من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
القاضي أبو الحسن، علي بن عبد العزيز الجرجاني
علم منصوب يهتدي به السارون، وعلم مصبوب يجتدي منه الممتارون، ومتقدّم تمسح
هواديها من غباره المجارون. الأدب ذيل على فنون تجمّل بتيجانها، وتكمّل شانه بما تحمّل من شانها، وعلوم وزن المعارف بميزانها، واستودعها من خاطره وأحفظ خزّانها، وفصّل منها حللا خلع على الناس ما فضل من أردانها، وفضائل فضّت سحبها فملأ الفجاج بما فاض من غدرانها. البلاغة ما صاغه، والفصاحة ما أبان إيضاحه، وأطال غرره وأوضاحه، وسائر الفنون في ذهنه عجنت طينتها فاختمرت، وعن نظره أخذت بآفاق السّماء زينتها فأزهرت.
إليه يرجع إذا تشعبّت بالأقوال طرقها المبثوثة، وعليه تجتمع الآراء وكلّ قوّة مفكّرة قد مستها لوثة.
وقد أثنى عليه الثعالبي فقال: فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقه العلم، وقبّة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، ويجمع خطّ ابن مقلة إلى نثر الجاحظ، ونظم البحتري، وينظم عقده الإحسان والإتقان في كلّ ما يتعاطاه، وله يقول الصاحب:
إذا نحن سلّمنا لك العلم كلّهفدع هذه الألفاظ ننظم شذورها
وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع الأرض، وتدويخ البلاد من العراق/ والشام وغيرها، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار في العلوم علما وفي الكمال عالما انتهى ثناؤه المنصوص، وتقريظه الذي كأنّه نقش الفصوص.
وأنا ذاكر من شعره ملحا، أجيء بها على منطقة البروج مستفتحا، تحلّق بجناحي باز مطلّ وتخلّف الصّبا وراءها ذات نفس منقطع وأثر مضمحلّ. حكم تلقّفها ثّم ثقّفها ومعان اخترفها ثمّ لطّفها فيما عرّفها. رقّت مزاجا وراقت كالراح فامتزجت بالأرواح امتزاجا، بقية أسفار صقلتها صقل العيون، ونجيّة أفكار شفّت عنها مخيلات الظنون، ولولا أنّ الأدب كالدرهم والدينار لا يلتذّ به صاحبه إلاّ إذا طار لكانت هذه النفائس ممّا يضنّ به فلا تذال، وتغار عليه يدحوته فما تبذله ولو مثقالا بألف مثقال.
من ذلك قوله:
أفدي الذي قال وفي كفّهمثل الذي أشرب من فيه
الورد قد أينع في وجنتيقلت: فمي باللّثم يجنيه
وقوله:
بالله فضّ العقيق عن بردبرق أقاحيه من مدام فمه
وامسح غوالي العذار عن قمريعضّ بالورد خدّ ملتثمه
قل للسقام الذي بناظرهدعه وأشرك حشاي في سقمه
كلّ غرام تخاف فتنتهفبين ألحاظه ومبتسمه
وقوله:
قد برّح الشوق بمشتاقكفأوله أحسن أخلاقك
لا تجفه وارع له حقّهفإنّه خاتم عشّاقك
/ وقوله:
ياليت عيني تحملّت ألمكبل ليت نفسي تقسّمت سقمك
وليت كفّ الطبيب إذ فصدتعرقك أجرت من ناظريّ دمك
أعرته صبغ وجنتيك كماتعيره إن لثمت من لثمك
طرفك أمضى من حدّ مبضعهفالحظ به العرق وارتجز ألمك
وقوله:
هذا الهلال شبيهه في حسنهكيف احتيالك من تأوّد غصنه
لولا حظتك جفونها بفتورهاأقسمت أنّك ما رأيت كحسنه
وقوله:
ما بال عينيه وألحاظهدائبة تعمل في حتفي
واها لذاك الورد في خدّهلو لم يكن ممتنع القطف
أشكو إلى قلبك يا سيدّيما يشتكي قلبي من طرفي
وقوله:
انثر على خدّي من وردكودع فمي يقطف من خدّك
وارحم قضيب البان وارفق بهقد خفت أن ينقدّ من قدّك
وقل لعينيك بروحي همايخفّفان السقم عن عبدك
وقوله:
فقد جعلت نفسي تقول لمقلتيوقد قرّبوا - خوف التباعد - جودي
فليس قريبا من يخاف بعادهولا من يرجّى قربه ببعيد
وقوله:
وغنج عينيك وما أودعتأجفانها قلب شج وامق
ما خلق الرحمن تفاحتيخدّك إلاّ لفم العاشق
لكنّني أمنع منها فماحظّي إلاّ خلسة السارق
/ وقوله يمدح دائر بن يشكرور:
وقد كفاني انتجاع الغيث معرفتيبأنّ دائر لي من سيبه بدل
تجنّبت نشوات الخمر همّتهفأعلمتنا العطايا أنّه ثمل
وقوله في الصاحب بن عبّاد:
ولا ذنب للأفكار أنت تركتهاإذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها
سبقت بأفراد المعاني وألّفتخواطرك الألفاظ بعد شرادها
فإن نحن حاولنا اختراع بديعةحصلنا على معروفها ومعادها
وقوله:
لو قد تراني وقد ظفرت بهليلا وستر الظلام منسدل
وخوّصت أعين الوشاة كماجمّش معشوقه الفتى الغزل
فذاك مغف وذاك مختلطيهذي وهذا كأنّه ثمل
وقلت يا سيدي بدا علم الصبح وكاد الظلام يرتحل
فبات يشكو وبتّ أعذرهوليس إلاّ العتاب والعلل
لخلتنا ثمّ شعبتي غصنيوم صبا نلتوي ونعتدل
وقوله:
في ليال كأنهنّ أمانمن زمان كأنّه أحلام
زمن مسعد وإلف وصولومنى يستلذّها الأوهام
وقوله يذكر بغداد:
يحنّ إليها كلّ قلب كأنّماتشاد بحبات القلوب ربوعها
/ وكلّ ليالي عيشها زمن الصّباوكلّ فصول الدّهر فيها ربيعها
منها:
كأنّ خرير الماء في جنباتهارعود عليها مزنة تستريعها
إذا ضربتها الريح وانبسطت لهاملاءة زهر فصّلتها وشيعها
رأيت سيوفا بين أثناء أدرعمذهّبة تخشى العيون لموعها
فمن صبغة البدر المنير نصولهاومن نسج أنفاس الرياح دروعها
صفا عيشنا فيها وكادت لطيبهاتمازجها الأرواح لو تستطيعها
وقوله:
في كلّ يوم لعيني ما يؤرّقهامن ذكره ولقلبي ما يعذّبه
ما زال يبعدني عنه وأتبعهويستمر على ظلمي وأعتبه
حتى أوت لي النّوى من طول جفوتهوسهّلت لي سبيلا كنت أرهبه
وما البعاد دهاني بل خلائقهولا الفراق شجاني بل تجنّبه
وقوله في حسن التخلّص:
أقول وما في الأرض غير قرارةتصافح روضا حولها متقاربا
أباتت يد الأستاذ بين رياضهاتدفّق أم أهدت إليك سحائبا
أألبسها أخلاقه الغرّ فاغتدتكواكبها تجلو عليك كواعبا
أوشّت حواشيها خواطر فكرهفأبدت من الزّهر الأنيق غرائبا
أهزّ الصّبا قضبانه كاهتزازهإذا لمست كفّيه كفّك طالبا
أخالته يصبو نحوها فتزيّنتتؤمّل أن يختار منها ملاعبا
وقوله:
ولمّا تداعت للغروب شموسهموقمنا لتوديع الفريق المغرّب
/ تلقّين أطراف السجوف بمشرقلهنّ وأعطاف الخدور بمغرب
فما سرن إلاّ بين دمع مضيّعولا قمن إلاّ فوق قلب معذّب
كأنّ فؤادي قرن قابوس راعهتلاعبه بالفيلق المتأشّب
وقوله:
ليلة للعيون فيها وللأسماع ما للقلوب والآمال
نظمت لي المدام فيها الأمانيمثل نظم الأمير شمس المعالي
وقوله فى العيادة:
بعيني ما يخفي الوزير وما يبديفنورهما من فضل نعمائه عندي
لأعدي تشكّيك البلاد وأهلهاوما خلت أنّ الشكو يعدي على البعد
ولم أدر بالشكوى التي عرضت لهونعماه حتى أقبل المجد يستعدي
وما هي إلاّ من تلهّب ذهنهتوقّد حتى فاض من شدّة الوقد
وقوله من أخرى يهنؤه بالبرء:
تقسّمت العلياء جسمك كلّهفمن أين فيه للسقام نصيب
إذا ألمت نفس الوزير تألّمتلها أنفس تحيا بها وقلوب
وليس شحوبا ما أراه بوجههولكنّه في المكرمات ندوب
وقوله:
وما الشعر إلاّ ما استفزّ ممدّحاوأطرب مشتاقا وأرضى مغاضبا
أطاع فلم توجد قوافيه نفّراولم تأته الألفاظ حسرى لواغبا
وفي الناس أتباع القوافي تراهميبثّون في آثارهنّ المقانبا
/ إذا لحظوا حرف الرويّ تبادرواوقد تركوا المعنى مع اللفظ جانبا
وإن منعوا حرّ الكلام تطرقّواحواشيه فاحتالوا الضعيف المقاربا
ولكنّني أرمي بكلّ بديعةتظلّ بألباب الرجال لواعبا
تسير ولم ترحل وتدنو وقد نأتوتكسب حفّاظ الرجال المراتبا
ترى الناس إمّا مستهاما بذكرهاولوعا وإمّا مستعيرا وغاصبا
أذود لئام الناس عنها وأتّقيعلى حسبي إذ لم أصنها المعايبا
وأعضلها حتى إذا جاء كفؤهاسمحت بها مستشرفات كواعبا
وأيّ غيور لا يجيب وقد رأىمكارمك اللاتي أتين خواطبا
وقوله:
ترى كلّ بيت مستقلاّ بنفسهتباهي معانيه بألفاظه الغرّ
كأنّك إذ مرّت على فيك أفرغتثناياك في ألفاظها بهجة البشر
كفتنا حميّا الحمر رقّة لفظهاوأمّننا تهذيبها هفوة السّكر
وقوله من جواب:
تنازعها قلبي مليّا وناظريفأعطيت كلاّ من محاسنها شطرا
تضاحكنا فيها المعاني فكلّماتأملت منها لفظة خلتها ثغرا
فمن ثيّب لم تفترع غير خلسةوبكر من الألفاظ قد زوجّت بكرا
فلا تشك أحداث الزمان فإنّنيأراه بمن يشكو حوادثه مغرى
وهل نصرت من قبل شكواك فاضلافتأمل منهنّ المعونة والنّصرا
وما غلب الأيّام إلاّ مجرّبإذا غلبته غاية ألف الصبرا
/ وقوله:
يقولون لي فيك انقباض وإنّمارأوا رجلا عن موقف الذلّ أحجما
وما زلت منحازا بعرضي جانبامن الذمّ أعتدّ الصيانة مغنما
إذا قيل هذا مشرب قلت قد أرىولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظما
ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّمابدا طمع صيّرته لي سلّما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتيلأخدم من لاقيت لكن لأخدما
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهمولو عظّموه في النفوس لعظّما
ولكن أهانوه فهان ودنسّوامحيّاه بالأطماع حتى تجهّما
وقوله:
كأنّي ألاقي كلّ يوم ينوبنيبذنب وما ذنبي سوى أنّني حرّ
إذا لم يكن عند الزمان سوى الذيأضيق به ذرعا فعندي له الصّبر
وقالوا توصّل بالخضوع إلى الغنىوما علموا أنّ الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال بابان حرمّاعليّ الغنى: نفسي الأبيّة والدهر
إذا قيل: هذا اليسر أبصرت دونهمواقف خير من وقوفي بها العسر
إذا أقدموا بالوفر أقدمت قبلهمبنفس فقير كلّ أخلاقه وفر
وما ذا على مثلي إذا خضعت لهمطامعه في كفّ من حظّه التبر
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع