرّبوة روبة، والسّبت عروبة! وضائع أداء الفروض قبل دخول الأوقات، والإحرام بعد مجاوزة الميقات، وارتياح اللاقطة [بساقطة] النّقد، كارتياح الماشطة بواسطة العقد.
منها:
فقليل العلم منهم يستطرف، ولا يكاد يعرف، كالشّنوف، على الأنوف.
وإنّما يشدو بالترنّم شاديهم، ويغدو في أولى الدّعوى غاديهم، بين أناس يقظة أحدهم أقصر من لحظته، وسنته أطول من سنته، وحلية الدواة، لديه أحلى الأدوات، وحسن اليراعة، أحسن البراعة.
وربّما جعل الخمار، على وجه الحمار. ليس الضّريع بالمرعى المريع.
إن أغفيت فالوسن يري الحلم الحسن.
هل أدبي في أدبه إلاّ كالقطرة في المطرة، والنحلة عند النخلة.
فليته اطّلع من وليّه على كنين الاعتقاد، وجنين السّواد، فيعلم أنّ الرّوع، وجوانح الضلوع، مفعمة له بالإعظام، مترعة بمحبّته إتراع الجام، لا لأنّه جعل حصاتي كثبير، وخلط
عثيري بالعبير.
أصف وكلّ وصفي صحيح، وأحلف وحلفي تسبيح.
وليس النّصر بقدم العصر.
وما جحد أحد ضحاه، ولا وحي مخلوق مثل وحاه، ولكن للمهج بالفارط لهج.
وقد أنكر من أعظم العزّى واللات، ما جاء به محمد ﷺ من الآيات.
وقد تقبل صلاة الأميّ، ويسمع دعاء الأعجميّ.
وأنا على إسهابي كخابط الظلماء، وباسط اليد الجذماء. ولو جئت من الزّرق بكّر، ما كافأت على الفريدة من الدّرّ. وليس سرب القطا وإن كثر، بمقاوم للبازي ولو لطف وصغر.
/ وأين الماء، من السماء، وموقع السّيل، من مطلع سهيل!
وتالله أساجل بثمدي بحره، ولن يهلك امرؤ عرف قدره. والسلام.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع