رِســــالَةٌ مِــــن كَــــلِفٍ عَــــمــــيــــدِ

الشاعر: ابن وكيع التنيسي · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة فراق

هذه القصيدة من شعر ابن وكيع التنيسي، من العصر العباسي، وتقع في 90 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة فراق.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

رِســــالَةٌ مِــــن كَــــلِفٍ عَــــمــــيــــدِ ... حَياتُهُ في قَبضَةِ الصُدودِ

بَلّغَهُ الشَوقُ مَدى المَجهودِ ... ما فَوقَ ما يَلقاهُ مِن مَزيدِ

جارَ عَلَيهِ حاكِمُ الغَرامِ ... فَـــــدَقَّ أَن يُـــــدرَكَ بِــــالأَوهــــامِ

فَــــلَو أَتــــاهُ طــــارِقُ الحِمامِ ... لَم يَــــرَهُ مِــــن شِــــدَّةِ السَقامِ

لَهُ اِهتِزازٌ وَاِرتِياحٌ وَطَرَبْ ... لِوَجهِ مَن أَورَثَهُ طولَ الكُرَبْ

فَهَل سَمِعتُم في أَحاديثِ العَجَبْ ... بِمَن مُناهُ قُربُ مَن مِنهُ العَطَبْ

ما غابَ عَنهُ الحَزمُ في الأُمورِ ... لكِــــنَّ مِقدارَ الهَوى ضَروري

صاحِبُهُ يَخبِطُ في دَيجورِ ... مُنفَسِدَ التَقديرِ بِالمَقدورِ

إِذا اِلتَقى في مِسمَعَيهِ العَذلُ ... وَقيلَ مِن دونِ المُرادِ القَتلُ

قــــالَ لَهُم لَومُ المُحِبِّ جَهلُ ... إِنَّ الهَوى يُغلَبُ فيهِ العَقلُ

ما العُذرُ في السَلوَةِ عَن غَزالِ ... مُنقَطِعِ الأَقرانِ وَالأَشكالِ

تَستَخلِفُ الشَمسُ لَدى الزَوالِ ... ضَياءَ خَدَّيهِ عَلى اللَيالي

بِخِفَّةِ الروحِ اِحتَوى صَلاحي ... فَصِرتُ لا أَرغَبُ في الفَلاحِ

وَالشَكلُ وَالخِفَّةُ في الأَرواحِ ... أَملَحُ ما يُعشَقُ في المِلاحِ

مَن عَشِقَ الفَدمَ وَإِن راقَ البَصَرْ ... فَليَقصِدِ البَيعَةَ وَليَهوَ الصُوَرْ

مَن كانَ يَهوى مَنظَراً بِلا خَبَرْ ... فَما لَهُ أَوفَقُ مِن عِشقِ القَمَرْ

ظَبيٌ سُلُوّي عَنهُ مِثلُ جودِهِ ... خَيالُهُ أَكذَبُ مِن مَوعودِهِ

أَجفانُهُ أَسقَمُ مِن عُهودِهِ ... أُردافُهُ أَثـــــقَـــــلُ مِــــن صُــــدودِهِ

يا وَصلَهُ صِل مِثلَ وَصلِ صَدِّهِ ... يا حُكمَهُ كُن في اِعتِدالِ قَدِّهِ

يــــا قَــــلبَهُ كُن رِقَّةً كَخَدِّهِ ... يا خَصرَهُ كُن مِثلَ ضَعفِ عَهدِهِ

أَما وَخَصرٍ ضعفُهُ كَصَبري ... لَهُ وَوَجــــهٍ حُــــســــنُهُ كَــــشِعري

لَهُ عِـــــذارٌ قـــــامَ لي بِــــعُــــذري ... لا تُبْتُ مِن شَوقي إِلَيهِ دَهري

أَضحى لِإِبليسَ بِهِ اِستِقدارُ ... عَلى بَني آدَمَ وَاِستِبشارُ

وَقالَ في ذا تُستَطابُ النارُ ... ما لَهُمُ عَن مِثلِ ذا اِصطِبارُ

تَمَّتــ لِيَ الحيلَةُ في العِبادِ ... أَدرَكــــتُ مِن صالِحِهِم مُرادي

بِمِثلِ ذا أَمكَنَني إِفسادي ... لِأَنــــفُــــسِ العِــــبّادِ وَالزُهّادِ

وَاِلهفَتي مِن خَدِّهِ الأَسيلِ ... إِذا اِنجَلى عَن صَفحَتَي صَقيلِ

وَاحَرَبي مِن طَرفِهِ الكَحيلِ ... مَن مُنصِفي مِنهُ وَمَن مُديلي

مِن مُقلَةٍ كَالصارِمِ البَتّارِ ... أَلحاظُها أَمضى مِنَ المِقدارِ

تَحكُمُ في لُبّى وَفي اِصطِباري ... نَظيرَ حُكمِ الدَهرِ في الأَحرارِ

حَلَّ قُوايَ العَقدُ مِن زُنّارِهِ ... أَلهَــــبَ قَــــلبي خَدُّهُ بِنارِهِ

عَذَّرَ صَبري مُبتَدا عِذارِهِ ... حَــــيَّرَني بِالطَرفِ وَاِحوِرارِهِ

جاءَ بِوَجهٍ حُسنُهُ مَحبوبُ ... تَطيبُ في أَمثالِهِ الذُنوبُ

وَقــــامَــــةٍ ذَلَّ لَها القَضيبُ ... وَالقَــــلبُ تَنقَدُّ بِهِ القُلوبُ

هَفا بِقَلبي مِنهُ إِفراطُ الهَيَفْ ... فَقُلتُ لَمّا أَن تَثَنّى وَاِنعَطَفْ

يا سَيِّدي مِن دونِ ذا المَيلِ التَلَفْ ... وَشَرطُ مَن كانَ ظَريفاً في القَطَفْ

ما قِصَرُ القامَةِ مِثلُ الطولِ ... وَلا البَدينُ الجِسمِ كَالمَهزولِ

عِشقُ الرَشيقِ الأَهيَفِ المَجدولِ ... شَأنُ ذَوي الأَفهامِ وَالعُقولِ

لا يَعشَقُ الضَخمَ الغَليظَ الجِسمِ ... غَيرُ غَليظِ الطَبعِ جافٍ فَدمِ

مُــــكَــــدَّرِ الحِــــسِّ رَكودِ الفَهمِ ... يَقولُ في الحُسنِ بِغَيرِ عِلم

قَد صِحتُ لَمّا خِفتُ مِنهُ القَتلا ... وَكِدتُ مِن فَرطِ السَقامِ أَبلى

يا حاكِماً جانِبَ فِيَّ العَدلا ... مِهلاً بِمَن يَهواكَ مَهلاً مَهلا

يا ظالِماً يَقتُلُني مُجاهَرَهْ ... قَد مَنَعَ الوَجدُ مِنَ المُساتَرَهْ

هَلُمَّ إِن شِئتَ إِلى المُناظَرَهْ ... وَاِستَعمِلِ الإِنصافَ لا المُكابَرَهْ

في أَيِّ دينٍ حَلَّ قتلُ الروحِ ... وَهَل لِما تَفعَلُ مِن مُبيحِ

إِن قُلتَ ذا جاءَ عَنِ المَسيحِ ... فَلَيسَ ما تَزعُمُ بِالصَحيحِ

مُرقُسُ ما أَخبَرَنا بِذا الخَبَر ... عَنهُ وَلا لوقا حُكاهُ في الأَثَر

وَقَد نَهى عَن ذا يُحَنّا وَزَجَر ... وَلا اِرتَضى مَتّى بِهِ وَلا أَمَر

أَربَــــعَــــةٌ لَيــــسَ لَهُــــم عَديلُ ... وَلا لَهُم في أَمرِهِم كَفيلُ

ما فيهِمُ مَن قالَ ما تَقولُ ... فَهَل سَوى إِنجيلِهِم إِنجيلُ

فَــــإِن زَعَــــمــــتَ أَن ذا مَوجودُ ... فـــــي زُبُـــــرٍ جـــــاءَ بِهـــــا داودُ

فَما الزَبورُ بَينَنا مَفقودُ ... فَكَيفَ لَم تَعلَم بِهِ اليَهودُ

وَلَم يُـــــخَـــــبِّرُ أَحَــــدٌ سِــــواكــــا ... مِنَ النَصارى كُلَّهُم بِذاكا

لا تَتَقَوَّلْ غَيرَ ما أَتاكا ... وَغَــــلَّبِ الحَــــقَّ عَــــلى هَــــواكــــا

سَفكُ دَمي يُحظَرُ في الأَديانِ ... فَدَع حِجاباً ظاهِرَ البُطلانِ

لا تَجمَعِ الإِثمَ مَعَ البُهتانِ ... وَكُن عَلى خَوفٍ مِنَ العُدوانِ

وَاِعلَم بِأَنّي إِن تَمادى بي الهَوى ... وَخِفتُ أَن أَتلَفَ مِن فَرطِ الضَنى

وَدُمتُ في هَجرِكَ لي كَما أَرى ... وَلَم أَجِد مِنكَ لِما بي مُشتَكى

شَكَوتُ ما تَلقاهُ نَفسي البائِسَهْ ... مِن خَطَراتٍ لِلهُمومِ هاجِسَهْ

عَفَت رُسومُ الصَبرِ فَهيَ دارِسَهْ ... إِلى جَميعِ عُصبَةِ الشَمامِسَهْ

فَإِن هُمُ لَم يَرحَموا أَنيني ... وَخَيَّبوا في قَصدِهِم ظُنوني

وَلَم أَجِد في القَومِ مِن مُعينِ ... يُنصِفُني مِنكَ وَلا يُعديني

شَكَوتُ ما يَلقى مِنَ الأَحزانِ ... قَلبي إِلى مَشيخَةِ الرُهبانِ

عَساكَ تَستَحي مِنَ الشِّيخانِ ... وَإِن تَهاوَنتَ بِهِم في شاني

فَلا أَراكَ مُغضَبا عَبوسا ... إِذا أَتَيتَ أَسأَلُ القِسّيسا

مَعونَةً أَرجو لَها التَنفيسا ... عَن مُهجَةٍ قارَبَت النَسيسا

وَاِعلَم بِأَنّي إِن رَدَدتَ شافِعي ... هذا وَلَم يَرجِع بِأَمرٍ نافِعي

فَلَيسَ ذا بِحاسِمٍ مَطامِعي ... كَم طالَبٍ جَدَّ بِجِدِّ المانِعِ

لَو كُنتَ مَبذولاً لَنا لَم تُطلَبِ ... وَإِنَّمــــا نَرغَبُ إِذ لَم تَرغَبِ

وَكَلَفُ النَفسِ بِتَركِ الأَقرَبِ ... وَشِدَّةُ الحِرصِ عَلى المُستَصعَبِ

وَإِن تَمادَيتَ عَلى جَفائِكا ... وَدُمتَ بِالقِلَّةِ مِن حِبائِكا

في هَجرِنا عَلى قَبيحِ رَأيِكا ... وَاِستَيأَسَ الرُهبانُ مِن إِصفائِكا

فَلا تَلُمني إِن قَصَدتُ الأَسقُفا ... مَن بَرَّحَ السُقمُ بِهِ رامَ الشِفا

فَلا تَقُل أَبدَيتَ مَكنونَ الخَفا ... أَنتَ الَّذي أَحوَجتَني أَن أَكشِفا

سَوفَ إِلى المُطرانِ أُنهى قِصَّتي ... إِن دامَ ما تُؤثِرُهُ مِن هِجرتِي

فَإِن رَثَي لي طالِباً مَعونَتي ... وَلَم تُشَفِّعْهُ بِكَشفِ كُربَتي

شَكَوتُ ما يَلقاهُ مِن فَرطِ السَقَمْ ... قَلبي إِلى البَطرَكِ وَالحَبرِ العَلَمْ

عَساكَ إِن خالَفتَهُ فيما حَكَمْ ... يُدخِلُكَ الحِرْمَ فَوَيلُ مَن حَرَمْ

هُناكَ تَأتي مُستَقيلاً ظُلمي ... تَسأَلُني عَطفَ الرِضا بِالرَغمِ

تَرضى بِما يُنفِذُ فيكَ حُكمي ... إِذا بِكَ اِشتَدَّ عَذابُ الحِرمِ

دَع ذا فَهـــــذا كُـــــلُّهُ تَهــــديــــدُ ... أَرجو بِهِ قُربَكَ يا بَعيدُ

هَيهاتَ سِرّي أَبَداً جَحودُ ... فيكَ وَقَولي كُلُّ ما تُريدُ

مَولايَ قَد ضاقَت بيَ الأُمورُ ... فَــــقُلتُ ما قُلتُ وَقَولي زورُ

قَلبِيَ إِلّا في الهَوى جَسورُ ... فَلا تَلُم أَن يَنفُثَ المَصدورُ

مَولايَ بِالرَحمنِ أَحيِ مُغرَما ... يَخافُ أَن تَغضَبَ إِن تَظَلَّما

إِلَيكَ أَشكو فَعَسى أَن تُنعِما ... مَهلاً قَليلاً قَد قَتَلتَ المُسلِما

يا جَرجَسُ اِرفُق بِفُؤادٍ هائِمِ ... يا سَيِّدي خَف سوءَ عُقبى الظالِمِ

وَقَد رَضينا بِكَ في التَحاكُمِ ... وَالجَورُ لا يُشبِهُ فِعلَ الحاكِمِ

أَقصى رَجائي مِنكَ نَيلُ الوُدِّ ... وَقُبلَةٌ تَشفي غَليلَ الوَجدِ

يا جائِراً أَفرَطَ في التَعَدّي ... مِنكَ إِلَيكَ في الهَوى أَستَعدي

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.

تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.

القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • التقدير: قدر: القَدِيرُ والقادِرُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونَانِ مِنَ القُدْرَة وَيَكُونَانِ مِنَ التَّقْدِيرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*؛ مِنَ القُدْرة، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ … (لسان العرب)
  • العطب: عطب: العَطَبُ: الْهَلَاكُ، يَكُونُ فِي النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ. عَطِبَ، بِالْكَسْرِ، عَطَباً، وأَعْطَبه: أَهْلَكه. والمَعاطِبُ: المَهالِكُ، واحدُها مَعْطَبٌ. وعَطِبَ الفَرَسُ والبعيرُ: انْكَسَرَ، أَو قامَ عَلَى صاحِبه. وأَ … (لسان العرب)
  • المجهود: جهد: الجَهْدُ والجُهْدُ: الطَّاقَةُ، تَقُولُ: اجْهَد جَهْدَك؛ وَقِيلَ: الجَهْد الْمَشَقَّةُ والجُهْد الطَّاقَةُ. اللَّيْثُ: الجَهْدُ مَا جَهَد الإِنسان مِنْ مَرَضٍ أَو أَمر شَاقٍّ، فَهُوَ مَجْهُودٌ؛ قَالَ: والجُهْد لُغَة … (لسان العرب)
  • بالمقدور: قدر: القَدِيرُ والقادِرُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونَانِ مِنَ القُدْرَة وَيَكُونَانِ مِنَ التَّقْدِيرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*؛ مِنَ القُدْرة، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ … (لسان العرب)
  • بلغه: بلغ: بَلغَ الشيءُ يَبْلُغُ بُلُوغاً وبَلاغاً: وصَلَ وانْتَهَى، وأَبْلَغَه هُوَ إِبْلاغاً وبَلَّغَه تَبْلِيغاً؛ وقولُ أَبي قَيْسِ بنِ الأَسْلَتِ السُّلَمِيِّ: قالَتْ، ولَمْ تَقْصِدْ لِقِيلِ الخَنى: ... مَهْلًا فَقَدْ أَبْ … (لسان العرب)
  • سمعتم: سمع: السَّمْعُ: حِسُّ الأُذن. وَفِي التَّنْزِيلِ: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ؛ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ خَلا لَهُ فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ؛ وَقَدْ سَمِعَه سَمْعاً وسِمْعاً وسَماعاً وسَماعةً وسَماعِيةً. ق … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة