من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الأخوان أبو بكر محمد، وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم الخالديان
كانا رضيعي ندى، وصديقي صباح تبلجّ عن هدى. وفرقدي سماء، وموقدي ذكاء يقدح ضوؤه للفهماء. وعلمي ملّة من الأدب كادت تذهب، وعلمي حلّة هي الديباج الخسرواني وهي الطراز المذهّب. وشقيقين تشاطرا الألفاظ والمعاني، وتشارطا أن يطبعا الجواهر ويرفعا بها المباني، وصقرين حطّا إلى وكر، وقلبين اتّحدا في فكر.
/ وكانا كاليدين في المقاصد تعاضدا، وكالنّجدين في الرضاع/ ترادفا وكالسيف ذي الحدّين لا يعرف أيّهما أمضى مضربا، وأشدّ ساعدا، وكالمبتدأ والخبر يترافعان، وكالمسمعين يوديان إلى خاطر ما يسمعان، وكالمصراعين على باب وراء كلّ ذخيرة يجتمعان، وكالعينين في روضة يسرحان ويسخان، وكالقمرين في فلك واحد يسبحان
ويسبّحان يتباريان إلى الغاية غربا وشرقا، ويتعاوران ملاءة الحضر قوة وسبقا كالدائرة تلاقى طرفاها، وكالقوس صحّ عنقاها في يمين من براها.
وقد ذكرهما صاحب اليتيمة فقال: إن هذان لساحران يغربان بما يجلبان، ويبدعان فيما يصنعان. وكان ما يجمعهما من أخوّة الأدب مثل ما ينظمهما من أخوّة النسب، فهما في الموافقة والمساعدة يحييان بروح واحدة، ويشتركان في قرض الشعر، وينفردان، ولا يكادان في الحضر والسفر يفترقان، وكانا في التساوى كما قال أبو تمام:
رضيعي لبان شريكي عنانعتيقي رهان حليفي صفاء
بل كما قال البحتري:
كالفر قدين إذا تأمّل ناظرلم يعد موضع فرقد عن فرقد
بل كما قال أبو اسحاق الصابي فيهما:
أرى الشاعرين الخالديّين سيّراقصائد يفنى الدّهر وهي تخلّد
جواهر من أبكار لفظ وعونهيقصّر عنها راجز ومقصّد
تنازع قوم فيهما وتناقضواومرّ جدال بينهم يتردّد
فطائفة قالت: سعيد مقدّموطائفة قالت لهم: بل محمّد
وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهموما قلت إلاّ بالتي هي أرشد
/ هما في اجتماع الفضل زوج مؤلّفومعناهما من حيث يثبت مفرد
كذا فرقدا الظلماء لمّا تشاكلاعلى أشكلا هذاك أم ذاك أمجد
فزوجهما ما مثله في اتّفاقهوفردهما بين الكواكب أوحد
فقاموا على صلح وقال جميعهمرضينا وساوى فرقد الأرض فرقد
وما أعدل هذه الحكومة من أبي اسحاق، فما منهما إلاّ محسن يخطب في حبل الإبداع ما أراد، ويكاثر محاسنه وبدائعه الأفراد، وقد ذكرت ما شجر بينهما وبين السريّ من دسّ أشعارهما في شعر كشاجم. وكان أفاضل أهل الشام والعراق إذ ذاك فرقتين إحداهما في شقّ الرجحان تتعصّب عليه لهما ما رزقاه من قلوب الأكابر والملوك. والأخرى تتعصّب له عليهما. انتهى كلام الثعالبي.
وهذا وقت الإثبات لما نختار لهما من الأبيات، ونبدأ بأبي بكر كما بدأ به الثعالبي، لأنّه الأكبر، فمن شعره، وقوله:
دم المجد أجراه الطبيب وعصّبتعلى ساعد العلياء تلك العصائب
لئن لاح في عضد الأمير نجيعهغداة جرت في الطست منه سبائب
فلا غرو للصمصام أن مسّ حدّهدم وهو مصقول الغرارين قاضب
وليث الشّرى لا تنكر العين أن ترىبراثنه مخضوبة والمخالب
وقوله يصف دارا:
غدت دار الأمير كما روينامن الأخبار عن حسن الجنان
علت جدرانها حتى لقلناسيقصر عن مداها الفرقدان
وجال الطّرف في ميدان صحنيردّ الطّرف دون مداه وان
/ منها يذكر البستان:
ترى فيه حدائق ناضراتتشبههنّ أحداق الغواني
تشير إلى الصّبوح بغير طرفوتستدعي الغبوق بلا لسان
كأنّ تفتّح الخشخاش فيهعلى أوراقه الخضر اللدان
سوالف غانيات فاتناتعلت قمص الفريد الخسرواني
وصبغ شقائق النعمان تحكييواقيتا نظمن على اقتران
وأحيانا تشبهّها خدوداكستها الراح ثوبا أرجواني
على أنّا سننعت ذا وهذابنسبتهنّ ما يتغيران
هما في صحّة وبديع لفظكما قرن الجمان مع الجمان
شقائق مثل أقداح ملاءوخشخاش كفارغة القناني
ولمّا غازلتها الريح خلنابها جيشي وغى يتقابلان
غدت راياتهم بيضا وحمراتميّلها الفوارس للطعان
وللمنثور أنوار تراهاكما أبصرت أثواب القيان
تخال به ثغورا باسماتإذا ما افترّ نور الأقحوان
وآذريونه قد شبّهوهبتشبيه صحيح في المعاني
ككأس من عقيق فيه مسكوهذا الحقّ أيّد بالبيان
وقوله:
كأنّي بهم إذ خالفوا بعض أمرهوقد جمعت أعناقهم والسلاسل
وصيغت خلاخيل لهم وأساورعلى أنّ حاليها مدى الدّهر عاطل
فلا نزعت تلك الأساور عنهمولا فارقتهم في الحياة الخلاخل
/ وقوله:
ومعذورة في هجرها لجمالهاكبدر على خوط من البان مائد
أروم هواها والمشيب مخالفيوقد هجرتني والشباب مساعدي
ومن عرف الدنيا استقلّ سرورهاولو برزت من حسنها في مجاسد
منها:
صقيل حسام الفكر يلقاك رأيهلما غاب عن ألحاظه كالمشاهد
وما شهد الهيجاء إلاّ تباعدتمسافة ما بين الطّلى والسواعد
يؤازره في الرّوع قلب مشيّعومبتسم يبكي عيون العوائد
سهرت لها والنجم في الأفق نائمفهاهي كالإبريز في كفّ ناقد
بقيت كما تبقى معاليك في الورىفهنّ على الأيام غير بوائد
وقوله:
ويكشف بالآراء ما كان مشكلاولو كان في طيّ الضمير مكتّما
يرى العار أن يثني العنان عن الرّدىإذا ما ثنى الطعن الوشيج المعوّقا
يردّ غرار المشرفيّ مثلّماضرابا وصدر الراعبيّ محطمّا
ومنتقم حتى إذا ما تمكنّتيميناه من أعدائه ظلّ منعما
وقوله:
وما خلق الانسان إلاّ لينطويعليه من الأيام بؤس وأنعم
ولولا اختباري حاسدي صلت صولةتروح وماء البحر من هولها دم
ويا أيّها المستام حربي بجهلهوذو الجهل يعلو ساعة ثم يندم
إذا وصلتنا بالأمير ركابنافليس لنا عتب على الدهر يعلم
وإن نحن أعصمنا الرجال بحبلهفإنا بأمراس الكواكب نعصم
/ ومن أيّ وجه واجهته عيونناتبدّى لها بدر وبحر وضيغم
سماح بتيّار الغمام مسربلوفخر بلألاء النجوم معمّم
وشانيك يدري أنّه غير بالغمداك ولكن يرتجي ويرجّم
طما بحرك السامي عليه فلو لجاإلى الفلك الدّوار ما كان يسلم
إذا انأدّت الأرماح في هبوة الوغىغدت بك في عوج الضّلوع تقوّم
سرى قاسمتنا الأين فيها ركابناتحشّم منها مثلما تتجشّم
تجوب جبالا تبلغ الأفق رفعةومن دونها العقبان في الجوّ حوّم
إذا ما علونا فالصخور لوطئنامراق إلى الجوزاء والطّود سلّم
وقوله:
بقاع أشرقت فكأنّ فيهاوميض البرق من فرط البريق
وأودية كأنّ الزّهر فيهايواقيت تفصّل بالعقيق
لها حصباء كالكافور بثّتعلى ترب خلقن من الخلوق
وقوله:
دع العود محزونا يطيل بكاءهعلى الزقّ مذبوحا يسيل نجيعه
ويوم نأى إصباحه من مسائهغداة تدانت للضراب جموعه
إذا كان ليلا رهجه وقتامهثنتها نهارا بيضه ودروعه
جعلت لقلبي الصّبر فيه شريعةحفاظا وأطراف الرماح شروعه
سلمت لمجد دارة الشمس دارهوبين رباع الفرقدين ربوعه
وقوله:
ولقد تلقّيت الصّباح بمثلهلا بل بأشرق منه في لألائه
/ ورضيت من وصل الحبيب وبعدهبدنوّ منزله وطول جفائه
وسمعت عذل عواذلي لمّا مشىإصباح هذا الشيب في إمسائه
سأعود في غيّ الشباب وإن غدارشد المشيب مقنّعي بردائه
وقوله:
بدا فأراك الشمس في الغصن النّضروعيني مهاة الرّمل في القمر البدر
هلال دجى لولا الخلاخل في الشوّىوظبي نقى لولا المناطق في الخصر
وينظم عقد الشوق تيها ونخوةبياقوت خدّ فوق درّ من الثّغر
ومسوّد صدغ فوق محمّر وجنةترى ذاك من مسك وهاتيك من خمر
فكم يا غراما جائرا ترشق الحشابأسهم وجد من فراق ومن هجر
وقفت فؤادي بين همّ وحسرةبذكر له يجري وطيف له يسري
ويا طيف أنّى بتّ بتّ مضاجعيكأنّك ما قد سار في الأرض من ذكري
عدمتك يا من رام شعري سفاهةمتى كنت من أقران هاروت في السّحر
ودادي لهم دان وأمّا ودادهمففي عنق العنقاء أو منسر النسر
وأمسك سهم العتب بين أنامليوأغمد صمصام الملامة في صدري
وما يحسن الخلخال في الساق يدّعيبأنّ له حسن القلادة في النّحر
كأنّ القنا تلقاه من أنسه بهابتفاحتي خدّ ورمّانتي صدر
وقوله:
لفظ كخدّ يجتليمعنى كثغر يرشف
وقوله:
لا ترى رأيه يضلّ عن الرّشد ونجم الصباح كيف يضلّ
وهياج له من البيض والرّايات تحت العجاج شمس وظلّ
/ وقوله:
وأنحلني حتى لو أنّي بكفّةوظلّي بأخرى ما رجحت على ظلّي
إذا طلعت قلت الغزالة في الضّحىوإن نظرت قلت الغزالة في الرّمل
خلال يراها الطّرف حتى كأنّهامبادي نعاس ذرّ في أعين نجل
وقد هذّبته الحادثات وإنّمايبيّن إفرند الحسام على الصّقل
كذا البدر شبه للهلال ولم يزليرى في هزبر الليث شبه من الشبل
تبارك من أبداك بدرا بلا دجىوشبلا بلا غيل وغيثا بلا وحل
وقوله:
صاح غمّضت وما غممض جفنيّ الهجود
لبريق هبّ تحدوهـ بروق ورعود
مقبل يقصد أحيانا وأحيانا يحيد
زجل يحسب في قطريه غيل وأسود
علوه في النّجم لكنسفله حيث الصّعيد
فيه للأزمة والروضة وعد ووعيد
وقوله:
وليل مثل يوم البعث في العرض وفي الطول
ترى نجمه كالنّار في زهر القناديل
فعاينت به الأنجم مثل الأعين الحول
أتى الدّن بمبزالوإبريق ومنديل
منها:
فأجراها كخلخالمن الياقوت مفتول
/ مداما لا يرى طرفك منها غير تخييل
كشخص الآل لا يدرك معناه بتحصيل
يريك الصّبح في سترمن الظلماء مسدول
وقوله:
وتأتي بك الحاجات عفوا كأنّمامغالقها في راحتيك مفاتح
ودونكها أبيات شعر كأنّهاخدود الغواني فوقها المسك فائح
وقوله:
قبر تودّ العلى ضنّا بساكنهعلى الثرى أنّه فيهنّ محفور
فإن يضق فله من صدره سعةوإن دجا فله من وجهه نور
وقوله:
ترى البرّية في حالي ندى وردىيريشها وبحدّ السيف يبريها
ففرقة بمناياها مصبّحةوفرقة صدقت فيها أمانيها
كأنّه الدهر في الآمال ينشرهابين العباد وفي الأعمار يطويها
إذا الصوارم عرّتهنّ غضبتهفإنّه بنفوس الأسد كاسيها
يظلّ بالهزّ يوم الروع يضحكهاوبالدماء من الهامات يبكيها
حتى كأنّ جفون المشركين حكتطيّاتها وأعارتها مآقيها
وقوله:
يرى فيه إيماض السيوف كأنّهخدود الغواني والعجاج لها خمر
يهدّى إليه الذئب من أبعد المدىوكيف يضلّ الذئب والرائد النّسر
وقوله:
وتطمح فوّاراتها فكأنّهادموع المحبّين استهلّ همولها
/ تمدّ إلى الجوزاء أرماح مائهافتذعرها في أفقها وتهولها
وقوله:
وإن بدت الستّور لنا رأينابزاة قد قرنّ بطير ماء
وأسدا في مرابضها ظباءتقابلها على حال استواء
فلا هذا يراع لذا ولا ذايروّع ذا بجور واعتداء
كأنّ الدار مكة فهي أمنلتلك الوحش من سفك الدّماء
وقوله:
وكذا أنابيب القناة كثيرةوالموت مقصور على أنبوب
وقوله:
دعا فؤادي للأسى وحدهوفرّقا للّوم عن سائري
وقوله:
تتيه كبرا ولكنجمالها يتودّد
جفت فعالا وأمستتحلّ لينا وتعقد
وقوله:
وجاهل بالغرام قلت لهإذ قال لي ما الهوى وما فتنه
إن كنت تهوى الممات فاصب هوىفالصبّ ميت قميصه كفنه
وقوله:
ربّ يوم بوصلها ساعد الدّهر تساوى صباحه والمساء
ساعدتنا ساعاته بحديثرقّ حتى جفا إليه الهواء
وتخبّى وجه الغزالة عنّاوعلينا من الغمام خباء
منها:
ويك إنّ الحصا مقيم وما يضعنّ وهو الحياة إلاّ الماء
وقوله في القلم:
إن قيدته يد مشى ومتى خلامن قيده ظلّ الحسير المثقلا
/ يمشي بمفرقه ويعلم ما انطوىفي قلب صاحبه إذا ما أعملا
وقوله:
واستمعها أرقّ من ورق الورد وأندى من ياسمين مندّى
بمعان لو أنهنّ خدودكنّ في الحسن جلّنارا ووردا
لو هجونا بها المنون لذلّتأو مدحنا بها الزمان لأجدى
وقوله:
قام مثل الغصن الميياد في لين الشباب
يمزج الخمر لنا بالصصفو من ماء الرضاب
فكأنّ الكأس لمّاضحكت تحت الحباب
وجنة حمراء لاحتلك من تحت النّقاب
وقوله:
ألا فاسقني والليل قد غاب نورهلغيبة بدر في السماء غريق
وقد فضح الظلماء برق كأنّهفؤاد مشوق مولع بخفوق
مداما كأنّ الكفّ من طيب نشرهاوصفرتها قد خلّقت بخلوق
نعاينها نورا جلاه تجسّدونشربها نارا بغير حريق
كأنّ حباب الكأس في جنباتهاكواكب درّ في سماء عقيق
وقوله:
مطرّب الصّبح هيّج الطّرباكما قضى الليل نحبه انتحبا
مغرّد تابع الصّياح فمايدري رضى كان ذاك أم غضبا
ما تنكر الطّير أنّه ملكلها فبالتاج راح معتصبا
/ طوى الظلام البنود منصرفاحين رأى الفجر ينشر العذبا
والليل من فتكة الصّباح بهكراهب شقّ جيبه طربا
فباكر الخمرة التي تركتبنان كفّ المدير مختضبا
كأنّما صبّ في الزجاجة منلطف ومن رقّة نسيم صبا
وليس نار الهموم خامدةإلاّ بنور الكؤوس ملتهبا
يظلّ زقّ المدام ممتهناسحبا وذيل المجون منسحبا
منها في الكانون:
ومقعد لا حراك ينهضهوهو على أربع قد انتصبا
مصفر محرق تنفّسهتخاله العين عاشقا وصبا
إذا نظمنا في جيده سبجاصيّره بعد ساعة ذهبا
فما خبت نارنا ولا وقفتخيول لهو جرت بنا خببا
وساحر الطّرف لا نقاب لهإذ كان بالجلنار منتقبا
جنيت من ثغره ووجنتهبلحظ عينيّ زهرة عجبا
شقائقا مذهبا يرى خجلاوأقحوانا مفضّضا شنبا
حتى إذا ما انثنى ونشوتهقد سهّلت منه كلّ ما صعبا
غلبت صحبي عليه منفرداوهل به فاز غير من غلبا
أرشف ريقا عذب اللّمى خصراكأنّ فيه الضّريب والضّربا
وقوله:
قد ضربت خيمة الغمام لناورشّ جيش النّسيم بالمطر
/ وعندنا عاتقان حمراء كالشمس وأخرى صفراء كالقمر
مدامة كأنّ من تقادمهاعاصرها آدم أبو البشر
وبنت خدر تريك صورتهابدر الدجى جمرة بلا شرر
تسعى علينا بها الوصائف قللدن مجونا قلائد الزّهر
يا تاركا طيب يومه لغديبيع عين السرور بالأثر
وقوله:
رقّ ثوب الدّجى وطاب الهواءوتدلّت للمغرب الجوزاء
والصباح المنير قد نشرت منهـ على الأرض ريطة بيضاء
فاسقنيها حتى ترى الشمس في الغرب عليها غلالة صفراء
قد كستها الدّهور أردية الرققة حتى جفا لديها الهواء
فهي في خدّ كأسها صفرة التبروفي الخدّ وردة حمراء
سبج يستحيل منه عقيقوظلام ينسلّ منه ضياء
وقوله يذكر ديرا ورهابنة:
منادما في قلاليه رهابنةراحت خلائقهم أصفى من الراح
قد عدّلوا ثقل أديان ومعرفةفيهم بخفّة أبدان وأرواح
ووشّحوا غرر الآداب فلسفةوحكمة بعلوم ذات أوضاح
في طبّ بقراط لحن الموصليّ وفينحو المبرّد أشعار الطرماح
وكم حننت إلى حاناته وغداشوقي يكاثر أصواتا بأقداح
حتى تخمّر خمّاري بمعرفتيوحيّرت ملحي في السكر ملاّحي
/ إن تغن كأسك أكياسي فإنّ بهايفلّ جيش همومي جيش أفراحي
وان أقم سوق إطرائي فلا عجبهذا نداك إذا ما قام نوّاحي
وقوله:
بكى لي غداة البين حين رأىدمعي يفيض وحالي حال مبهوت
فدمعتي ذوب ياقوت على ذهبودمعه ذوب درّ فوق ياقوت
وقوله:
أنباك شاهد أمري عن مغيّبهوجدّ جدّ الهوى بي في تلعّبه
يا نازحا نزحت دمعي قطيعتههب لي من الدّمع ما أبكي عليك به
وقوله:
ما زاره الطّيف بعد اليوم معتمداإلاّ ليدني له الشوق الذي بعدا
كأنّما من ثناياها ومبسمهاأيدي الغمام سرقن البرق والبردا
وقوله:
حمراء حين جلتها الكأس نقّطهامزاجها بدنانير من الذّهب
كانت لها أرجل الأعلاج واترةبالدّوس فانتصفت من أرؤس العرب
يسقيكها من بني الكفّار بدر دجىألحاظه للمعاصي أوكد السّبب
يومي إليك بأطراف مطرّفةبها خضابان للعنّاب والعنب
وقوله:
أرعى النجوم كأنّها في أفقهازهر الأقاحي في رياض بنفسج
والمشتري وسط السماء تخالهوسناه مثل الزئبق المتدحرج
/ مسمار تبر أصفر ركبّتهفي فصّ خاتم فضّة فيروزج
وتمايل الجوزاء يحكي في الدجىميلان شارب قهوة لم تمزج
وتنقّبت بخفيف غيم أبيضهي فيه بين تخفّر وتبرّج
كتنفّس الحسناء في المرآة إذكملت محاسنها ولم تتزوّج
وقوله:
وسحاب يجرّ في الأرض ذيليمطرف زرّه على الجوّ زرّا
برقه لمحة ولكن له رعد بطيء يكسو المسامع وقرا
كخليّ منافق يهواهـ فهو يبكى جهرا ويضحك سرّا
وقوله:
ألست ترى الظلام وقد تولّىوعنقود الثريّا قد تدلّى
فدونك قهوة لم يبق منهاتقادم عهدها إلاّ الأقلاّ
بزلنا دنّها والليل داجفصّيرت الدّجى شمسا وظلاّ
وقوله:
يا معيري بالصدّ ثوب السقامأنت همّي في يقظتي والمنام
أنت أمنيتّي فإن رمت غمضاسلّمتك المنى إلى الأحلام
وقوله:
روحي الفداء لظاعنين رحيلهمأنكى وأفسد في القلوب وعاثا
فليقض عدّته السرور فإنّنيطلّقت بعدهم النّعيم ثلاثا
وقوله:
في كنف اللّه ظاعن ظعناأودع قلبي وداعه حزنا
لا أبصرت مقلتي محاسنهإن كنت أبصرت بعده حسنا
/ وقوله:
كأنّ خمرته إذ قام يمزجهامن خدّه اعتصرت أو من ثناياه
إذا سقتك من الممزوج راحتهكأسا سقتك كؤوس الصرف عيناه
في وجهه كلّ ريحان تراح لهمنّا قلوب وأبصار وتهواه
النرجس الغضّ عيناه وطرّتهبنفسجّ وجنيّ الورد خدّاه
وقوله:
قلت لمّا بدا الهلال لعينمنعتها من الكرى عيناكا
يا هلال السماء لولا هلال الأرض ما بتّ ساهرا أرعاكا
وقوله:
وبدر دجى يمشي به غصن رطبدنا نوره لكن تناوله صعب
إذا ما بدا أغرى به كلّ ناظركأنّ قلوب الناس في حبّه قلب
وقوله:
لا تحسبوا أنّني باغ بكم بدلاولو تمكنّت من صبري ومن جلدي
قلبي رقيب على قلبي لكم أبداوالعين عين عليه آخر الآبد
وقوله:
فديت من زرعت في القلب لحظتهصبابة وسقى بالدّمع ما زرعا
لو أنّ قلبي وفّاه محبّتهأحبّه بقلوب العالمين معا
وقوله:
كأنّما أنجم السّماء لمنيرمقها والظلام منطبق
مال بخيل يجمّعهمن كلّ وجه وليس يفترق
وقوله:
يا خليلي من عذيري من الدنيا ومن جورها عليّ وصبري
عجبا أنّني أنافس في عمران أيامها وتخرب عمري
/ وقوله:
إن خانك الدّهر فكن عائذابالبيض والظّلماء والعيس
ولا تكن عبد المنى فالمنىرؤوس أموال المفاليس
وقوله:
حور جعلن وقد رحلن وداعنابمدامع نطقت وهنّ سكوت
فعيونها سبج ونثر دموعهادرّ وحمر خدودها ياقوت
وقوله:
ما عذرنا في حبسنا الأكواباسقط النّدى وصفا الهواء وطابا
وكأنّما الصبح المنير وقد بداباز أطار من الظلام غرابا
فأدم لذاذة عيشنا بمدامةزادت على هرم الزمان شبابا
سفرت فغار حبابها من لحظنافعلا محاسنها فصار نقابا
وقوله:
والجوّ يسحب من عليل هوائهثوبا يرشّ بطلّه المترقرق
حتى رأينا الليل قوّس ظهرههرما وأثّر فيه شيب المفرق
وكأنّ ضوء البدر في باقي الدجيسيف محلّى باللجين المحرق
وقوله:
يا شبيه البدر حسناوضياء ومنالا
ونظير الغصن ليناوقواما واعتدالا
أنت مثل الورد لوناونسيما وملالا
زارنا حتى إذا ماسرّنا بالقرب زالا
وقوله:
ربّ ليل فضحته بضياء الراح حتى تركته كالنّهار
ذي سماء كخرّم ونجوممشرقات كنرجس وبهار
/ وهلال يلوح في ساعد الغرب كدلموج فضّة أو سوار
بتّ أجلو به شموس وجوهحملت في الدجى شموس عقار
وقوله:
وأغيد روّته المدامة فانثنىكما ينثني من ريّه الغصن الغضّ
دعوت إليها وهي في دعوة الكرىوقد أخذت في خلع أسودها الأرض
فقام وفي أعطافه فضل سكرةوفي عينه من ورد وجنته نفض
وقوله:
ومدامة صفراء في قارورةزرقاء تحملها يد بيضاء
فالراح شمس والحباب كواكبوالكفّ قطب والإناء سماء
وقوله:
راح كضوء الشهابسلافة الأعناب
والمزج ماء غديرصاف كماء الشباب
لو لم يكن ماء مزنلكان لمع سراب
كأنّه جسم درّعليه درع حباب
يجري خلال حصيّبيض كقطر السحاب
كأنّه الرّيق يجريعلى الثنايا العذاب
وقوله:
بأبي التي كتمت محاسنهاخوف العيون وليس تنكتم
لبست سوادا كي تعاب بهوالبدر ليس يعيبه الظّلم
وقوله:
ما صحّ علم الكيمياء لغيرهمفيمن عرفنا من جميع الناس
/ تعطيهم الأموال في بدر إذاحملوا الكلام إليك في قرطاس
وقوله:
وكبرّ حين رآك الهلالكفعلك حين رأيت الهلالا
رأى منك ما منه أبصرتههلالا تعالى ووجهها تلالا
وقوله:
وكم من عدوّ صار بعد عداوةصديقا مجلاّ في المجالس معظما
ولا غرو فالعنقود من عود كرمةيري عنبا من بعد ما كان حصرما
وقوله:
وأخ رخصت عليه حتى ملّنيوالشيء مملول إذا ما يرخص
ما في زمانك ما يعزّ وجودهإن رمته إلاّ صديق مخلص
وقوله يصف السيف:
متوقّد مترقرق عجبا لهنار وماء كيف يجتمعان
تجري مضاربه دما يوم الوغىفكأنّما حدّاه مفتصدان
وقوله:
لمّا تبدّى الكوفيّ ينشدناقلنا له طعنة وطاعونا
تجمّع يا أحمق العباد لناشعرك في برده وكانونا
وقوله في مثله:
لو أنّ فيه جمرا ثمّ أنشدناشعرا لما ضّره من برد انشاده
وأمّا شعر أبي عثمان بن سعيد فمنه قوله:
أما ترى الطلّ كيف يلمع فيعيون نور يدعو إلى الطّرب
في كلّ عين للطلّ لؤلؤةكدمعة في جفون منتحب
والصّبح قد جرّدت صوارمهوالليل قد هّم منه بالهرب
/ والجوّ في حلّة ممسّكةقد كتبتها البروق بالذهب
فهاتها كالعروس محمّرة الخدّين في معجر من الحبب
كادت تكون الهواء في أرج العنبر لو لم تكن من العنب
من كفّ راض عن الصدود وقدغضبت في حبّه على الغضب
فلو ترى الكأس حين يمزجهارأيت شيئا من أعجب العجب
نار حواها الزّجاج يلهبها الماء ودر يدور في لهب
وقوله:
والجوّ حلّته ممسسكة وطرفه معنبر
والماء عوديّ القميص وطيلسان الأرض أخضر
وقوله:
فديتك ما شبت عن كبرةوهذي سنيّ وهذا الحساب
ولكن هجرت فحلّ المشيب ولو قد وصلت لعاد الشباب
وقوله:
يسوّفني بنائلهوقد أهدى لي الأسفا
وآخذ وصله عدةويأخذ مهجتي سلفا
وقوله:
دموعي فيك أنواء غزاروقلبي ما يقرّ له قرار
وكلّ فتى علاه ثوب سقمفذاك الثوب منّي مستعار
وقوله:
وقفتني ما بين همّ وبؤسوثنّت بعد ضحكة بعبوس
إذا رأتني مشّطت عاجا بعاجوهي الأبنوس بالأبنوس
/ وقوله:
كأنّ الرّعود خلال البروق والريح تكثر تحريضها
رتوج إذا خفقت بينهادبادبها جردّت بيضها
وقوله:
يا هذه إن رحت فيخلق فما في ذاك عار
هذي المدام هي الحياة قميصها خزف وقار
وقوله:
شعر عبد السلام فيه رديّومحال وساقط وبديع
فهو مثل الزمان فيه مصيفوخريف وشتوة وربيع
وقوله:
أما ترى الغيم يا من قلبه قاسكأنّه أنا مقياسا بمقياس
قطر كدمعي وبرق مثل نار هوىفي القلب منّي مديح مثل أنفاس
وقوله:
يا نديمي اطلق الفجر فما للكأس حبس
قهوة طلعتها قبل طلوع الشمس شمس
وهي كالمريخ لكنهي سعد وهو نحس
وقوله:
يا قضيبا يميس تحت هلالوهلالا يرنو بعيني غزال
منك يا شمسنا تعلمت الشمس دنوّ السنّا وبعد المنال
وقوله:
وكساه ثوب مشيبهفي عنفوان شبابه
فتراه يؤذن في أوان مجيئه بذهابه
وقوله:
هتف الصّبح بالدّجى فاسقنيهاقهوة تترك الحليم سفيها
لست أدري لرقّة وصفاءهي في الكأس أم الكأس فيها
/ وقوله:
ظالم لي وليته الدّهر يبقى ويظلم
وصله جنّة ولكن جفاه جهّنم
ورضاه وسخطه لي عرس ومأتم
وقوله:
إنّ شهر الصّيام إذ جاء في فصل ربيع أودى بحسن وطيب
وكأنّ الورد المضعّف في الصّوم حبيب يمشي بجنب رقيب
وقوله:
كأنّما نجومهافي مغرب ومشرق
دراهم منثورةعلى بساط أزرق
وقوله:
بنفسي حبيب بان صبري ببينهوأودعني الأحزان ساعة ودّعا
وأنحلني بالهجر حتى لو انّنيقذى بين جفني أرمد ما توجّعا
وقوله:
حتى إذا ما انحلّ جيب الدّجىفينا وجيب الصّبح مزرور
جرت هنات لي أجملتهافهل لها عندك تفسير
وقوله:
معصفر التّفاح فيخدّ مليح الضّرج
جمّشه الشعر وماذاك لطول الحجج
وإنما عارضهشنّفه بالسّبج
وقوله:
وللنسيم على الغدران رفرفةيزورها فتلقّاه بأمواج
وكلّها من أزاهير النّهار علىرؤوسنا كأنو شروان في التاج
ونحن في فلك اللّهو المحيط بناكأننا في سماء ذات أبراج
وقوله:
في شمّك المسك شغل عن مذاقتهوفي سنا الشمس ما يغني عن القمر
/ لو لم أكن مشبها للناس في خلقيلقلت إنّي من جيل سوى البشر
أو لم يكن ماء علمي قاهرا فكريلأحرقتني في نيرانها فكري
تزيدني قسوة الأيام طيب ثناكأننّي المسك بين الفهر والحجر
أرى ثيابا وفي أثنائها بقربلا قرون وذا عيب على البقر
إنّي لأسير في الآفاق من مثلسار وأملأ للأبصار من قمر
إذا تشكّكت فيما أنت مبصرهفلا تقل إنني في الناس ذو بصر
وكيف يفرح إنسان بغرّتهإذا نضاها فلم تصدقه في النّظر
لقد فرحت بما عانيت من عدمخوف القبيحين من كبر ومن بطر
وربّما ابتهج الأعمى بحالتهلأنّه قد نجا من طيرة العور
ولست أبكي لشيب قد منيت بهيبكي على الشيّب من يأس على العمر
كن من صديقك لا من غيره حذراإن كان ينجيك منه شدّة الحذر
وقد نظرت إلى الدنيا بمقلتهافاستصغرتها جفوني غاية الصّغر
وما شكرت زماني وهو يصعد بيفكيف أشكره في حال منحدري
لا عار يلحقني أنّي بلا نشبوأيّ عار على عين بلا حور
وإن بلغت الذي أهوى فعن قدروإن حرمت الذي أهوى فعن عذر
وقوله:
وإذا تطلّع في مرائي فكرهلم تخف خافية على تنقيبه
فتراه يبلغ ما أراد برفقةكالفجر يبلغ ما ابتغى بدبيبه
وقوله:
والحبّ لولا جوره في حكمهما سلّم الأقوى لأمر الأضعف
/ لم يبق لي جسما ولا دمعا فقلفي مدنف يبكي بدمع مدنف
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع