من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي المعروف بالمتنبي (٣)
/ وقوله يخاطب ابن العميد:
ربّ ما لا يعبّر اللفظ عنهوالذي يضمر الفؤاد اعتقاده
إنّ في الموج للغريق لعذراواضحا أن يفوته تعداده
ما سمعنا بمن أحبّ العطايافاشتهى أن يكون فيها فؤاده
وهجي الحسين بن اسحاق التنوخي على لسانه فكتب إليه يعاتبه فأجابه أبو الطيب بقوله من أبيات:
أتنكر يا ابن اسحاق إخائيوتحسب ماء غيري من إنائي
أأنطق فيك هجرا بعد علميبأنّك خير من تحت السماء
وهبني قلت هذا الصبح ليلأيعمى العالمون عن الضياء
وأنّ من العجائب أن ترانيفتعدل بي أقلّ من الهباء
وتنكر موتهم وأنا سهيلطلعت بموت أولاد الزناء
وقوله يخاطب بدر بن عمّار حين تخلّف عنه:
فاغفر فديتك واحبني من بعدهالتخّصني بعطيّة منها أنا
وانه المشير عليك فيّ بضلّةفالحرّ ممتحن بأولاد الزنا
ومكائد السفهاء واقعة بهموعداوة الشعراء بئس المقتنى
غضب الحسود إذا لقيتك راضيارزء أخفّ عليّ من أن يوزنا
في الاستعطاف قوله يخاطب سيف الدولة في بني كلاب:
بغيرك راعيا عبث الذئابوغيرك صارما ثلم الضّراب
ترفّق أيّها المولى عليهمفإنّ الرفق بالجاني عتاب
/ وأنّهم عبيدك حيث كانواإذا تدعو لحادثة أجابوا
وكيف يتمّ بأسك في أناستصيبهم فيؤلمك المصاب
وعين المخطئين هم وليسوابأوّل معشر خطئوا فتابوا
وأنت حياتهم غضبت عليهموهجر حياتهم لهم عقاب
وما جهلت أياديك البواديولكن ربّما خفي الصواب
وكم ذنب مولّده دلالوكم بعد مولّده اقتراب
وجرم جرّه سفهاء قومفحلّ بغير جانيه العقاب
وما تركوك معصية ولكنيعاف الورد والموت الشراب
فإن هابوا بجرمهم عليّافقد يرجو عليّا من يهاب
ولو غير الأمير غزا كلاباثناه عن شموسهم الضباب
ولكن ربّهم أسرى إليهمفما نفع الوقوف ولا الذهاب
ولا ليل أجنّ ولا نهارولا خيل حملن ولا ركاب
فمسّاهم وبسطهم حريروصبّحهم وبسطهم تراب
ومن في كفهّ منهم قناةكمن في كفّه منهم خضاب
إذا ما سرت في آثار قومتخاذلت الجماجم والرقاب
طلبتهم على الأمواه حتىتخوّف أن تفتّشه السحاب
بنو قتلى أبيك بأرض نجدومن أبقى وأبقته الحراب
عفا عنهم وأعتقهم صغاراوفي أعناق أكثرهم سخاب
وكلّكم أتى مأتى أبيهوكلّ فعال كلكّم عجاب
/ كذا فليسر من طلب الأعاديومثل سراك فليكن الطلاب
وقوله يخاطبه:
ودانت له الدنيا فأصبح جالساوأيّامها فيما يريد قيام
فتى يتبع الأزمان في الناس خطوهلكلّ زمان في يديه زمام
وما تنفع الخيل الكرام ولا القناإذا لم يكن فوق الكرام كرام
فإن كنت لا تعطي الزمان طواعةفعوذ الأعادي بالكريم ذمام
وإنّ نفوسا يممّتك منيعةوإنّ دماء يممّتك حرام
إذا خاف ملك من مليك أجرتهوسيفك خافوا والجوار تسام
فلو كان صلحا لم يكن بشفاعةولكنّه ذلّ لهم وغرام
على وجهك الميمون في كلّ غارةصلاة توالي منهم وسلام
وقوله يخاطبه:
طوال قنا تطاعنها قصاروقطرك في ندى ووغى بحار
وفيك إذا جنى الجاني أناةتظنّ كرامة وهي احتقار
وما انقادت لغيرك في زمانفتدري ما المقادة والصّغار
فلزّهم القتال إلى طرادأحدّ سلاحهم فيه الفرار
مضوا متسابقي الأعضاء فيهملأرؤسهم بأرجلهم عثار
إذا صرف النهار الضوء عنهمدجا ليلان: ليل والغبار
وإن جنح الظلام انجاب عنهمأضاء المشرفية والنهار
يرون الموت قدّاما وخلفافيختارون والموت اضطرار
/ فلو لم تبق لم تعش البقاياوفي الماضي لمن بقي اعتبار
لعلّ بنيهم لبنيك جندّفأول قرّح الخيل المهار
وما في سطوة الأرباب عيبولا في ذلّة العبدان عار
في الاستجداء، والتقاضي قوله:
شكر العفاة لما أوليت أوجدنيإلى نداك طريق العرف مسلوكا
ما زلت تتبع ما تولي يدا بيدحتى ظننت حياتي من حياتيكا
وقوله:
يا ذا الذي يهب الكثير وعندهأنّي عليه بأخذه أتصدّق
أمطر عليّ سحاب جودك ثرّةوانظر إليّ برحمة لا أغرق
وقوله:
أنصر بجودك ألفاظا تركت بهافي الشرق والغرب من عاداك مبهوتا
فقد نظرتك حتى عاد مرتحلوذا الوداع فكن أهلا لما شيتا
وقوله:
لك الخير غيري رام من غيرك الغنىوغيري بغير اللاذقية لا حق
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
وقوله:
وثقنا بأن تعطي فلو لم تجد لنالخلناك قد أعطيت من شدّة الوهم
وأطمعتني في نيل ما لا أنالهفما زلت حتى صرت أطمع في النجم
وقوله:
ومن البرّ بطء سيبك عنّيأسرع السحب في المسير الجهام
/ وقوله:
وربّما فارق الانسان مهجتهيوم الوغى غير قال خشية العار
وقد منيت بحسّاد أحاربهمفاجعل نداك عليهم بعض أنصاري
وقوله:
وجدت أنفع مال كنت أذخرهما في السوابق من جري وتقريب
وكيف أكفر يا كافور نعمتهاوقد بلغنك بي يا خير مطلوب
يا أيها الملك الغاني بتسميةفي الشرق والغرب عن وصف وتلقيب
أنت الحبيب ولكنّي ألوذ بهمن أن أكون محبّا غير محبوب
وقوله:
أزل حسد الحسّاد عنّي بكبتهمفأنت الذي صيّرتهم لي حسّدا
إذا شدّ أزري حسن رأيك في يديضربت بنصل يقطع الهام مغمدا
وما أنا إلاّ سمهريّ حملتهفزيّن معروضا وراع مسدّدا
وما الدهر إلاّ من رواة قصائديإذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمّراوغنّى به من لا يغنّي مغرّدا
أجزني إذا أنشدت شعرا فإنّمابشعري أتاك المادحون مردّدا
ودع كلّ صوت بعد صوتي فإنّنيأنا الصائح المحكيّ والآخر الصدى
تركت السّرى خلفي لمن قلّ مالهوأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيّدت نفسي في ذراك محبّةومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا
إذا سأل الإنسان أيّامه الغنىوأنت على بعد جعلتك موعدا
وقوله:
وأمضى سلاح قلّد المرء نفسهرجاء أبي المسك الكريم وقصده
/ هما ناصرا من خانه كلّ ناصروأسرة من لم يكثر النّسل جدّه
أنا اليوم من غلمانه في عشيرةلنا والد منه يفدّيه ولده
فمن ماله مال الكبير ونفسهومن ماله درّ الصغير ومهده
تولّى الصّبا عني فأخلفت طيبهوما ضرّني لمّا رأيتك فقده
لقد شبّ في هذا الزمان كهولهلديك وشابت عند غيرك مرده
فكن في اصطناعي محسنا كمجرّبيبن لك تقريب الجواد وشدّه
إذا كنت في شك من السيف فابلهفاما تنفّيه وإما يقدّه
وما الصارم الهنديّ إلاّ كغيرهإذا لم يفارقه النّجاد وغمده
وكلّ نوال كان أو هو كائنفلحظة طرف منك عندي ندّه
وإنّي لفي بحر من الخير أصلهعطاياك أرجو مدّها وهي مدّه
وما رغبتي في عسجد أستفيدهولكنّها في مفخر استجدّه
فإنّك ما مرّ النحوس بكوكبوقابلته إلاّ ووجهك سعده
وقوله:
رضيت بما ترضى به لي محبّةوقدت إليك النّفس قود المسلّم
ومثلك من كان الوسيط فؤادهفكلّمه عنّي ولم أتكلّم
وقوله:
أبا المسك هل في الكأس فضل أنا لهفإنّي أغنّي منذ حين وتشرب
وهبت على مقدار كفّي زمانناونفسي على مقدار كفّيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولايةفجودك يكسوني وشغلك يسلب
/ منها:
ولكنّه طال الطريق ولم أزلأفتش عن هذا الكلام وينهب
فشرّق حتى ليس للشرق مشرقوغرّب حتى ليس للغرب مغرب
إذا قلته لم يمتنع من وصولهجدار معلّى أو خباء مطنّب
وقوله:
يا رجاء العيون في كلّ أرضلم يكن غير أن أراك رجائي
فارم بي ما أردت منّي فإنّيأسد القلب آدمي الرّواء
وفؤادي من الملوك وإن كانلساني يرى من الشعراء
وقوله:
أرد لي جميلا جدت أو لم تجد بهفإنّك ما أحببت فيّ أتاني
لو الفلك الدوّار أبغضت سعيهلعوّقه شيء عن الدوران
وقوله:
أيا أسدا في جسمه روح ضيغموكم أسد أرواحهنّ كلاب
ويا آخذا من دهره حقّ نفسهومثلك يعطى حقّه ويهاب
لنا عند هذا الدهر حقّ يلطّهوقد قلّ إعتاب وطال عتاب
وقد تحدث الأيام عندك شيمةوتنعمر الأوقات وهي يباب
أرى لي بقربي منك عينا قريرةوإن كان قربا بالبعاد يشاب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بينناودون الذي أمّلت منك حجاب
أقلّ سلامي حبّ ما خفّ عنكموأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النّفس حاجات وفيك فطانةسكوتي بيان عندها وخطاب
وما أنا بالباغي على الحبّ رشوةضعيف هوى يبغى عليه ثواب
/ وما شئت إلاّ أن أذلّ عواذليعلى أنّ رأيي في هواك صواب
وأعلم قوما خالفوني فشّرقواوغرّبت أنّي قد ظفرت وخابوا
إذا نلت منك الودّ فالمال هيّنوكلّ الذي فوق التراب تراب
وما كنت لولا أنت إلاّ مهاجراله كلّ يوم بلدة وصحاب
ولكنّك الدنيا إليّ حبيبةفما عنك لي إلاّ إليك ذهاب
وقوله:
فعد بها لا عدمتها أبداخير صلات الكريم أعودها
وقوله:
وأكثر تيهي أنّني بك واثقوأكثر مالي أنّني لك آمل
وفي الشكر قوله يخاطب فاتكا:
لا خيل عندك تهديها ولا مالفليسعد النطق إن لم يسعد الحال
وإن تكن محكمات الشّكل تمنعنيظهور جري فلي فيهنّ تصهال
وما شكرت لأنّ المال فرّحنيسيّان عندي إكثار وإقلال
لكن رأيت قبيحا أن يجادلناوأنّنا بقضاء الحقّ بخّال
فكنت منبت روض الحزن باكرهغيث بغير سباخ الأرض هطّال
غيث يبيّن للنّظار موقعهإنّ الغيوث بما تأتيه جهّال
لا يدرك المجد إلاّ سيّد فطنلما يشقّ على السادات فعّال
كفاتك ودخول الكاف منقصةكالشمس قلت وما للشمس أمثال
لطّفت رأيك في وصلي وتكرمتيإنّ الكريم على العلياء يحتال
وقوله:
له أياد إليّ سابغةأعدّ منها ولا أعدّدها
/ يعطي فلا مطله يكدّرهابها ولا منّه ينكدّها
وقوله:
تمثّلوا حاتما ولو عقلوالكنت في الجود غاية المثل
كيف أكافئ على أجلّ يدمن لا يرى أنّها يد قبلي
وقوله:
وإنّي عنك بعد غد لغادوقلبي عن فنائك غير غاد
محبّك حيثما اتجهت ركابيوضيفك حيث كنت من البلاد
وقوله:
ومن إحدى فوائده العطاياومن إحدى عطاياه الدوام
فقد خفي الزمان بها عليناكسلك الدرّ يخفيه النّظام
أقامت في الرّقاب له أيادهي الأطواق والناس الحمام
وقوله:
مدحت أباه قبله فشفى يديمن العدم من تشفى به الأعين الرمد
حباني بأثمان السوابق دونهامخافة سيري أنّها للنّوى جند
وأصبح شعري منهم في مكانهوفي عنق الحسناء يستحسن العقد
وقوله:
تنشد أثوابنا مدائحهبألسن ما لهن أفواه
إن كان فيما نراه من كرمفيك فريد فزادك الله
وقوله:
أحبّك يا شمس الزمان وبدرهوإن لا مني فيك السّها والفراقد
فإنّ قليل الحبّ بالعقل صالحوإنّ كثير الحبّ بالجهل فاسد
/ وقوله:
يا من يقتّل من أراد بسيفهأصبحت من قتلاك بالإحسان
فإذا رأيتك حار دونك ناظريوإذا مدحتك حار فيك لساني
في التهاني والعيادات قوله:
المجد عوفي إذ عوفيت والكرموزال عنك إلى أعدائك الألم
وراجع الشّمس نور كان فارقهاكأنّما فقده في جسمها سقم
وما أخصّك في برى بتهنئةإذا سلمت فكلّ الناس قد سلموا
وقوله يهنئ بعيد الفطر:
الصوم والفطر والأعياد والعصرمنيرة بك حتى الشمس والقمر
ما الدهر عندك إلاّ روضة أنفيا من شمائله في دهره زهر
ما ينتهي لك في أيّامه كرمفلا انتهى لك في أعوامه عمر
وقوله يهنئ بعيد الأضحى:
هنيئا لك العيد الذي أنت عيدهوعيد لمن سمّى وضحّى وعيّدا
ولا زالت الأيام لبسك بعدهتسلّم مخروقا وتعطى مجدّدا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورىكما كنت فيهم أوحدا كان أوحدا
هو الجدّ حتى تفضل العين أختهاوحتى يكون اليوم لليوم سيّدا
وقوله:
تحاسدت البلدان حتى لو أنّهانفوس لسار الشرق والغرب نحوكا
وأصبح مصر لا تكون أميرهولو أنّه ذو مقلة وفم بكى
وقوله:
غاب الأمير فغاب الخير عن بلدكادت لفقد اسمه تبكي منابره
/ حتى إذا عقدت فيه القباب لهأهلّ لله باديه وحاضره
وجدّدت فرحا لا الغمّ يطردهولا الصبابة في قلب تجاوره
وقوله:
ما منبج مذ غبت إلاّ مقلةسهرت ووجهك نومها والإثمد
فالليل حين قدمت فيه أبيضوالصبح منذ رحلت عنها أسود
ما زلت تدنو وهي تعلو همّةحتى توارى في ثراها الفرقد
أبدى العداة بك السرور كأنّهمفرحوا وعندهم المقيم المقعد
حتى انثنوا ولو أنّ حدّ قلوبهمفي قلب هاجرة لذاب الجلمد
وقوله:
إذا حللت مكانا بعد صاحبهجعلت فيه على ما قبله تيها
لا ينكر الحسن من دار تكون بهافإنّ ريحك روح في مغانيها
وقوله في الحمّى:
ومنازل الحمّى الجسوم فقل لهاما عذرها في تركها خيراتها
أعجبتها شرقا فطال وقوفهالتأمّل الأعضاء لا لأذاتها
وبذلت ما عشقته نفسك كلّهحتى بذلت لهذه صحّاتها
وقوله:
أيدري ما أرابك من يريبوهل ترقى إلى الفلك الخطوب
وجسمك فوق همّة كلّ داءفقرب أقلّها منه عجيب
يجمّشك الزمان هوى وحبّاوقد يؤذي من المقة الحبيب
/ وكيف تعلّك الدنيا بشيءوأنت بعلّة الدنيا طبيب
وفي التعازي قوله:
عزاؤك سيف الدولة المقتدى بهفانّك نصل والشدائد للنّصل
ومن كان ذا نفس كنفسك حرّةففيه لها مغن وفيها له مسلي
وقوله يعزّيه بغلامه:
علينا لك الإسعاد إن كان نافعابشقّ قلوب لا بشقّ جيوب
فرّب كئيب ليس تندى جفونهوربّ غزير الدمع غير كئيب
إذا استقبلت نفس الكريم مصابهابخبث ثنت فاستدبرته بطيب
فدتك نفوس الحاسدين فإنّهامعذّبة في حضرة ومغيب
وفي تعب من يحسد الشّمس نورهاويجهد أن يأتي لها بضريب
وقوله يعزّيه بأخته الصغرى ويسلّيه ببقاء الكبرى:
أنت يا فوق أن تعزّى عن الأحباب فوق الذي يعزّيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عززاك قال الذي له قلت قبلا
قد بلوت الخطوب مرّا وحلواوملكت الزمان حزنا وسهلا
وقتلت الزمان علما فما يعررف قولا ولا يجدّد فعلا
فإذا قست ما أخذن بما أغدرن سرّى عن الفواد وسلّى
وتيقنّت أنّ حظّك أوفىوتبيّنت أنّ جدّك أعلى
وإذا لم تجد من الناس كفؤاذات خدر أرادت الموت بعلا
وقوله يعزّي عضد الدولة بعمّته:
/ ما كان عندي أنّ بدر الدجىيوحشه المفقود من شهبه
يدخل صبر المرء في مدحهويدخل الإشفاق في قلبه
مثلك يثني الحزن عن صوبهويستردّ الدّمع عن غربه
ولم أقل مثلك أعني بهسواك يا فردا بلا مشبه
وقوله:
صبرا بني اسحاق عنه تكرّماإنّ العظيم على العظيم صبور
فلكلّ مفجوع سواكم مشبهولكلّ مفقود سواه نظير
فأعيذ إخوته بربّ محمّدأن يحزنوا ومحمّد مسرور
وفي الإخوانيات قوله:
شوقي إليك نفى لذيذ هجوعيفارقتني فأقام بين ضلوعي
أو ما وجدتم في الصّراة ملوحةممّا أرقرق فيه ماء دموعي
ما زلت أحذر من وداعك جاهداحتى اغتدى أسفي على التوديع
رحل العزاء برحلتي فكأنّماأتبعته الأنفاس للتّشييع
وقوله:
كلّما رحّبت بنا الأرض قلناحلب قصدنا وأنت السبيل
والمسمّون بالأمير كثيروالأمير الذي بها المأمول
الذي زلت عنه شرقا وغرباونداه مقابلي ما يزول
وإذا صحّ فالزمان صحيحوإذا اعتلّ فالزمان عليل
وإذا غاب وجهه عن مكانفبه من ثناه وجه جميل
ما الذي عنده تدار المناياكالذي عنده تدار الشمول
/ نغّص البعد عنك قرب العطايامرتعي مخصب وجسمي نحيل
إن تبّوأت غير داري أرضاوأتاني نيل فأنت المنيل
من عبيدي إن عشت لي ألف كافور ولي من نداك ريف ونيل
ما أبالي إذا اتّقتك المنايامن دهته خبولها والحبول
وقوله:
إنّ الذين أممت وارتحلواأيّامهم كديارهم دول
الحسن يرحل كلّما رحلوامعهم وينزل حيثما نزلوا
وقوله:
رجونا الذي يرجون في كلّ جنّةبأرجان حتى ما يئسنا من الخلد
تفضّلت الأيام بالجمع بيننافلمّا حمدنا لم تدمنا على الحمد
وقد كنت أدركت المنى غير أنّنييعيّرني قومي بإدراكها وحدي
ولو فارقت جسمي إليك حياتهلقلت أصابت غير مذمومة العهد
وقوله:
تسايرك السواري والغواديمسايرة الأحبّاء الطراب
تفيد الجود منك فتحتذيهوتعجز عن خلائقك العذاب
وقوله:
يجد الحمام ولو كوجدي لا نبرىشجر الأراك مع الحمام ينوح
وقوله:
وافترقنا حولا فلمّا التقيناكان تسليمه عليّ وداعا
وفي الهجاء قوله في هجاء كافور:
أريك الرّضا لو أخفت العين خافياوما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا
/ أمينا وإخلافا وغدرا وخسّةوخبثا أشخصا لحت لي أم مخازيا
تظنّ ابتساماتي رجاء وغبطةوما أنا إلاّ ضاحك من رجائيا
ولولا فضول الناس جئتك مادحابما كنت في سّري به لك هاجيا
وأصبحت مسرورا بما أنا منشدوإن كان بالانشاد هجوك غاليا
ومثلك يؤتى من بلاد بعيدةليضحك ربّات الحداد البواكيا
وقوله يهجوه:
إنّي نزلت بكذّابين ضيفهمعن القرى وعن الترحال محدود
جود الرجال من الأيدي وجودهممن اللسان فلا كانوا ولا الجود
ما يقبض الموت نفسا من نفوسهمإلاّ وفي يده من نتنها عود
من كلّ رخو وكاء البطن منتفخلا في الرجال ولا النسوان معدود
العبد ليس لحرّ صالح بأخلو أنّه في ثياب الحرّ مولود
لا تشتر العبد إلاّ والعصا معهإنّ العبيد لأنجاس مناكيد
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنيسئ بي فيه كلب وهو محمود
من علّم الأسود المخصيّ مكرمةأقومه البيض أم آباؤه السود
أم أذنه في يد النخّاس داميةأم قدره وهو بالفلسين مردود
وذاك أنّ الفحول البيض عاجزةعن الجميل فكيف الخصية السود
/ وقوله يهجوه:
لقد كنت أحسب قبل الخصيّبأنّ الرءوس مقرّ النّهى
فلمّا نظرت إلى عقلهرأيت النّهى كلّها في الخصى
وقوله يهجوه:
العبد لا تفضل أخلاقهعن فرجه المنتن أو ضرسه
فلا ترجّ الخير عند امرئمرّت يد النخاس في رأسه
وإن عراك الشكّ في أمرهبحاله فانظر إلى جنسه
فقلّ ما يلؤم في ثوبهإلاّ الذي يلؤم في غرسه
وقوله يهجو إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ:
وارفق بنفسك إنّ خلقك ناقصوارفق بنفسك إنّ أصلك مظلم
واحذر مناواة الرجال فإنّماتقوى على كمر العبيد وتقدم
وغناك مسألة وطيشك نفخةورضاك فيشلة وربّك درهم
يمشي باربعة على أعقابهتحت العلوج ومن وراء تلجم
وجفونه ما تستقرّ كأنّهامطروقة أوفتّ فيها حصرم
وإذا أشار محدّثا فكأنّهقرد يقهقه أو عجوز تلطم
يقلي مفارقة الأكفّ قذالهحتى يكاد على يد يتعمّم
وتراه أصغر ما تراه ناطقاوتراه أكذب ما يكون ويقسم
أرسلت تسألني المديح سفاهةصفراء أضيق منك ما ذا أزعم
وأشدّ ما جاوزت قدرك صاعداوأشدّ ما قربت عليك الأنجم
/ وقوله يهجو الأعور بن كروس:
تعادينا لأنّا غير لكنوتبغضنا لأنّا غير عور
فلو كنت امرءا تهجى هجوناولكن ضاق فتر عن مسير
وقوله:
كريشة بمهبّ الريح ساقطةلا تستقرّ على حال من القلق
وقوله:
إن آنستك المخازيفإنّها لك نسبه
أو أوحشتك المعاليفإنّها دار غربه
ومن المختار له في أشياء متفرّقة قوله:
سر حيث شئت يحلّه النّواروأراد فيك مرادك المقدار
وإذا ارتحلت فشيعّتك سلامةحيث اتّجهت وديمة مدرار
وأراك دهرك ما تحاول في العداحتى كأنّ صروفه انصار
وصدرت أغنم صادر عن موردمرفوعة لقدومك الأبصار
أنت الذي بجح الزمان بذكرهوتزيّنت بحديثه الأسمار
وإذا تنكّر فالفناء عقابهوإذا عفا فعطاؤه الأعمار
لله قلبك لا يخاف من الردىويخاف أن يدنو إليك العار
يا من يعزّ على الأعزّة جارهويذلّ في سطواته الجبّار
إنّ الذي خلّفت خلفي ضائعمالي على قلقي عليه خيار
وإذا صحبت فكلّ ماء مشربلولا العيال وكلّ أرض دار
إذن الأمير بأن أعود إليهمصلة تسير بذكرها الأشعار
وقوله:
وصار أحبّ ما تهدي إلينالغير قلى وداعك والسّلاما
/ ولكنّ الغيوث إذا توالتبأرض مسافر كره المقاما
وقوله:
وكم لظلام الليل عندك من يدتخبّر أنّ المانوية تكذب
ويوم كليل العاشقين كمنتهأراقب فيه الشمس أيّان تغرب
وقوله وقد سقطت خيمة سيف الدولة:
فلا تنكرنّ لها صرعةفمن فرح النفس ما يقتل
فلو بلّغ الناس ما بلّغتلخانتهم حولك الأرجل
ولمّا أمرت بتطنيبهاأشيع بأنّك لا ترحل
فما اعتمد الله تقويضهاولكن اشار بما تفعل
وقوله:
أعن إذني تهبّ الريح رهواويسري كلّما سقت الغمام
ولكنّ الغمام له طباعتبجّسه بها وكذا الكرام
وقوله:
نجوت بإحدى مهجتيك جريحةوخلّفت إحدى مهجتيك تسيل
أتسلم للخطّية ابنك هارباويسكن في الدنيا إليك خليل
وقوله:
لمّا تحكّمت الأسنّة فيهمجارت وهنّ يجرن في الأحكام
فتركتهم خلل البيوت كأنّماغضبت رؤوسهم على الأجسام
وقوله:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقأراه غباري ثم قال له الحق
وما كمد الحسّاد شيئا قصدتهولكنّه من يزحم البحر يغرق
/ ويمتحن الناس الأمير برأيهويغضي على علم بكلّ ممخرق
وإطراق طرف العين ليس بنافعإذا كان طرف القلب ليس بمطرق
وقوله:
وللحسّاد عذر أن يشحّواعلى نظري إليه وأن يذوبوا
فإنّي قد وصلت إلى مكانعليه تحسد الحدق القلوب
وقوله:
أسير إلى إقطاعه في ثيابهعلى طرفه من داره بخيامه
فلا زالت الشمس التي في سمائهمطالعة الشمس الذي في لثامه
ولا زال تجتاز البدور لوجههتعجّب من نقصانها وتمامه
وقوله:
إنّما أحفظ المديح بعينيلا بقلبي لما رأت في الأمير
من خصال إذا نظرت إليهانظمت لي غرائب المنثور
وقوله وقد استدعاه سيف الدولة إلى حضرته:
ولكنّ لي كفّا أعيش بفضلهاولا أشتري إلاّ بها وأبيع
أأطرحها تحت الرّجا ثمّ أبتغيلها مخلصا إنّي إذا لرقيع
وقوله:
فليس الذي يتّبّع الوبل رائداكمن جاءه في داره رائد الوبل
وما أنا ممّن يدّعي الشوق قلبهويعتلّ في ترك الزيارة بالشغل
وقوله:
رحلت فكم باك بأجفان شادنعليّ وكم باك بأجفان ضيغم
ومارّبة القرط المليح مكانهبأجزع من ربّ الحسام المصمّم
/ وقوله:
أروح وقد ختمت على فؤاديبحبّك أن يحلّ به سواكا
لعلّ الله يجعله رحيلايعين على الإقامة في ذراكا
فلو أنّي استطعت خفضت طرفيفلم أنظر به حتى أراكا
إذا التوديع أعرض قال قلبيعليك الصمت لا صاحبت فاكا
ولولا أنّ أكثر ما تمنّىمعاودة لقلت ولا مناكا
قد استشفيت من داء بداءوأقتل ما أعلّك ما شفاكا
وما أعتاض منك إذا افترقناوكلّ الناس زور ما خلاكا
وقوله:
حسم الصلح ما اشتهته الأعاديوأذاعته ألسن الحسّاد
إنّما أنت والد والأب القاطع أحنّ من واصل الأولاد
أنتما - ما اتّفقتما - الجسم والروح فلا احتجتما إلى العوّاد
هذه دولة المكارم والرأفة والمجد والنّدى والأيادي
كسفت ساعة كما تكسف الشمس وعادت ونورها في ازدياد
كيف لا تترك الطريق لسيلضيّق عن أتّيه كلّ واد
وقوله وقد نام أبو بكر الطائي:
إنّ القوافي لم تنمك وإنّمامحقتك حتى صرت ما لا يوجد
فكأنّ أذنك فوك حين سمعتهاوكأنّها ممّا سكرت المرقد
وقوله:
أتاني وعيد الأدعياء وأنّهمأعدّوا لي السودان في كفر عاقب
ولو صدقوا في جدّهم لحذرتهمفهل فيّ وحدي قولهم غير كاذب
/ وقوله:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندمما ذا يزيدك في إقدامك القسم
وقي اليمين على ما أنت واعدهما دلّ أنّك في الميعاد متّهم
وقوله:
وما ماضي الشباب بمستردّولا يوم يمرّ بمستعاد
متى لحظت بياض الشيب عينيفقد وجدته منها في السواد
متى ما ازددت من بعد التناهيفقد وقع انتقاصي في ازدياد
وقوله:
تسوّد الشمس منّا بيض أوجهناولا تسوّد بيض العذر واللّمم
وكان حالهما في الحكم واحدةلو احتكمنا من الدنيا إلى حكم
وقوله:
وإذا الشيخ قال أفّ فما ملّ حياة وإنّما الضعف ملاّ
آلة العيش صحة وشبابفإذا ولّيا عن المرء ولّى
أبدا تستردّ ما تهب الدّنيا فياليت جودها كان بخلا
وهي معشوقة على الغدر لا تحفظ عهدا ولا تتممّ وصلا
كلّ دمع يسيل منها عليهاوبفكّ اليدين منها تحلّى
وقوله:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذتمنّي بحلمي الذي أعطت وتجريبي
فما الحداثة من حلم بمانعةقد يوجد الحلم في الشبّان والشّيب
وقوله يصف فرسا:
لو سابق الشمس من المشارقجاء إلى الغرب مجيء السابق
وقوله يصف شعره:
/ وما قلت من شعر تكاد بيوتهإذا كتبت يبيّض من نورها الحبر
كأنّ المعاني في فصاحة لفظهانجوم الثريا أو خلائقك الزّهر
وما ذا الذي فيه من الحسن رونقاولكن بدا في وجهه نحوك البشر
وقوله يصف القلم:
نحيف الشوى يعدو على أمّ رأسهويخفى فيقوى عدوه حين يقطع
يمجّ ظلاما في نهار لسانهويفهم عمّن قال ما ليس يسمع
ذباب حسام منه أنجى ضريبةوأعصى لمولاه وذا منه أطوع
بكفّ جواد لو حكتها سحابةلما فاتها في الشرق والغرب موضع
وقوله:
أبلج لو عاذت الحمام بهما خشيت راميا ولا صائد
وقوله:
أما ترى ما أراه أيّها الملككأنّنا في سماء مالها حبك
الفرقد ابنك والمصباح صاحبهوأنت بدر الدجى والمجلس الفلك
وقوله يصف قلعة:
فأضحت كأنّ السور من فوق بدئهإلى الأرض قد شقّ الكواكب والتّربا
تصدّ الرياح الهوج عنها مخافةويفزع فيها الطير أن تلقط الحبّا
وقوله:
ولو سرنا إليه في طريقمن النيران لم نخف احتراقا
فابلغ حاسديّ عليه إنّيكبا برق يحاول بي لحاقا
وهل تغني الرسائل في عدوّإذا ما لم يكنّ ظبا رقاقا
/ وقوله:
إذا امرؤ راعني بغدرتهأوردته الغاية التي خافا
وقوله:
وتوهّموا اللّعب الوغى والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان
وقوله:
وجدت المدامة غلاّبةتهيجّ للقلب أشواقه
وأنفس ما للفتى لبّهوذو اللّبّ يكره إنفاقه
وقوله:
ويظهر الجهل بي وأعرفهوالدرّ درّ برغم من جهله
وصرت كالسيف حامدا يدهما يحمد السّيف كلّ من حمله
وقوله:
أبا الغمرات توعدنا النّصارىونحن نجومها وهي البروج
وقوله:
رضوا بك كالرضى بالشّيب قسراوقد وخط النّواصي والفروعا
وقوله:
إنّ بعضا من القريض هذاءليس شيئا وبعضه أحكام
وقوله:
كلام أكثر من تلقى ومنظرهممّا يشقّ على الآذان والحدق
وقوله:
رأيت الحميّا في الزجاج بكفّهفشبّهتها بالشمس في البدر في البحر
وقوله:
كأنّ بنات نعش في دجاهاخرائد سافرات في حداد
وقوله:
خير أعضائنا الرءوس ولكنفضّلتها بقصدك الأقدام
وقوله:
فلا حطّت لك العلياء سرجاولا ذاقت لك الدّنيا فراقا
وقوله:
وهذا دعاء لو سكتّ كفيتهلأنّي سألت الله فيك وقد فعل
وقوله:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهلهوهذا دعاء للبريّة شامل
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع