من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو محمد، الحسن بن علي بن وكيع التنيسي
صاحب لسان نضناض، وساحب ذيل فضفاض، وموشع برود كقطع الرياض، وموشي رقوم كالبرق في تطريز الإيماض، أو كورد خدّ استدار به آس عذار فاض، وأطلّ عليه نرجس الحدق المراض، وفدّته العيون بمثله من السواد والبياض. فضل يوجّه ما شاء من الحجّة، وينّبه من تاه على اتّباع المحجّة، وعلم لا يعيا بقطع منازع، وفهم عنده بصحّة الدليل لكلّ مجادل وازع. عارف بالأدب علما وعملا، وطائف في طرق الصناعة يسلك سبلها ذللا.
إذا ركب كلاما كان قيودا لكنّها لا تألف التعقيد، وقلائد إلاّ أنها كلّها فريد، ونجوما سعيدة وما كلّ نجم في السماء بسعيد، ودررا ما رأى الناس مثلها في بيوت قصيد، ولملكته في فنون الأدب، ونسلها إليه من كلّ حدب، واطلاعه على الأشعار وقالتها، وإحاطته منها بمعان عمه الناس في جهالتها. صنّف على شعر المتنبي كتابا سمّاه [المنصف] تكلّم فيه على سرقاته الفاضحة، ومآخذه الواضحة، ورماه بالأوابد، وأتى بنيانه من القواعد. أنبأ عن غزارة مدد، وكثرة حفظ لا يحصر بعدد. ومن وقف عليه علم بأنّ محلّ ابن وكيع كقدر البدر
في فلكه الرفيع، وأمّا نظمه فكلّه بديع، منه
قوله:
غرّد الطيّر فنبّه من نفسوأدر كأسك فالعيش خلس
سلّ سيف الفجر من غمد الدجىوتعرّى الصبح عن ثوب الغلس
وانجلى عن حلل فضيّةنالها من ظلم الليل دنس
وقوله من مزدوجة:
ما العذر في السّلوة عن غزالمنقطع الأقران والأشكال
/ تستخلف الشمس لدى الزوالضياء خدّيه على الليالي
والشكل والخفّة في الأرواحأملح ما يعشق في الملاح
من كان يهوى منظرا بلا خبرفما له أوفق من عشق القمر
وقوله من أخرى يذكر فصل الربيع:
نهاره من أحسن النهارفي غاية الإشراق والإسفار
تضحك فيه الشمس من غير عجبكأنّها في الأفق جام من ذهب
وليله مستلطف النّسيممقوّم في أحسن التّقويم
لبدره فضل على البدورفي حسن إشراق وفرط نور
كجامة البلّور في صفائهاأذابت الجراد في نقائها
كأنّه إذا دنت من نحرهجوزاؤه قبل طلوع فجره
رومّية حلّتها زرقاءفي الجيد منها درّة بيضاء
فيه يظلّ الطير في ترنّمحاذقة باللحن لم تعلّم
غناؤها ذو عجمة لا يفهمهسامعه وهو على ذا مغرمه
من كلّ دبسيّ له رنينوكلّ قمريّ له حنين
في قرطق أعجل أن يورّداخاط له الخياط طوقا أسودا
هذا وفيه للرياض منظريفشي الثرى من سرّها ما يضمر
سرّ نبات حسنه إعلانهإذا سواه زانه كتمانه
فيه ضروب للنبات الغضّيحكي لباس الجند يوم العرض
من نرجس أبيض كالثغوركأنّه مخانق الكافور
/ وروضة تزهر من بنفسجكأنّها أرض من الفيروزج
قد لبست غلالة زرقاءقد كايدت بلبسها السّماء
تبصرها كثاكل أولادهاقد لبست من حزن حدادها
يضحك فيها زهر الشقيقكأنّه مداهن العقيق
مضمّنات قطعا من السّبجفأشرقت بين احمرار ودعج
كأنّما المحمرّ في المسوّدمنه إذا لاح عيون الرّمد
وارم بعينيك إلى البهارفإنّه من أحسن الأنوار
كأنّه مداهن من عسجدقد سمّرت في قضب الزبرجد
واشرب عقارا طال فينا كونهايصفرّ من لون المزاج لونها
من كفّ ظبي من بني النصارىألبابنا في حسنه حيارى
يبدي جمالا جلّ عن أن يوصفالو أنّه رزق حريص لاكتفى
وقوله:
وانظر إلى النارنج في بهجتهيلوح في أفنان هاتيك الشّجر
مثل دبابيس نضار أحمرأو كعقيق خرطت منه أكر
كأنّ زهر الباقلاء إذ بدالناظريه أعين فيها حور
كمثل ألحاظ اليعافير إذاروّعها من قانص فرط الحذر
كأنّه مداهن من فضّةأوساطها بها من المسك أثر
كأنّه سوالف من خردّقد زينّت بياضها سود الطّرر
وقوله في الخمر:
/ خيالها جسمه لجينوجسمها شخصه نضار
كأنّها تحته كميتعليه من فضّة عذار
منها في الساقي:
كأنّ صدغا له تراهوهو على خدّه مدار
ميدان آس بدا جنيّاألهب في جانبيه نار
وقوله:
فمن نرجس لّما رأى حسن نفسهتداخله عجب بها فتبسّما
وأبدى على الورد الجنيّ تطاولافأظهر غيظ الورد في خدّه دما
وقوله:
سلا عن حبّك القلب المشوقفما يصبو إليك ولا يتوق
جفاؤك كان عنك لنا عزاءوقد يسلي عن الولد العقوق
وقوله:
أبصره عاذلي عليهولم يكن قبل ذا رآه
فقال لي: لو هويت هذاما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنهفليس أهل الهوى سواه
فظلّ من حيث ليس يدرييأمر بالحبّ من نهاه
وقوله:
إن كان قد بعد اللقاء فودّناباق ونحن على النّوى أحباب
كم قاطع للوصل يؤمن ودّهومواصل بوداده يرتاب
وقوله:
يا من إذا لاحت محاسن وجههغفرت بدائعها جميع ذنوبه
والنّجم يعلم أنّ عيني في الدّجىمعقودة بطلوعه وغروبه
وقوله:
وجلّنار بهيّضرامه يتوقّد
/ بدا لنا في غصونخضر من الريّ ميّد
يحكي فصوص عقيقفي قبّة من زبرجد
وقوله:
ازهد إذا الدنيا أنالتك المنىفهناك زهدك من فروض الدين
والزهد في الدّنيا إذا مارمتهافأبت عليك كعفّة العنّين
وقوله:
فحم شبّه الغلام وأدنىفي كوانينه حياة النفوس
كان كالأبنوس غير مجلّىفغدا وهو مذهب الأبنوس
لقّي النار في ثياب حدادفكسته مصبّغات عروس
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع