من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي المعروف بالمتنبي (٢)
الصفحة ٢ من ٢
وقوله:
بعثوا الرعب في قلوب الأعاديفكأنّ القتال قبل التلاقي
وتكاد الظّبا لما عوّدوهاتنتضي نفسها إلى الأعناق
كلّ ذمر يزيد في الموت حسناكبدور تمامها في المحاق
كرم خشّن الجوانب منهمفهو كالماء في الشّفار الرقاق
ومعال إذا دعاها سواهملزمته جناية السّرّاق
وقوله:
الناس ما لم يروك أشباهوالدهر لفظ وأنت معناه
/ والجود عين وفيك ناظرهاوالناس باع وفيك يمناه
سبحان من خار للكواكب فيالبعد ولو نلن كنّ جدواه
لو كان ضوء الشموس في يدهأضاعه جوده وأفناه
وقوله:
متى أحصيت فضلك في كلامفقد أحصيت حبّات الرمال
وقوله:
فإن يك سيّار بن مكرم انقضىفإنك ماء الورد إن ذهب الورد
وقوله في شريف:
قيل لي: لم تركت مدح ابن موسىوالخصال التي تجمّعن فيه
قلت: لا أهتدي لمدح إمامكان جبريل خادما لأبيه
وقوله:
وشغلت مدحي بالذي أرجوهملا نال منهم بالمدائح نائلا
وتركت مدحي للوصيّ تعمّداإذ كان نورا مستطيلا شاملا
وإذا استطال الشيء قام بذاتهوكذا صفات الشمس تذهب باطلا
وفي المراثي قوله يرثي أم سيف الدولة ابن حمدان:
نعدّ المشرفية والعواليوتقتلنا المنون بلا قتال
ونرتبط السوابق مقرباتوما ينجين من خبب الليالي
نصيبك في حياتك من حبيبنصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالارزاء حتىفؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهامتكسّرت النّصال على النّصال
/ صلاة الله خالقنا حنوطعلى الوجه المكفّن بالجمال
على المدفون قبل الترب صوناوقبل اللّحد في كرم الخلال
كأنّ الموت لم يفجع بنفسولم يخطر لمخلوق ببال
ولو كان النساء كمن فقدنالفضّلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال
منها:
يدفّن بعضنا بعضا وتمشيأواخرنا على هام الأوالي
وكم عين مقبّلة النّواحيكحيل بالجنادل والرمال
وقوله يرثي أبا الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة:
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرّملوهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
كأنّك أبصرت الذي بي وخفتهإذا عشت فاخترت الحمام على الثكل
فان تك في قبر فإنّك في الحشاوإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكى على قدر سنّهولكن على قدر المخيلة والأصل
ألست من القوم الذي من رماحهمنداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
تسلّيهم علياؤهم عن مصابهمويشغلهم كسب الثناء عن الشّغل
وما الموت إلاّ سارق دقّ شخصهيصول بلا كّف ويسعى بلا رجل
يردّ أبو الشّبل الخميس عن ابنهويسلمه عند الولادة للنمل
بنفس وليد عاد من بعد حملهإلى بطن أمّ لا تطرّق بالحمل
منها:
إذا ما تأملت الزمان وصرفهتيقنّت أنّ الموت ضرب من القتل
هل الولد المحبوب إلاّ تعلّةوهل خلوة الحسناء إلاّ لذي البعل
/ وما الدهر أهل أن يؤمّل عندهحياة وأن يشتاق فيه إلى النّسل
وما تسع الأيام علمي بأمرهاولا تحسن الأيام تكتب ما أملي
وقوله يرثي مملوك سيف الدولة:
ومن سرّ أهل الأرض ثم بكى أسىبكى بعيون سرّها وقلوب
وقد فارق الناس الأحبّة قبلناوأعيا دواء الموت كلّ طبيب
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلهامنعنا بها من جيئة وذهوب
ولا فضل فيها للشجاعة والندىوصبر الفتى لولا لقاء شعوب
وكنت إذا أبصرته لك قائمانظرت إلى ذي لبدتين أديب
وما كلّ وجه أبيض بمباركولا كلّ جفن ضيّق بنجيب
لئن ظهرت فينا عليه كآبةلقد ظهرت في حدّ كلّ قضيب
وفي كلّ قوس يوم كلّ تناضلوفي كلّ طرف كلّ يوم ركوب
كأنّ الردى عاد على كلّ ماجدإذا لم يعوّد مجده بعيوب
ولولا أيادي الدهر في الجمع بينناغفلنا فلم نشعر له بذنوب
وقوله يرثي أخت سيف الدولة:
فإن تكن خلقت أنثى فقد خلقتكريمة غير أنثى العقل والحسب
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرهافإنّ في الخمر معنى ليس في العنب
فليت طالعة الشمسين غائبةوليت غائبة الشمسين لم تغب
وليت عين التي آب النهار بهافداء عين التي زالت ولم تؤب
/ فما ذكرت جميلا من صنائعهاإلاّ بكيت ولا ودّ بلا سبب
قد كان كلّ حجاب دون رؤيتهافما قنعت لها يا أرض بالحجب
ولا رأيت عيون الأنس تدركهافهل حسدت عليها أعين الشهب
يا أحسن الصبر زر أولى القلوب بهاوقل لصاحبه يا أنفع السحب
وأكرم الناس لا مستثنيا احدامن الكرام سوى آبائك النجب
قد كان قاسمك الشخصين دهرهماوعاش درّهما المفديّ بالذهب
وعاد في طلب المتروك تاركهإنّا لنغفل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتا كان بينهماكأنّه الوقت بين الورد والقرب
منها:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهمإلاّ على شجب والخلف في الشّجب
فقيل: تخلص نفس المرء سالمةوقيل تشرك جسم المرء في العطب
ومن يفكّر في الدنيا ومهجتهأقامه الفكر بين العجز والعجب
وقوله:
لأيّ صروف الدهر فيه نعاتبوايّ رزاياه بوتر نطالب
مضى من فقدنا صبرنا عند فقدهوقد كان يعطي الصبر والصبر عازب
يرون الأعادي في سماء عجاجهأسنّتها في جانبيها الكواكب
فتسفر عنه والسيوف كأنّمامضاربها ممّا انفللن ضرائب
طلعن شموسا والغمود مشارقلهنّ وهامات الرجال مغارب
مصائب شتى جمّعت في مصيبةولم يكفها حتى قفتها مصائب
ألا إنّما كانت وفاة محمددليلا على أن ليس للّه غالب
/ وقوله:
إنّي لأعلم واللبيب خبيرأنّ الحياة وإن حرصت غرور
ورأيت كلاّ ما يعلّل نفسهبتعلّة وإلى الفناء يصير
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرىأنّ الكواكب في التراب تغور
ما كنت آمل قبل نفسك أن أرىرضوى على أيدي الرجال تسير
منها:
والشمس في كبد السماء مريضةوالأرض واجفة تكاد تمور
حتى ثوى جدثا كأنّ ضريحهفي قلب كلّ موحّد محفور
كفل الثناء له بردّ حياتهلما انطوى فكأنّه منشور
غاضت أنامله فهنّ بحوروخبت مكائده فهنّ سعير
نفر إذا غابت غمود سيوفهمعنها فآجال العباد حضور
تدمي خدودهم الدموع وتنقضيساعات ليلهم وهنّ دهور
أبناء عّم كلّ ذنب لا مرئإلاّ السعاية بينهم مغفور
وقوله يرثي جدّته لأمّه وقد ماتت فرحا حين وصل كتابه إليها:
إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتىيعود كما أبدى ويكري كما أرمى
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنافلمّا دهتنا لم تزدني بها علما
وما الجمع بين الماء والنار في يديبأصعب من أن أجمع الجدّ والفهما
أحنّ إلى الكأس التي شربت بهاوأهوى لمثواها التراب وما ضمّا
بكيت عليها خيفة في حياتهاوذاق كلانا فقد صاحبه قدما
ولم يسلها إلاّ المنايا وإنّماأشدّ من السّقم الذي أذهب السّقما
وكنت قبيل الموت استعظم النوىفقد صارت الصغرى التي كانت العظمى
/ وما انسدّت الدنيا عليّ لضيقهاولكنّ طرفا لا أراك به أعمى
ولو لم تكوني بنت أكرم والدلكان أباك الضخم كونك لي أمّا
لئن لذّ يوم الشامتين بيومهالقد ولدت منّي لأنفهم رغما
هبيني أخذت الثأر فيك من العدافكيف بأخذ الثأر فيك من الحمّى
وقوله:
فإن يك انسانا مضى لسبيلهفإنّ المنايا غاية الحيوان
ولو سلكت طرق السلاح لردّهابطول يمين واتساع جنان
وهل ينفع الجيش الكثير التفافهعلى غير منصور وغير معان
وقوله في رثاء فاتك:
الحزن يقلق والتجمّل يردعوالدمع بينهما عصيّ طيّع
يتنازعون دموع عين مسّهدهذا يجيء بها وهذا يرجع
النوم بعد أبي شجاع نافروالليل معي والكواكب ظلّع
المجد أخسر والمكارم صفقةمن أن يعيش لها الهمام الأروع
برّد حشاي إن استطعت بلفظةفلقد تضرّ إذا تشاء وتنفع
ما زلت تدفع كلّ أمر فادححتى أتى الأمر الذي لا يدفع
فظللت تنظر لا رماحك شرّعفيما عراك ولا سيوفك قطّع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثريبكي ومن شرّ السلاح الأدمع
واذا حصلت من السلاح على البكافحشاك رعت به وخدّك تقرع
من للمحافل والجحافل والسّرىفقدت بفقدك نيّرا لا يطلع
/ ومن اتّخذت على الضيوف خليفةضاعوا ومثلك لا يكاد يضيّع
قد كان أسرع فارس في طعنةفرسا ولكنّ المنية أسرع
لا قلّبت أيدي الفوارس بعدهرمحا ولا حملت جوادا أربع
وقوله يرثي عمّه عضد الدولة:
لا بدّ للإنسان من ضجعةلا تقلب المضجع عن جنبه
ينسى بها ما كان من عجبهوما أذاق الموت من كربه
نحن بنو الدنيا فما بالنانعاف ما لابدّ من شربه
تبخل أيدينا بأرواحناعلى زمان هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوّهوهذه الأجسام من تربه
لو فكّر العاشق في منتهىعشق الذي يسبيه لم يسبه
لم ير قرن الشمس في شرقهفشّكت الأنفس في غربه
يموت راعي الضأن في جهلهموتة جالينوس في طبّه
وربّما زاد على عمرهوزاد في الأمن على سربه
وغاية المفرط في سلمهكغاية المفرط في حربه
فلا قضى حاجته طالبفؤاده يخفق من رعبه
أستغفر الله لشخص مضىكان نداه منتهى ذنبه
وكان من حدّد إحسانهكأنّه أسرف في سبّه
يريد من حبّ العلى عيشةولا يزيد العيش من حبّه
/ يحسبه دافنه وحدهومجده في القبر من صحبه
وقوله: وليست من المراثي ولكنها تناسبها:
وقد صارت الأجفان قرحى من البكاوصار بهارا في الخدود الشقائق
على ذا مضى الناس اجتماع وفرقةوميت ومولود وقال ووامق
منها:
تخلّى من الدنيا لينسى فما خلتمغاربها من ذكره والمشارق
وفي العتاب قوله:
واحرّ قلباه ممّن قلبه شبمومن بجسمي وحالي عنده سقم
مالي أكتّم حبّا قد برى جسديويدّعي حبّ سيف الدولة الأمم
إن كان يجمعنا حبّ لغرّتهفليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم
يا أعدل الناس إلاّ في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقةأن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظّلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم
وجاهل مدّه في جهله ضحكيحتى أتته يد فرّاسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزةفلا تظنّن أنّ الليث مبتسم
فالخيل والليل والبيداء تشهد ليوالحرب والضرب [والقرطاس والقلم]
يا من يعزّ علينا أن نفارقهموجداننا كلّ شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةلو انّ أمركم من أمرنا أمم
إن كان سرّكم ما قال حاسدنافما بجرح إذا ارضاكم ألم
/ وبيننا لو رعيتم ذاك معرفةإنّ المعارف في أهل النّهى ذمم
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكمويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفيأنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقهيزيلهنّ إلى من عنده الدّيم
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدرواأن لا تفارقهم فالراحلون هم
شرّ البلاد مكان لا صديق بهوشرّ ما يكسب الانسان ما يصم
وشرّ ما قنصته راحتي قنصشهب البزاة سواء فيه والرّخم
هذا عتابك إلاّ أنّه مقةقد ضمّن الدر إلاّ أنّه كلم
وقوله يعاتبه:
فارقتكم فإذا ما كان عندكمقبل الفراق اذى بعد الفراق يد
إذا تذكّرت ما بيني وبينكمأعان قلبي على الشوق الذي أجد
وقوله يعاتب أصحاب سيف الدولة:
يا من نعيت على بعد بمجلسهكلّ بما زعم الناعون مرتهن
ما في هوادجكم من مهجتي عوضإن متّ شوقا ولا فيها لها ثمن
رأيتكم لا يصون العرض جاركمولا يدرّ على مرعاكم اللبن
جزاء كلّ قريب منكم مللوحظّ كلّ محبّ منكم ضغن
وتغضبون على من نال رفدكمحتى يعاقبه التنغيص والمنن
سهرت بعد رحيلي وحشة لكمثم استمرّ مريدي وارعوى الوسن
وإن بليت بودّ مثل ودّكمفإنّني بفراق مثله قمن
/ وقوله يخاطب كافورا:
إذا سرنا عن الفسطاط يومافلقّني الفوارس والرجالا
لتعلم قدر ما فارقت منّيوأنّك رمت من ضيمي محالا
وقوله حين وضع عليه غلمان أبي العشائر النشاب فلمّا كرّ عليهم انتسبوا إليه:
ومنتسب عندي إلى من أحبّهوللنّبل حولي من يديه حفيف
فهيّج من شوقي وما من مذلّةحننت ولكنّ الكريم ألوف
وكلّ وداد لا يدوم على الأذىدوام ودادي للحسين ضعيف
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدافأفعاله اللائي سررن ألوف
ونفسي له نفس الفداء لنفسهولكنّ بعض المالكين عنيف
وقوله:
يخفي العداوة وهي غير خفيّةنظر العدوّ بما يسرّ يبوح
وفي الاعتذار قوله يخاطب سيف الدولة:
وقد كان يدني مجلسي في سمائهأحادث فيها بدرها والكواكبا
حنانيك مسئولا ولبّيك داعياوحسبي موهوبا وحسبك واهبا
وإن كان ذنبي كلّ ذنب فإنّهمحا الذنب كلّ الذنب من جاء تائبا
وقوله:
يا أيها المحسن المشكور من جهتيوالشكر من قبل الإحسان لا قبلي
ما كان يومي إلاّ فوق معرفتيبأنّ رأيك لا يؤتى من الزلل
لعلّ عتبك محمود عواقبهوربّما صحّت الأجسام بالعلل
/ ولا سمعت ولا غيري بمقتدرأذبّ منك لقول الزور عن رجل
وقوله يخاطبه:
أرى ذلك القرب صار ازوراراوصار طويل الكلام اختصارا
تركتني اليوم في خجلةأموت مرارا وأحيا مرارا
أسارقك اللّحظ مستحيياوأزجر في الخيل مهري سرارا
وأعلم أنّي إذا ما اعتذرتأراد اعتذاري إليك اعتذارا
كفرت مكارمك الباهرات إن كان ذلك منّي اختيارا
فلا تلزمنّي ذنوب الزمانإليّ أساء وإيايّ ضارا
وعندي لك الشرّد السائرات لا يختصصن من الأرض دارا
فإنّي إذا سرن من مقوليوثبن الجبال وخضن البحارا
ولي فيك ما لم يقل قائلوما لم يسر قمر حيث سارا
فلو خلق الناس من دهرهملكانوا الظلام وكنت النهارا
سما بك همّي فوق الهمومفلست أعدّ يسارا يسارا
ومن كنت بحرا له يا عليّلم يقبل الدّرّ إلاّ كبارا
وقوله يخاطبه:
بأدنى ابتسام منك تحيا القرائحوتقوى من الجسم الضعيف الجوارح
ومن ذا الذي يقضي حقوقك كلّهاومن ذا الذي يرضى سوى من تسامح
وقد تقبل العذر الخفيّ تكرّمافما بال عذري واقفا وهو واضح
وما كان ترك الشعر إلاّ لأنّهتقصّر عن وصف الأمير المدائح
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع