من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو طالب، عبد السلام بن الحسين المأموني من أولاد المأمون
بقية تلك السلالة، وشعلة تلك الذبالة، وآخر ذلك البحر الذي لم يبق منه إلاّ ملالة، والبدر الذي ذهب وبقي أثره في الهالة، والذكاء الذي لا يذكر معه سواه إلاّ علالة، والكرم الذي لا يفضي إلى ملالة، والشرف الذي غني بنفسه فلا يحتاج إلى دلالة. أتى في هذا البيت ندره، وطلع شاعرا مدره، يذكر من سلفه الكريم منائح الآباء وقرائح الألبّاء، فطفق ينثر درّه، ويثير خواطر له عليها قدره، ومواطر له وقعت على النّهر لوشّح بجوهرها صدره، أو سقطت إلى غيور حيّي أسكن عربها الأبكار خدره، وزاد فخار العقب المأموني، وزان أقمار النسب الهاروني، وانتهى إليه ميراث فضل المأمون وحطّت لديه ركائب حموله، وشاد بذكره هو لا دعبل بعد طول خموله.
وأثنى عليه صاحب اليتيمة ثناء لو أنّه على الروض لما خاف أن يمشي بالنميمة.
ومن كلمه التي نقطف نوّارها، ونتحف بمجاج النّحل ثمارها، ويصرف دجى الليل ضوء مدامها المتوقّد إلاّ أنّه نورها لا نارها، قوله يذكر دارا بناها بعض الرؤوساء من قصيدة:
ضاقت الأرض عنك فارتدت ربعايسع البحر والحيا والسماحا
فهنيئا منها بدار حوت منك جبالا من الحلوم رجاحا
ذات صحن كرحب صدرك قدزاد على ظنّ آمليك انفساحا
يغرس الصّيد في ذراها من التقبيل غرسا فتجتنيه نجاحا
ما بكاء الرياض بالطلّ إلاّخجلا من رياضها وافتضاحا
وكأنّ الأبواب صحب تلاقين انغلاقا ثمّ افترقن انفتاحا
وكأنّ الستور قد نقش الطاووس فيها من كلّ باب جناحا
وكأنّ الجامات فيها شموسأطلعتها ذرى العباب صباحا
وبيوت كأنهنّ قلاعمزمعات للنّيرين نطاحا
/ وقوله في المنارة:
وقائمة بين الجلوس على شوىثلاث فما تخطو بهنّ مكانا
على رأسها نجل لها لم تجنّهحشاها ولا علّته قطّ لبانا
يشدّد في أعلاه كلّ دجنّةيشقّ جلابيب الظلام سنانا
وقوله في الحمّام:
وبيت كأحشاء المحبّ دخلتهومالي ثياب فيه غير إهابي
أرى محرما فيه وليس بكعبةفما ساغ إلاّ فيه نزع ثيابي
بماء كدمع الصبّ في حرّ قلبهإذا آذنت أحبابه بذهاب
توهّمت فيه قطعة من جهنّمولكنّها من غير مسّ عقاب
يثير ضبابا بالبخار مجلّلابدور زجاج في سماء قباب
وقوله في ماء بجليد:
ورائق مثل الهواء صافأسرع في الجسم من العوافي
فيه الجليد راسب وطافيكأنّه ودائع الأصداف
وقوله في المنشفة:
منشفة خملها تخال بهقد فتّ كافورة على طبق
كأنّما أنبتت خمائلهاما ارتشفت من لآلئ العرق
وقوله في الباقلاء الأخضر:
وباقلاء أخضرمثل سموط الجوهر
أوساطه مخطفةمثل خصور ضمّر
أطرافه مذروبةمسروقة من أنسر
وطرف كمخلبوطرف كمنسر
/ وقوله في العجّة:
عندي للضيف عجّة شرقتبدهنها فهي أعجب العجب
قد عضّت النار وجهها وغدتكياسمين بالورد منتقب
وقوله فى سمكة مشوية:
ماوية في النار مصلوبةيصبغ من فضّتها عسجد
كأنّما جلدتها جوشنمزرفن الصّفة أو مبرد
وقوله في اللوزينج الرطب:
ولوزينج يعزى إلى الفرس خلتهبنان عروس في رقاق الغلائل
فإن حملت إحداه خمس حسبتهازيادة كفّ بين خمس أنامل
وقوله فى التدرج:
قد بعثنا بكلّ لون بديعكنبات الربيع أو هي أحسن
في قناع من جلّنار وآسوقميصين ياسمين وسوسن
وقوله في الجمر خبا بعد اشتعاله لهبا:
أما ترى النّار كيف أسقمها القرر فأضحت تخبو وحينا تسعّر
وغدا الجمر والرماد عليهفي قميصين مذهب ومعصفر
وقوله في البرد:
وبيضاء كالبّلور جاد بها الحيافأهوت تهادى بين أجنحة القطر
تذوب كقلب الصبّ لكنّه جوبنار هواه وهي مثلجة الصدر
وقوله في الأسطرلاب:
/ وشبيه بالشمس يسترق الأخبار من بين لحظها في خفاء
فتراه أدرى وأعلم منهاوهي في الأرض بالذي في السماء
وقوله فيه:
وعالم بالغيب من غير ماسمع ولا قلب ولا ناظر
يقابل الشمس فيأتي بمافي ضمنها من خبر حاضر
كأنّها ناجته لّما بدابعينها بالفكر والخاطر
فألهمته علم ما يحتويعليه صدر الفلك الدائر
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع