من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الأمير أبو الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي
/ فارع إمارة، وفارس إغارة، وفاره ميدان يردي جاره، ويردي مجاريه عاره، وقابس جذوة ترمي في كلّ خطفة بشرارة، وقابض درّ يوالي نثاره، وطويل باع يهجم على الأسد داره، وينتزع البدر من الدارة، وذكيّ قلب يصيب في كلّ إشارة، وحاضر خاطر لا تغيب له شارة، وحاضن لفظ لا يعيب ناقد الكلام له عبارة، ونديّ كفّ يمطر ديما، ويخضّر قلمه بلاغة وكرما. إن كتب فالورق وريق والخطّ كالخطّ تثقيفا يعلوه بريق، والكرم جمّ لا يقع المزن في بحره بلّة ريق، والخطاب فصل لا يشتبه، والكتاب روضة من أعين زهرها منتبه وغير منتبه، وإن انتضى سيفه راع الجيش لمعه، وفضّ ما في الصدور وقعه وقصّ غريبا من قائل يرفضّ بالدم دمعه.
له نظم يسحر، ونثر يعجب من يتبحّر، وما كلّ من تأمّر على الأنام أمّر في أصناف الكلام ولكنّها مواهب توجد في الندرة بعد الندرة، وفضل من الله لا تتأهّل له كلّ فطرة، ولا تسري في كلّ فكرة، وهذا أبو الفضل من أولئك الأفراد، وواحد كالألوف في رئاسة العلم، وسياسة العباد. وهو يعاني من التجنيس ما يخفّ ويصوب ماؤه ولا يجفّ.
ومن أنموذج نسجه، وزهر مرجه، قوله:
لقد راعني بدر الدّجي بصدودهووكّل أجفاني برعي كواكبه
فيا جزعي مهلا عساه يعود ليويا كبدي صبرا على ما كواك به
وقوله:
عذيري من ريم رماني بسهمهفلم يخط ما بين الحشى والترائب
فأصداغه يلسعنني كالعقاربوألحاظه يفعلن فعل العقاربي
/ وقوله:
إنّ لي في الهوى لسانا كتوماوفؤادا يخفي حريق جواه
غير أنّي أخاف دمعي عليهستراه يبدي الذي ستراه
وقوله:
ومهفهف يلهو بلبب المرء منه شمائل
فالردف دعص هائلوالقدّ غصن مائل
والخدّ نور شقائقتنشقّ عنه خمائل
والطرف سيف مالهإلاّ العذار حمائل
وقوله:
هبه تغيّر حائلا عن عهدهورمى فؤادي بالصدود فأزعجا
ما بال نرجسه تحوّل وردةفي خدّه والورد عاد بنفسجا
وقوله:
فصد الطبيب ذراعهفجرى له دمعي ذريعا
وأمسّني وقع الحديدبعرقه ألما وجيعا
فأريته من عبرتيما سال من دمّه نجيعا
وقوله:
لم ألمه أن اتّقى بحجابردّني واله الفؤاد لمابي
هو روحي وليس ينكر للروح توار عن الورى بحجاب
وقوله:
ظبي يحار البرق في بريقهغنيت عن إبريقه بريقه
ولم أزل أرشف من رحيقهحتى شفيت القلب من حريقه
وقوله:
كم والد يحرم أولادهوخيره يحظى به الأبعد
كالعين لا تدرك ما حولهاولحظها يدرك ما يبعد
وقوله:
بنفسي غزال صار للحسن كعبةتحجّ من الفجّ البعيد وتقصد
/ دعاني الهوى فيه فلبيّت طائعاوأحرمت بالإخلاص والسعي يشهد
فجفني للتسهيد والدّمع قارنوقلبي فيه للصّبابة مفرد
وقوله:
يصوغ لنا كفّ الربيع حدائقاكعقد عقيق بين سمط لآلي
وفيهنّ نوّار الشقائق قد حكىخدود عذارى نقّطت بغوالي
وقوله:
وما ضمّ شمل الأنس يوما كنرجسيقوم بعذر اللّهو عن خالع العذر
فأحداقه أقداح تبر وساقهكأسوق ساق في غلائله الخضر
وقوله:
أما ترى الزهرة قد لاحت لناتحت هلال نوره نور اللّهب
ككرة من فضّة مجلوّةأوفى عليها صولجان من ذهب
وقوله:
عيّرتني ترك المدام وقالتهل جفاها من الكرام لبيب
هي تحت الظلام نور وفي الأكبادبرد وفي الخدود لهيب
قلت: يا هذه عدلت عن النصّحوما للرشاد فيك نصيب
إنّها للستّور هتك وبالألباب فتك وفي المعاد ذنوب
وقوله:
خير ما استعصمت به الكفّ يومافي سواد الخطوب عضب صقيل
عن سؤال اللئام مغن وفي العظممغن وفي المنايا رسول
وقوله:
خير ما استطرف الفوارس طرفكلّ طرف لحسنه مبهوت
هو فوق الجبال وعل وفي السهل ظليم وفي المعابر حوت
/ وقوله:
أخلي أمّا الودّ منه فزائدوألفاظه بين الحديث فرائد
إذا غاب يوما لم يغب عنه شاهدوإن شهد ارتاحت إليه المشاهد
وقوله:
تمّت محاسنه فما يزري بهامع فضله وسخائه وكماله
إلاّ قصور وجوده عن جودهلا عون للرّجل الكريم كماله
وقوله:
يا دهر دع ظلم الكرام فهمعقد لنحرك لو درى النّحر
سالمهم واستبق ودّهمفهم نجوم ظلامك الزّهر
وقوله:
دع الحرص واقنع بالكفاف من الغنىفرزق الفتى ما عاش عند معيشه
فقد تهلك الانسان كثرة مالهكما يذبح الطاووس من أجل ريشه
وقوله:
متّع شبابك من لهو ومن طربولا تصخ لملام سمع مكترث
فخير عيش الفتى ريعان جدّتهفالعمر من فضّة والشيب من خبث
وقوله:
ربّ جنين من حمى نميرمهتّك الأستار والضمير
سللته من رحم الغديركأنّه صحائف البلّور
أو أكر تجسّمت من نورأو قطع من خالص الكافور
لو بقيت سلكا على الدهورلعطلت قلائد النحور
أو أخجلت جواهر البحوروسميّت ضرائر الثغور
يا حسنه في زمن الحرورإذ قيظه مثل حشى المهجور
يهدي إلى الأكباد والصّدورروحا تحاكي نفثة المصدور
/ ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع