من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو محمد عبد الله بن محمد الفياض كاتب سيف الدولة، ونديمه
حسبنا إذا وصفناه ولو نقشنا بالأحداق في الخدود لما أنصفناه. أن نقول كاتب سيف الدولة بن حمدان، ونديم ذلك الفضل الذي ما ذهب بذهاب الزمان، والخصيص به بين أقران يكبر كلّ منهم أن يتكنّى على كيوان سيف الدولة لا يختار إلاّ الأليق بيانا، والألبق بنانا والأتمّ أخلاقا، والأعمّ وفاقا، والأغزر مادة، والأقوم جادّة.
وقد أثنى عليه الثعالبي ثناء لو رزقه البدر لما تكلّف، أو لاقى الشمس لما فارقت الدّنيا في كلّ ليلة بحالة مدنف، حيث قال فيه، ومن جاء بالمليح كيف يخفيه: معروف ببعد المدى في مضمار الأدب، وحلبة الكتابة، وأخذ بطرفي النظم والنثر، وكان سيف الدولة لا يؤثر عليه في السفارة إلى الحضرة [أحدا] لحسن عبارته، وقوة بيانه، ونفاذه في استغراق
الأغراض، وتحصيل المراد، وأنّه كان يعجن مداده بالمسك، ولا تلاق دواته إلاّ بماء الورد تفاديا من قول القائل:
دعيّ في الكتابة لا رويّله فيها يعدّ ولا بديه
كأنّ دواته من ريق فيهتلاق فريحها أبدا كريه
وإيثارا لما قال الآخر:
في كفّه مثل سنان الصعدهأرقش بزّ الأفعوان جلده
/ كأنّما النّقش إذا استمدّهغالية مدوفة بندّه
وإذ قد فرغنا من الثعالبي في قصصه، وأتينا من خبر هذا التقريظ بملخّصه، فها أنا أدير على سمعك من نطفه ما يندّي قلبك بترشّفه، وأروقك بما يشوقك من نتفه الشفّافة فما قدر السلافة وعفوه الذي حصل على صفوه ما يعول لو أخذ الليل مدادا حتى لا يجد القمر سوادا يجوب فيه الفلك تردادا، وأخلى العيون من كحلها الباصر، والأفئدة من حبّها المرعي بالخواطر، واستقطر ماء الآفاق لدواة تلاق وأخذ لها الشعور من الجور، وانتزع رمح السماك من مقلّده فبراه قلما يكتب به في يده لكان باستحقاقه ولما أنفت هذه المواد من استرقاقه، وإليك ما وعدتك به آنفا، وهجتك لاستشرافه واصفا، منه قوله:
قم فاسقني بين خفق الناي والعودولا تبع طيب موجود بمفقود
كأسا إذا أبصرت في القوم محتشماقال السرور له قم غير مطرود
نحن الشهود وخفق العود خاطبنانزوّج ابن سحاب بنت عنقود
وقوله في غلام كان يحبّه استوحش لميله إلى غلام آخر اسمه إقبال:
أنكرت إقبالي على إقبالوخشيت أن تتساويا في الحال
هيهات لا تجزع فكلّ طريفةريح تمرّ وأنت رأس المال
وقوله في مثله:
الآن تهجرني وأنت المذنبوظننت أنّك عاتب لا تعتب
وأمنت من قلبي التقلّب واثقابوفائه لك والقلوب تقلّب
/ وقوله:
وما بقيت من اللّذات إلاّمحادثة الرجال على الشراب
ولثمك وجنتي قمر منيريجول بوجهه ماء الشباب
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع