من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي المعروف بالمتنبي (٢)
الصفحة ١ من ٢
منها:
والباعث الجيش قد غالت عجاجتهضوء النهار فصار الظهر كالطّفل
الجوّ أضيق ما لاقاه ساطعهاومقلة الشمس فيه أحير المقل
ينال أبعد منها وهي ناظرةفما تقابله إلاّ على وجل
يعود من كلّ فتح غير مفتخروقد أغذّ إليه غير محتفل
ولا يجير عليه الدهر بغيتهولا يحصّن درع مهجة البطل
إذا خلعت على عرض له حللاوجدتها منه في أبهى من الحلل
إنّ السعادة فيما أنت فاعلهوفّقت مرتحلا أو غير مرتحل
بذي الغباوة من إنشادها ضرركما تضرّ رياح الورد بالجعل
أجر الجياد على ما كنت مجريهاوخذ بنفسك في أخلاقك الأول
فلا هجمت بها إلاّ على ظفرولا وصلت بها إلاّ إلى أمل
وقوله يمدحه:
بالجيش تمتنع السادات كلّهموالجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
لا تعتفي بلدا مسراه عن بلدكالموت ليس به ريّ ولا شبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدواوالنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
يطمّع الطير فيهم طول أكلهمحتى يكاد على أحيائهم يقع
تغدو المنايا فلا تنفكّ واقفةحتى يقول لها عودي فتندفع
/ لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمقفليس يأكل إلاّ الميّت الضبع
تمشي الكرام على آثار غيرهموأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
منها:
من كان فوق محلّ الشمس موضعهفليس يرفعه شيء ولا يضع
ليت الملوك على الأقدار معطيةفلم يكن لدنيّ عندها طمع
لقد أباحك غشّا في معاملةمن كنت منه بغير الصدق تنتفع
الدهر معتذر والسيف منتظروأرضهم لك مصطاف ومرتبع
وقد يظنّ شجاعا من به خرقوقد يظنّ جبانا من به زمع
إنّ السلاح جميع الناس تحملهوليس كلّ ذوات المخلب السّبع
وقوله:
ولولاك لم تجر الدماء ولا اللّهىولم يك للدنيا ولا أهلها معنى
وما الخوف إلاّ ما تخوّفه الفتىوما الأمن إلاّ ما رآه الفتى أمنا
وقوله:
تقبّل أفواه الملوك بساطهويكبر عنها كمّه وبراجمه
له عسكرا خيل وطير إذا رمىبها عسكرا لم تبق إلاّ جماجمه
سحاب من العقبان يزحف تحتهاسحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
تحاربه الأعداء وهي عبادهويدخر الأموال وهي غنائمه
ويستكبرون الدّهر والدهر دونهويستعظمون الموت والموت خادمه
وما كلّ سيف يقطع الهام حدّهويقطع لزبات الزمان مكارمه
منها:
فأبصرت بدرا لا يرى البدر مثلهوخاطبت بحرا لا يرى العبر عائمه
/ فقد ملّ ضوء الصبح ممّا تغيرهوملّ سواد الليل ممّا تزاحمه
وملّ القنا ممّا تدقّ صدورهوملّ حديد الهند ممّا تلاطمه
وقوله:
خذوا ما أتاكم به واعذروافإنّ الغنيمة في العاجل
وإن كان أعجبكم عامكمفعودوا إلى حمص من قابل
فإن الحسام الخضيب الذيقتلتم به في يد القاتل
تفكّ العناة وتغني العفاةوتغفر للمذنب الجاهل
وقوله:
إذا كان مدح فالنسيب المقدّمأكلّ فصيح قال شعرا متيّم
لحبّ ابن عبد الله أولى فإنّهبه يبدأ الذكر الجميل ويختم
أطعت الغواني قبل مطمح ناظريإلى منظر يصغرن عنه ويعظم
تعرّض سيف الدولة الدهر كلّهيطبّق في أوصاله ويصمّم
فجاز له حتى على الشمس حكمهوبان له حتى على البدر ميسم
فلم يخل من نصر له من له يدولم يخل من شكر له من له فم
ولم يخل من أسمائه عود منبرولم يخل دينار ولم يخل درهم
يقرّ له بالفضل من لا يودّهويقضي له بالسعد من لا ينجّم
إذا نحن سمينّاك خلنا سيوفنامن التّيه في أغمادها تتبسّم
أخذت على الأرواح كلّ ثنيّةمن العيش يعطي من يشاء ويحرم
فلا موت إلاّ من سنانك يتّقىولا رزق إلاّ من يمينك يقسم
/ وقوله:
خليليّ إنّي لا أرى غير شاعرفكم منهم الدعوى ومنّي القصائد
فلا تعجبا إنّ السيوف كثيرةولكنّ سيف الدولة اليوم واحد
ولمّا رأيت الناس دون محلّهتيقنّت أنّ الدهر للناس ناقد
أحقّهم بالسيف من ضرب الطّلىوبالأمر من هانت عليه الشدائد
وإنّ دما أجريته بك فاخروإن فؤادا رعته لك حامد
وكلّ يرى طرق الشجاعة والندىولكنّ طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حويتهلهنّئت الدنيا بأنّك خالد
وتضحى الحصون المشمخراّت في الذرىوخيلك في أعناقهنّ قلائد
فأنت حسام الملك والله ضاربوأنت لواء الدين والله عاقد
وقوله:
رأيتك في الذين أرى ملوكاكأنّك مستقيم في محال
فإن تفق الأنام وأنت منهمفإنّ المسك بعض دم الغزال
وقوله:
تهاب سيوف الهند وهي حدائدفكيف إذا كانت نزارية عربا
ويرهب ناب الليث والليث وحدهفكيف إذا كان الليوث له صحبا
ويخش عباب البحر وهو مكانهفكيف بمن يغش البلاد إذا غبّا
هنيئا لأهل الثغر رأيك فيهموأنّك حزب الله جرت له حزبا
وأنك رعت الدهر فيها وريبهفإن شكّ فليحدث بساحتها خطبا
فيوما بخيل تطرد الروم عنهمويوما بجود تطرد الفقر والجدبا
/ كأنّ نجوم الليل خافت مغارهفمدّت عليها من عجاجته حجبا
وقوله:
قد زرته وسيوف الهند مغمدةوقد نظرت إليه والسيوف دم
فكان أحسن خلق الله كلّهموكان أحسن ما في الأحسن الشيم
فوت العدوّ الذي يممّته ظفرفي طيّه أسف في طيّه نعم
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعتلك المهابة مالا تصنع البهم
ألزمت نفسك شيئا ليس يلزمهاأن لا تواريهم أرض ولا علم
عليك هزمهم في كلّ معتركوما عليك بهم عار إذا انهزموا
وقوله:
ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملكملء الزمان وملء السهل والجبل
فنحن في جذل والروم في وجلوالبرّ في شغل والبحر في خجل
إن كنت ترضى بأن يعطوا الجزى بذلوامنها رضاك ومن للعور بالحول
والمدح لابن أبي الهيجاء ننجدهبالجاهلية عين الغيّ والخطل
ليت المدائح تستوفي مناقبهفما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت بهفي طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
وقد وجدت مكان القول ذا سعةفإن وجدت لسانا قائلا فقل
وما ثناك كلام الناس عن كرمومن يسدّ طريق العارض الهطل
لأنّ حلمك حلم لا تكلّفهليس التكحّل في العينين كالكحل
لا زلت تضرب من عاداك عن عرضبعاجل النصر في مستأخر الأجل
/ وقوله:
لقد جدت حتى جدت في كلّ ملّةوحتى أتاك الحمد من كلّ منطق
فيا أيّها المطلوب جاوره تمتنعويا أيّها المحروم يمّمه ترزق
ويا أجبن الفرسان صاحبه تجترئويا أشجع الشجعان فارقه تفرق
وقوله:
فلمّا رأوه وحده دون جيشهدروا أنّ كلّ العالمين فضول
وأنّ رماح الخطّ عنه قصيرةوأنّ حديد الهند عنه كليل
فإن تكن الأيام أبصرن صولةفقد علّم الأيام كيف تصول
فأوردهم صدر الحصان وسيفهفتى بأسه مثل العطاء جزيل
شريك المنايا والنفوس غنيمةفكلّ ممات لم يمته غلول
وقوله:
لكلّ امرئ من دهره ما تعودّاوعادات سيف الدولة الطعن في العدا
ومستكبر لم يعرف الله ساعةرأى سيفه في كفّه فتشهدّا
هو البحر غص فيه إذا كان ساكناعلى الدرّ واحذره إذا كان مزبدا
تظلّ ملوك الأرض خاضعة لهتفارقه هلكى وتلقاه سجدّا
وتحيي له المال الصوارم والقناويقتل ما يحيي التبسّم والجدّا
ذكيّ تظنّيه طليعة عينهيرى قلبه في يومه ما يرى غدا
وصول إلى المستصعبات بخيلهفلو كان قرن الشمس ماء لأوردا
يدقّ على الأفكار ما أنت فاعلفيترك ما يخفى ويؤخذ ما بدا
وقوله:
تشبيه جودك بالأمطار غاديةجود لكفّك ثان ناله المطر
/ تكسّب الشمس منك النور طالعةكما تكسب منها نوره القمر
وقوله:
أرى كلّ ذي ملك إليك مصيرهكأنّك بحر والملوك جداول
إذا مطرت منهم ومنك سحائبفوابلهم طلّ وطلّك وابل
وأسعد مشتاق وأظفر طالبهمام إلى تقبيل كفّك واصل
وقد زعموا أنّ النجوم خوالدولو حاربته ناح فيها الثواكل
وما كان أدناها له لو أرادهاوألطفها لو أنّها متناول
يدبر شرق الأرض والغرب كفّهوليس لها وقتا عن الجود شاغل
تتبّع هرّاب الرجال مرادهفمن فرّ حربا عارضته الغوائل
ومن فرّ من إحسانه حسدا لهتلقّاه منه حيثما سار نائل
وقوله:
إنّ السيوف مع الذين قلوبهمكقلوبهنّ إذا التقى الجمعان
تلقى الحسام على جراءة حدّهمثل الجبان بكفّ كلّ جبان
وقوله:
فاضح أعدائه كأنّهمله يقلّون كلّما كثروا
أعاذك الله من سهامهمومخطئ من رميّه القمر
وقوله:
جرى معك الجارون حتى إذا انتهواإلى الغاية القصوى جريت وناموا
فليس لشمس مذ أنرت إنارةوليس لبدر إذ تممت تمام
وقوله:
وأضحى بالعواصم مستقرّاوليس لبحر نائله قرار
/ تخرّ له القبائل ساجداتوتحمده الأسنّة والشّفار
وقوله:
وإذا اهتزّ للندى كان بحراوإذا اهتزّ للوغى كان نصلا
وإذا الأرض أظلمت كان شمساوإذا الأرض أمحلت كان وبلا
من تعاطى تشبّها بك أعياهـ ومن دلّ في طريقك ضلاّ
فإذا ما اشتهى خلودك داعقال لا زلت أو ترى لك مثلا
وقوله:
ملك زهت بمكانه أيامهحتى افتخرن به على الأيام
تالله ما علم امرؤ لولاكمكيف السخاء وكيف ضرب الهام
وقوله:
ألقت إليك دماء الروم طاعتهافلو دعوت بلا ضرب أجاب دم
يسابق القتل فيهم كلّ حادثةفما يصيبهم موت ولا هرم
وقد تمنّوا غداة الدرب في لجبأن يبصروك فلمّا أبصروك عموا
فكان أثبت ما فيهم جسومهميسقطن حولك والأرواح تنهزم
والشمس يعنون إلاّ أنّهم جهلواوالموت يدعون إلاّ أنّهم وهموا
لا تطلبنّ كريما بعد رؤيتهإنّ الكريم بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعرهقد أفسد القول حتى أحمد الصمم
وقوله يمدح كافورا الإخشيدي:
قواصد كافور توارك غيرهومن قصد البحر استقلّ السواقيا
فجاءت به انسان عين زمانهوخلّت بياضا خلفها ومآقيا
/ يبيد عداوات البغاء بلطفهفإن لم تبد منهم أباد الأعاديا
يدلّ بمعنى واحد كلّ فاخروقد جمع الرحمن فيك المعانيا
إذا كسب الناس المعالي بالندىفإنّك تعطي في نداك المعاليا
وتحتقر الدنيا احتقار مجرّبيرى كلّ ما فيها - وحاشاك - فانيا
وما كنت ممّن أدرك الملك بالمنىولكن بأيام أشبن النواصيا
وقوله يمدحه:
إذا منعت منك السياسة نفسهافقف وقفة قدّامه تتعلّم
يضيق على من راءه العذر أن ترىضعيف المساعي أو ضعيف التكرّم
وقوله:
وأخلاق كافور إذا شئت مدحهوإن لم أشأ تملى عليّ وأكتب
إذا ترك الإنسان أهلا وراءهويممّ كافورا فما يتغرّب
فتى يملأ الأفعال رأيا وحكمةونادرة أيّان يرضى ويغضب
منها:
إذا طلبوا جدواك أعطوا وحكّمواوإن طلبوا الفضل الذي فيك خيبّوا
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتهاولكن من الأشياء ما ليس يوهب
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدالمن بات في نعمائه يتقلّب
سللت سيوفا علّمت كلّ خاطبعلى كلّ عود كيف يدعو ويخطب
ويغنيك عمّا ينسب الناس أنّهإليك تناهى المكرمات وتنسب
وقوله:
عدوّك مذموم بكلّ لسانولو كان من أعدائك القمران
/ ولله سرّ في علاك وإنّماكلام العدى ضرب من الهذيان
أيلتمس الأعداء بعد الذي رأتقيام دليل أو وضوح بيان
رأت كلّ من يبغي لك الغدر يبتلىبغدر حياة أو بغدر زمان
قضى الله يا كافور أنّك أولوليس بقاض أن يرى لك ثان
فمالك تختار القسيّ وإنّماعن السعد يرمي دونك الثّقلان
ومالك تعنى بالأسنّة والقناوجدّك طعّان بغير سنان
ولم يحمل السيف الطويل نجادهوأنت غنيّ عنه بالحدثان
وقوله:
تجاوز قدر المدح حتى كأنّهبأحسن ما يثنى عليه يعاب
وغالبه الأعداء ثمّ عنوا لهكما غالبت بيض السيوف رقاب
وقوله في مدح فاتك:
القاتل السيف في جسم القتيل بهوللسيوف كما للناس آجال
يريك مخبره أضعاف منظرهبين الرجال وفيها الماء والآل
يروعهم منه دهر صرفه أبدامجاهر وصروف الدهر تغتال
وقوله:
عفيف يروق الشمس صورة وجههولو نزلت شوقا لحاد إلى الظّل
شجاع كأنّ الحرب عاشقة لهإذا زارها فدّته بالخيل والرجل
وريّان لا تصدى إلى الخمر نفسهوعطشان لا تروى يداه من البذل
فتى لا يرجّى أن يتم طهارةلمن لم يطهّر راحتيه من البخل
/ وفي مثل الثاني قلت من قصيدة وزدت المعنى وأحكمت للفظه بنيانا بأن جعلت الحرب تهوى بقاه، وهو بسيفه يحمي حوبّاه، وأبو الطيب حيث أطلق الفداء يجوز أن يكون غيره أنكى الأعداء، والذي قلته هذا:
يخفيه كالليل صونا رمح عسكرهوضوء صارمه كالصبح يبديه
تهوى البقاء له الهيجاء فهي بمنترديه أسيافه فى الحرب تفديه
وقوله:
أعطى الزمان فما قبلت عطاءهوأراد لي فأردت أن أتخيّرا
أرجان أيتّها الجياد فإنّهعزمي الذي يذر الوشيج مكسّرا
أمّي أبا الفضل المبّر أليّتيلأيممّنّ أجلّ بحر جوهرا
يتكسّب القصب الضعيف بخطّهشرفا على صمّ الرماح ومفخرا
ويبين فيما مسّ منه بنانهتيه المدلّ فلو مشى لتبخترا
يا من إذا ورد البلاد كتابهقبل الجيوش ثنى الجيوش تحيّرا
أنت الوحيد إذا ارتكبت طريقةومن الرديف وقد ركبت غضنفرا
قطف الرجال القول وقت نباتهوقطفت أنت القول لمّا نوّرا
فهو المشيّع بالمسامع إن مضىوهو المضاعف حسنه إن كرّرا
وإذا سكتّ فإن أبلغ خاطبقلم لك اتخّذ الأصابع منبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامهكالخطّ يملأ مسمعي من أبصرا
منها في ذكر الناقة:
فأتتك دامية الأظّل كأنّماحذيت قوائمها العقيق الأحمرا
/ بدرت إليك يد الزمان كأنّماوجدته مشغول اليدين مفكّرا
من مبلغ الأعراب أنّي بعدهاشاهدت رسطاليس والإسكندرا
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّماردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّماوأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
زحل على أنّ الكواكب قومهلو كان منك لكان أكرم معشرا
وقوله:
ومن يصحب اسم ابن العميد محمّديسر بين أنياب الأساود والأسد
كأنّا أرادت شكرنا الأرض عندهفلم يخلنا جوّ هبطناه من رفد
إذا الشرفاء البيض قتّوا بقتوهأتى نسب أعلى من الأب والجد
حشت كلّ أرض تربة في غبارهفهنّ عليه كالطرائق في البرد
فجد لي بقلب إن رحلت فإنّنيمخلّف قلبي عند من فضله عندي
وقوله في عضد الدولة:
وقد رأيت الملوك قاطبةوسرت حتى رأيت مولاها
ومن مناياهم براحتهيأمرها فيهم وينهاها
أبا شجاع بفارس عضد الدّولة فنّا خسرو وشهنشاها
أساميا لم تزده معرفةوإنّما لذّة ذكرناها
مبتسم والوجوه عابسةسلم العدى عنده كهيجاها
لا يجد الخمر في مكارمهإذا انتشى خلّة تلافاها
تشرق تيجانه بغرّتهإشراق ألفاظه بمعناها
/ دان له شرقها ومغربهاونفسه تستقلّ دنياها
تجمّعت في فؤاده هممملء فؤاد الزمان إحداها
لو كفر العالمون نعمتهلما عدت نفسه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعتمنزلة عندهم ولا جاها
وقوله فيه:
يقول بشعب بوّان حصانيأعن هذا يسار إلى الطعان
أبوكم آدم سنّ المعاصيوعلّمكم مفارقة الجنان
فقلت إذا رأيت أبا شجاعسلوت عن العباد وذا المكان
فإنّ الناس والدنيا طريقإلى من لا له في الناس ثاني
ولا تحصى فضائله بظنّولا الإخبار عنه ولا العيان
أروض الناس من ترب وخوفوأرض أبي شجاع في أمان
فلو طرحت قلوب العشق فيهالما خافت من الحدق الحسان
ولم أر قبله شبلي هزبركشبليه ولا فرسي رهان
أشدّ تنازعا لكريم أصلوأشبه منظرا بأب هجان
وأول لفظة فهما وقالاإغاثة صارخ أوفكّ عاني
وكنت الشمس تبهر كلّ عينفكيف وقد بدت معها اثنتان
فعاشا عيشة القمرين يحيابضوئهما ولا يتحاسدان
ولا ملكا سوى ملك الأعاديولا ورثا سوى من يقتلان
دعاء كالثناء بلا رياءيؤدّيه الجنان إلى الجنان
/ فلولا كونكم في الناس كانواهذاء كالكلام بلا معاني
وقوله فيه:
إن لم يكن من قبله عجزواعمّا يسوس به فقد غفلوا
حتى أتى الدنيا ابن بجدتهافشكا إليه السهل والجبل
شكوى العليل إلى الكفيل لهألاّ تمرّ بجسمه العلل
لا يستحي أحد يقال لهنضلوك آل بويه أو فضلوا
فوق السماء وفوق ما طلبوافإذا أرادوا غاية نزلوا
وقوله:
كبّرت حول ديارهم لمّا بدتمنها الشموس وليس فيها المشرق
وعجبت من أرض سحاب أكفّهممن فوقها وصخورها لا تورق
ويفوح من طيب الثناء روائحلهم بكلّ مكانة تستنشق
مسكّية النفحات إلاّ أنّهاوحشية بسواهم لا تعبق
وقوله:
إذا خلت منك حمص لا خلت أبدافلا سقاها من الوسميّ باكره
دخلتها وشعاع الشمس متّقدونور وجهك بين الخلق باهره
في فيلق من حديد لو قذفت بهصرف الزمان لما دارت دوائره
تمضي المواكب والأبصار شاخصةمنها إلى الملك الميمون طائره
قد حرن في بشر في تاجه قمرفي درعه أسد تدمى أظافره
حلو خلائقه شوس حقائقهيحصى الحصا قبل أن تحصى مآثره
/ تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبتكصدره لم تبن فيها عساكره
إذا تغلغل فكر المرء في طرقمن مجده غرقت فيه خواطره
تحمي السيوف على أعدائه معهحتى كأنهنّ بنوه أو عشائره
إذا انتضاها لحرب لم تدع جسداإلاّ وباطنه للعين ظاهره
فقد تيقّن أنّ الحقّ في يدهوقد وثقن بأنّ الله ناصره
من قال لست بخير الناس كلّهمفجهله بك عند الناس عاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسرهولا يهيضون عظما أنت جابره
وقوله:
تباعدت الآمال عن كلّ مقصدوضاق بها إلاّ إلى بابك السّبل
وحالت عطايا كفّه دون وعدهفليس له إنجاز وعد ولا مطل
وأقرب من تحديدها ردّ فائتوأيسر من إحصائها القطر والرمل
إذا قيل رفقا قال للحلم موضعوحلم الفتى في غير موضعه جهل
وما عزّه فيها مراد أرادهوإن عز إلا أن يكون له مثل
فويل لنفس حاولت منك غرّةوطوبى لعين ساعة منك لا تخلو
فما بفقير شام برقك حاجةولا في بلاد أنت صيبّها محل
وقوله:
أعطى فقلت لجوده ما يقتنىوسطا فقلت لسيفه ما يولد
وتحيّرت فيك الصفات لأنّهاألفت طرائقه عليها تبعد
في شأنه ولسانه وبنانهوجنانه عجب لمن يتفقّد
/ إنّ العطايا والرزايا والقناحلفاء طيّ غوّروا أو أنجدوا
يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكمأيحيط ما يفنى بما لا ينفد
وقوله:
يفدي بنيك عبيد الله حاسدهمبجبهة العير يفدى حافر الفرس
أبا الغطارفة الحامين جارهموتاركي الليث كلبا غير مفترس
من كلّ أبيض وضّاح عمامتهكأنّما اشتملت نورا على قبس
لو كان فيض يديه ماء غاديةعزّ القطا في الفيافي موضع اليبس
أكارم حسد الأرض السماء بهموقصرّت كلّ مصر عن طرابلس
أيّ الملوك - وهم قصدي - أحاذرهوأيّ قرن وهم سيفي وهم ترسي
وقوله:
ولو ترك الدنيا على حكم كفّهلأصبحت الدنيا وأكثرها نزر
متى ما يشر نحو السماء بوجههتخرّ له الشّعرى وينكسف البدر
له منن تغني الثناء كأنّمابه أقسمت أن لا يؤدّى لها شكر
بمن تضرب الأمثال أم من أقيسهإليك وأهل الدهر دونك والدهر
وقوله:
لمّا وزنت بك الدنيا فملت بهاوبالورى قلّ عندي كثرة العدد
ماضي الجنان يريه الحزم قبل غدبقلبه ما ترى عيناه بعد غد
ما ذا البهاء ولا ذا النور من بشرولا السماح الذي فيه سماح يد
أيّ الأكفّ يباري الغيث ما اتّفقاحتى إذا افترقا عادت ولم يعد
/ لم أجر غاية فكري منك في صفةإلاّ وجدت مداها غاية الأبد
وقوله:
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجىيرجّى الحيا منها وتخشى الصواعق
ومن تقشعرّ الأرض خوفا إذا مشىعليها وترتجّ الجبال الشواهق
كأنّك في الإعطاء للمال مبغضوفي كلّ حرب للمنّية عاشق
وقوله:
ويعرف الأمر قبل موقعهفما له بعد فعله ندم
قوم بلوغ الغلام عندهمطعن نحور الكماة لا الحلم
كأنّما يولد الندى معهملا صغر عاذر ولا هرم
تظنّ من فقدك اعتدادهمأنّهم أنعموا وما علموا
إن برقوا فالحتوف حاضرةأو نطقوا فالصواب والحكم
تشرق أعراضهم وأوجههمكأنّها في نفوسهم شيم
أعيذكم من صروف دهركمفإنّه في الكرام متّهم
وقوله:
إذا بدا حجبت عينيك بهجتهوليس يحجبه ستر إذا احتجبا
عمر العدوّ إذا لاقاه في رهجأقلّ من عمر ما يحوي إذا وهبا
/ تحلو مذاقته حتى إذا غضباحالت فلو قطرت في الماء ما شربا
وتغبط الأرض منها حيث حلّ بهوتحسد الخيل منها أيّها ركبا
منها:
مبرقعي خيلهم بالبيض متّخذيهام الكماة على أرماحهم عذبا
مراتب صعدت والفكر يتبعهافجاز وهو على آثارها الشّهب
وقوله:
تلذّ له المروءة وهي تؤذيومن يعشق يلذّ له الغرام
قبيل يحملون من المعاليكما حملت من الجسد العظام
فلو يممّتهم في الحشر تجدولأعطوك الذي صلّوا وصاموا
لقد حسنت بك الأيام حتىكأنّك في فم الزمن ابتسام
وقوله:
يقوم مقام الجيش تقطيب وجههويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
فإن نفد الإعطاء حنّت يمينهإليه حنين الإلف فارقه الإلف
وأضحى وبين الناس في كلّ سيّدمن الناس إلاّ في سيادته خلف
ولم نر شيئا يحمل العبء حملهويستصغر الدنيا ويحمله طرف
ولا حبس البحر المحيط لقاصدومن تحته فرش ومن فوقه سقف
فواعجبا منّي أحاول نعتهوقد فنيت فيه القراطيس والصّحف
وقوله:
ملك سنان قناته وبنانهيتباريان دما وعرفا ساكبا
هذا الذي أفنى النّضار مواهباوعداه قتلا والزمان تجاربا
/ كالبدر من حيث التفتّ رأيتهيهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهراجودا ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوؤهايغشى البلاد مشارقا ومغاربا
منها:
تدبير ذي حنك يفكّر في غدوهجوم غرّ لا يخاف عواقبا
خذ من ثناي عليك ما أسطيعهلا تلزمنيّ في الثناء الواجبا
فلقد دهشت لما فعلت ودونهما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
وقوله:
ألذّ من الصهباء بالماء ذكرهوأحسن من يسر تلقّاه معدم
سنيّ العطايا لو رأى نوم عينهمن اللؤم آلى أنّها لا تهّوم
وقوله:
نظمت مواهبه عليه تمائمافاعتادها فإذا سقطن تفزّعا
نفس لها خلق الزمان لأنّهمفني النفوس مفرّق ما جمعّا
ويد لها كرم الغمام لأنّهيسقي العمارة والمكان البلقعا
وقوله:
من نفعه في أن يهاج وضرّهفي تركه لو يفطن الأعداء
ونذيمهم وبهم عرفنا فضلهوبضدّها تتبيّن الأشياء
والسّلم يكسر من جناحي مالهبنواله ما تجبر الهيجاء
متفرّق الطّعمين مجتمع القوىفكأنّه السّراء والضراء
في خطّه من كلّ قلب شهوةحتى كأنّ مداده الأهواء
/ ولكلّ عين قرّة في قربهحتى كأنّ مغيبه الأقذاء
وإذا مدحت فلا لتكسب رفعةللشاكرين على الإله ثناء
لم تلق هذا الوجه شمس نهارناإلا بوجه ليس فيه حياء
لم تحك نائلك السحاب وإنّماحمّت به فصبيبها الرّحضاء
وقوله:
تجلّى لنا فأضأنا بهكأنّا نجوم لقينا سعودا
وهول كشفت ونصل قصفتورمح تركت مبادا مبيدا
ومال وهبت بلا موعدوقرن سبقت إليه الوعيدا
بهجر سيوفك أغمادهاتمنى الطّلى أن يكون الغمودا
قتلت نفوس العدى بالحديد حتى قتلت بهنّ الحديدا
وقوله:
تعرف في عينه حقائقهكأنّه بالذكاء مكتحل
أشفق عند اتّقاد فكرتهعليه منها أخاف يشتعل
أغرّ أعداؤه إذا سلموابالهرب استكثروا الذي فعلوا
إنّك من معشر إذا وهبواما دون أعمارهم فقد بخلوا
وقوله:
أغرّ مغالب كفّا وسيفاومقدرة ومحمية وآلا
وأشرف فاخر نفسا وقوماوأكرم منتم عمّا وخالا
لقد أمنت بك الإعدام نفستعدّ رجاءها إيّاك مالا
/ سرورك أن تسرّ الناس طرّاتعلّمهم عليك به الدلالا
إذا سألوا شكرتهم عليهوإن سكتوا سألتهم السؤالا
وأسعد من رأينا مستميحينيل المستماح بأن ينالا
يفارق سهمك الرجل الملاقيفراق القوس ما لاقى الرجالا
فما تقف السهام على قراركأنّ الريش تطّلب النصالا
وقوله:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا بهولقد يكون به الزمان بخيلا
ولقد عرفت وما عرفت حقيقةولقد جهلت وما جهلت خمولا
نطقت بسؤددك الحمام تغنّياوبما تجشّمها الجياد صهيلا
وقوله:
قاض إذا التبس الأمران عنّ لهرأي يفرّق بين الماء واللبن
أفعاله نسب لو لم يقل معهاجدّي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
ذا جود من ليس من دهر على ثقةوزهد من ليس من دنياه في وطن
وهذه هيئة لم يؤتها بشروذا اقتدار لسان ليس في المنن
وقوله:
علاّمة العلماء واللجّ الذيلا ينتهي ولكلّ لجّ ساحل
متشابهي ورع النفوس: كبيرهموصغيرهم عفّ الإزار حلاحل
فافخر فإنّ الناس فيك ثلاثةمستعظم أو حاسد أو جاهل
ولقد علوت فما تبالي بعدماعرفوا أيحمد أم يذمّ القائل
/ ما دار في الحنك اللسان وقلّبتقلما بأحسن من ثناك أنامل
وقوله:
خفّ الزمان على أطراف أنملهحتى توهّمن للأزمان أزمانا
يلقى الوغى والقنا والنازلات بهوالسيف والضيف رحب الباع جذلانا
تخاله من ذكاء القلب محتمياومن تكرّمه والبشر نشوانا
ما شيّد الله من مجد لسالفهمإلاّ ونحن نراه فيهم الآنا
إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوافي الخطّ واللفظ والهيجاء فرسانا
كأنّهم يردون الموت منتظمأأو ينشقون من الخطيّ ريحانا
يا صائد الجحفل المرهوب جانبهإنّ الليوث تصيد الناس وحدانا
أنت الذي سبك الأموال تكرمةثمّ اتخذت لها السؤال خزّانا
عليك منك إذا أخليت مرتقبلم يأت في السر ما لم تأت إعلانا
لا أستزيدك فيما فيك من كرمأنا الذي نمت إن نبّهت يقظانا
قد شرّف الله أرضا أنت ساكنهاوشرّف الناس إذ سوّاك إنسانا
وقوله:
عجبا له حفظ العنان بأنملما حفظها الأشياء من عاداتها
كرم تبيّن في كلامك ماثلاويبين عتق الخيل في أصواتها
أعيا زوالك عن محلّ نلتهلا تخرج الأقمار عن هالاتها
منها:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةكنت البديع الفرد من أبياتها
تلك النفوس الغالبات على العلىوالمجد يغلبها على شهواتها
/ وقوله:
وأستكبر الأخبار قبل لقائهفلمّا التقينا صغّر الخبر الخبر
ولا ينفع الإمكان لولا سخاؤهوهل نافع لولا الأكفّ القنا السمر
أزالت بك الأيام عتبي كأنّمابنوها لها ذنب وأنت لها عذر
وقوله:
أشدّ من الرماح الهوج بطشاوأسرع في الندى منها هبوبا
وقالوا ذاك أرمى من رأينافقلت رأيتم الغرض القريبا
وهل يهطي بأسهمه الرماياوما يخطي بما ظنّ الغيوبا
ألست ابن الأولى سعدوا وسادواولم يلدوا امرءا إلاّ نجيبا
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هوناوصادوا الوحش نملهم دبيبا
وما ريح الرياض لها ولكنكساها دفنهم في الترب طيبا
فلا زالت ديارك مشرقاتولا دانيت يا شمس الغروبا
لأصبح آمنا فيك الرزاياكما أنا آمن فيك العيوبا
وقوله:
وذي لجب لا ذو الجناح أمامهبناج ولا الوحش المثار بسالم
تمرّ عليه الشمس وهي ضعيفةتطالعه من بين ريش القشاعم
إذا ضؤوها لاقى من الطير فرجةتدوّر فوق البيض مثل الدراهم
هم المحسنون الكرّ في حومة الوغىوأحسن منه كرّهم في المكارم
ولولا احتقار الأسد شبهّتها بهمولكنّها معدودة في البهائم
سرى النوم مني في سراي إلى الذيصنائعه تسري إلى كلّ نائم
/ إلى مطلق الأسرى ومخترم العداومشكى ذوي الشكوى ورغم المراغم
وكان سروري لا يفي بندامتيعلى تركه في عمري المتقادم
وقوله يمدح أبا القاسم طاهر بن حسين العلوي:
كذا الفاطميون الندى في بنانهمأعزّ امّحاء من خطوط الرواجب
وما قربت أشباه قوم أباعدولا بعدت أشباه قوم أقارب
إذا علويّ لم يكن مثل طامةفما هو إلاّ حجّة للنواصب
يقولون تأثير الكواكب في الورىفما باله تأثيره في الكواكب
وحقّ له أن يسبق الناس جالساويدرك ما لم يدركوا غير طالب
ويحذى عرانين الملوك وإنّهالمن قدميه في أجلّ المراتب
يد للزمان الجمع بيني وبينهلتفريقه بيني وبين النوائب
ألا أيّها المال الذي قد أبادهتعزّ فهذا فعله بالكتائب
لعلّك في وقت شغلت فؤادهعن الجود أو أكثرت جيش محارب
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع