من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الأمير أبو الفتيان مصطفى الدولة محمد بن حيوس
من بيت خيّم على منازل النجوم فخاره، وحوّم على مناهل الغيوم مطاره، كان يدعى بالأمير، لأنّ أباه كان أميرا، وكان بما يقيت القلوب مميرا، لا ترد المسامع منه إلاّ نميرا، ولا تجدّ المجامع به إلاّ للكواكب سميرا، ويده في هذه الصناعة لا يماثل صناعها، ولا يقاس بشيء إلاّ وطال عليه في القياس ذراعها. وديوانه كبير الحجم، منير الجوانب كأنّما طلع في آفاقه النجم، وقد اعتمد فيه الجناس فأكثر منه حتى كدّر صفوه الزلال، وعسر عفوه حتى كاد يبطل به عمل سحره الحلال. ومدح الملوك، والأمراء، والوزراء، وحصّل النعمة والثراء، وكان جملة فخر وقلّة ثبات لا يدهده له صخر.
حكى ابن خلكان أنّ أباه كان من أمراء العرب، وأنّه من شعراء الشام، ولد بدمشق، وتوفي بحلب، وكان هو وأبوه في تلك الأيام من أهل اللقب، وله مفاخر باقية على الحقب، وكان يتردّد إلى البادية أحيانا، ويتخّذ له ممّا حول الريّان أوطانا، فأتت على أشعاره فصاحة البدو، ولطف الحضر، وجاءت فيها مواضع كأنّما خرجت من ألسنة العرب، ومرّت بنعمان الأراك عدو بها الطرب، وأخذت من أفواه سكان الأجيرع فجاءت بضرب من الضرب، ومالت أدواحا، ولا قست النفوس فجرت فيها أرواحا، وكان لا يعيا /
عليه معنى استغلق فهمه، ولا مبنى استوثق ببيته المشيد أن لا يتمّ نظمه، ولا بعيد من الأغراض ألاّ يخطيه سهمه، ولا بديع مثل سحر الجفون المراض يحسن على معاصم العذارى نقشه، وعلى وجنات ذوي العذار رقمه، وله كلّ قصيدة لا يشان في عبارة ولا يشاب أوقاتها مثل صائدة القلوب، وقد قيل: ليس ذا وقت الزيارة.
ومن منتخب أشعاره السيّارة، وقصائده التى سكنت أو كار القلوب ذوات أغاريدها للطيّارة قوله:
ومحجوبة عزّت وعزّ نظيرهاوإن أشبهت في الحسن والعفّة الدّمى
أعنّف فيها صبوة قطّ ما ارعوتوأسأل عنها معلما ما تكلّما
وأذيال دوح نيربيّ تخالهسماء دجى أبدت من النور أنجما
إذا قابلت شمس الأصائل ما علاتدنّر أو بدر الظلام تدرهما
ومنه قوله:
لي بامتداحك عن ذكر الهوى شغلوبارتياحك عن عصر الصّبا بدل
وكيف يعدوك بالتأميل من بلغتبه عطاياك ما لم يبلغ الأمل
منها:
أمّا عفاتك لا أكدوا فمالهمإذا المطامع طاحت عنك مرتحل
فالعيس تدرس أيدي الخيل ما وطستوالمقربات تعفّي وطأها القبل
ومنها:
وكلّ أسمر ما في عوده طمعبعد اللقاء ولا في عوده خطل
وكلّ أبيض مضروب بشفرتهرأس المدجج مضروب به المثل
وكلّ سلهبة أنت الكفيل لهاألاّ يصاب لها في غارة كفل
/ دهماء كالليل أو شقراء صافيةتريك في الليل ثوبا حاكه الأصل
ومنه قوله:
نظر الخليفة للملوك كساهمتاجا به تسمو وطورا تخضع
ناقضتهم فوهبت ما ضنّوا بهوحفظت غير منازع ما ضيّعوا
وقوله:
وتنوفة عقمت فما تلد الكرىلكنّها للنائبات ولود
فيها يطيش السهم وهو مسدّدويضلّ رأي المرء وهو سديد
أفنيتها بقلائص عاداتهاأن تنقص الفلوات وهى تزيد
ومنها قوله يصف قصيدة:
لو أنّ فحلي طييّ ء حضرا لهاأمضى حبيب حكمها ووليد
مبذولة في القوم وهي مصونةمعقولة في الحيّ وهي شرود
وتكررّت فينا فممّا كررّتقد صار يحفظها الدّجى والبيد
ومنه قوله:
ومن بعد الألوف منحت كوماغنيّ من تقلّ ومن تمون
محرّمة الغوارب ما علتها الرّجال ولا تبطّنها وضين
وقوله:
ذر الهمّ للمرتاد مالا ينالهومن لم تنكّبه الخطوب النواكب
وذلّل عصيّ النوم بالسطوة التيأرحت بها نوم الورى وهو عازب
مهلّلة نصريّة صالحيةحمتها العوالي والرّهاف القواضب
/ وكنت شجى للآخذيها تعدّياولولا الشّجى ما غصّ بالماء شارب
ألست من القوم الألى كفلت لهمبإذلال من عادوا عتاق سلاهب
إذا قدحت في الليل لم يدج غاسقوإن ضبحت في الصبح لم ينج هارب
إذا عدّدت أفعالكم عند مفخرغنيتم بها عن أن تعدّ المناسب
ومنه قوله:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطاعلى أنّه لولاك لم يمكن الصّبر
غرانا ببؤس لا يماثلها الأسىتقارن نعمى لا يقوم لها الشكر
فأوجبت الأولى الملام فلم نلموأنّى له لوم وأنت له عذر
ومنه قوله:
نبكي وتسعدنا كوم المطيّ فهلنحن المشوقون فيها أم مطايانا
لا ومن فطر الأشياء ما وجدتكوجدنا العيس بل رقّت لشكوانا
ومنه قوله:
من عاف ماء العيش وهو مكدّرعند الكرائه لم يرده زلالا
تضحي سيوفك للبلاد مفاتحافإذا فتحت جعلتها أقفالا
إن شئت تعرف أنّ رأيك ثاقبلا ما رأوا فانظر إلى ما آلا
وقوله:
وكانت دموع العين بيضا كغيرهافلمّا تلوّنتم علينا تلوّنّا
لذاك إذا يممّت بالركب منزلاأجابت دموعي قبل أن أسأل المغنى
ومنه قوله:
ما في المعالي مطمع لسواكاأينال ما استولت عليه يداكا
/ من رام أن يرقى محلّك فليحزبأسا كبأسك أوندى كنداكا
لا تنض عزمك طالبا أثر العدىفلو اكتفيت ببعضه لكفاكا
فمتى نظرت الشّرك أدنى نظرةكانت لأسرى المسلمين فكاكا
ومنه قوله في المنطقة:
ومضيئة كست النديّ بضوئهاوالحاضرين به حريقا مشعلا
ما إن رأينا هالة من قبلهاأضحت تضمّن عارضا متهلّلا
وأظنّها تاجا ولكن لم تجدلعلوّ قدرك فوق خصرك منزلا
منها في الفرس:
وسوابق حزن الجمال فلو مشىشبداز كسرى بينها لتخّيلا
من كلّ محبوك القوى لو لم يكنبعض الجبال لهدّه ما حمّلا
في العلم:
ومحلّق في الجوّ تحسب أنّهظام وقد ظنّ المجرّة منهلا
أو فى على قوس الغمام معمّمامنه بناحية لأخرى مسدلا
ومنه قوله:
وإنّ ألذّ القرب ما قبله نوىوأحلى وصال ما تقدّمه صدّ
ولست موفىّ بعض ما تستحقّهإذا لم ينب عن كلّ رجل مشت خدّ
ومنه قوله:
من كلّ أشقر لم يكن من قبل أنتغشى به وخذ الأسنّة أشقرا
يتلوه أدهم كان وردا برهةممّا تسربله النّجيع الأحمرا
داج ويشرق من ضياء حجولهفيخاله رائيه ليلا مقمرا
/ ومنه قوله:
صدّقت هذه المخايل بالإحسان قول المدّاح والوصّاف
فبقاء المديح ما لم يكن فيك بقاء الحباب فوق السّلاف
وقوله:
تصدّت إلى أن قلت ما البخل دينهاوصدّت إلى أن كدت أن أنكر الصّدا
وبانت فبان الطيف يقضي بحكمهايواصلني سهوا ويهجرني عمدا
ومنه قوله:
ومحمّل الأيام ما لم تحتمليفني الحياة مخيّبا مكدودا
أنّى يحلّ محلّه الجوزاء منلا يستطيع من الصّعيد صعودا
وقوله:
نالوا بقربك عزّة ونباهةوحموا بسيفك طارفا وتليدا
ولطالما خصّت نحوس كواكبقوما وكنّ لآخرين سعودا
ومنه قوله:
وتغضي عن الذّنب لا رهبةكما احمرّت البيض لا من خفر
وتهتزّ للمدح عند السماعكما اهتزّ في الرّوع عضب ذكر
وقوله:
هذي مناقبكم فهل من طامعوصفات مجدكم فهل من طامع
إنّي دعوت ندى الكرام ولم يجبفلأشكرنّ ندى أجاب وما دعي
ومنه قوله:
فحويت ما لم يجر في خلد المنىمن سيبه وحصدت ما لم أزرع
منن وصلن على التداني والنّوىفجمعن شمل رجائي المتوزّع
إن أقترب فنوال كفك موطنيأو أغترب فإلى جميلك مرجعي
/ ومن العجائب والعجائب جمّةشكر بطيء عن ندى متسرّع
ومنه قوله:
وإذا امتطوها في نزال خلتهمآساد غاب في ظهور رئال
ما أوردوها قطّ إلاّ أصدرتجرحى الصدور سليمة الأكفال
أسد إذا صالوا صقور إن علواولربّما كمنوا كمون صلال
وقوله:
إذا ما أدّعينا سلوة عن هواكمجرى الدّمع منهلاّ فكذّب دعوانا
هبوا الوصل بالعذّال صار قطيعةوبعدا فماذا صيّر الذكر نسيانا
بنا حبّ من نرعاه وهو يروعناونذكره حتى الممات وينسانا
ومنه قوله:
وموّهتم يوم الفراق بأدمعتخبّر عن صدق الوداد فتكذب
وكم غرّ ظمآنا سراب بقفرةوخبّر برق بالحيا وهو خلّب
منها:
وقد رمت أن ألقى الصّدود بمثلهمقابلة لكنّني أتهيّب
سأحبر صبر الصّنب والماء ذو قذىوأمشي على السّعدان والذلّ مركب
منها:
ولست كمن أنحى عليه زمانهفظلّ على أحداثه يتعتّب
تلذّ له الشكوى وإن لم يفد بهاصلاحا كما يلتذّ بالحكّ أجرب
منها:
فجاورت ملكا تستهلّ يمينهندى حين يرضى أوردى حين يغضب
تدور كؤوس الحمد حينا فينتشيوطورا تصلّ المرهفات فيطرب
إذا ما احتبى غبّ الوغى خلت أجدلاله أبدا فوق المجرّة مرقب
وإن أعمل الأفكار عند ملمّةتلمّ أرته ما يسرّ المغيّب
/ ومنه قوله:
حسنات فعلك جمّة فبأيّهاأصبحت منفردا عن الأضراب
بمضائك المجتاح أم بقضائك المنتاش أم بعطائك المنتاب
منها:
شفع الشّجاعة بالخضوع لرّبهما أحسن المحراب في المحراب
وغدا يحاسب نفسه لمعادهوهباته تترى بغير حساب
ومنه قوله:
خلائق أعيا في الخلائق ندّهاتروقك مرأى أو تشوقك مسمعا
تزيد على ماء الغوادي طهارةوينسيك ريّاها الرحيق المشعشعا
وقوله:
رشأ تشابه طرفه وودادهومحبّه كلّ أراه سقيما
يحكي تعرّضه لنا ونفارهوالجيد والطّرف الكحيل الريما
ويشاكل الشمس المنيرة وجههنورا وبعد تناول وأديما
ويقايس المسك الذكيّ بعرفهفيكون أطيب في الأنوف شميما
ومنه قوله:
وأسود هيجاء إذا قصدت وغىحملت على أكتافها الآجاما
ما ضرّهم لمّا تناسب فعلهمفي الرّوع أن يتباعدوا أرحاما
وقوله:
صحّة الشوق أحدثت علّة الصّبر وبعد المزار أدنى السهادا
كم عذول عليكم رام إصلاحي فكان الملام لي إفسادا
كلّما زاد عذله زاد وجديفكلانا في شأنه قد تمادى
ومنه قوله:
/ يصيب الفتى ما لم يكن في حسابهويحذر من شيء وليس بواقع
وغير قريب من فؤاد ومسمعزئير الأسود من نقيق الضفادع
وقوله:
وممنطق يغني النّديم بوجههعن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقهافي مقلتيه ووجنتيه وريقه
ومنه قوله:
ولمّا وقفنا والرسائل بيننادموع نهاها الوجد أن تتوقفا
ذكرنا الليالي بالعقيق وظلّها الأنيق فقطّعنا القلوب تأسّفا
وقوله:
وإذا ما أردت تعرف لخمافشم القوم في ندى أو نزال
تلق خضر الأكناف سود مثار النقع بيض الأحساب حمر النّصال
ومنه قوله:
وما هي إلاّ غرّة سنّها النّدىعلى سمعه في غارة سنّها الشّعر
ونشوان من خمر المكارم لم يفقفواقا ولولا هنّ لم تدر ما السّكر
وقوله:
وما أعطى الصّبابة ما استحقّتعليه ولا قضى حقّ المنازل
ملاحظها بعين غير عبرىوزائرها بجسم غير ناحل
ومنه قوله:
أسكّان نعمان الأراك تيقّنوابأنّكم في ربع قلبي سكّان
ودوموا على حسن الوداد فطالمابلينا بأقوام إذا حفظوا خانوا
سلوا الليل عني مذ تناءت دياركمهل اكتحلت بالنوم لي فيه أجفان
وهل جرّدت أسياف برق دياركمفكانت لها إلاّ جفوني أجفان
/ ومنه قوله:
كذا في طلاب المجد فليسع من سعىبلغت المدى فليعط فخرك ما ادعى
فلست ترى طرفا إلى المجد طامحاسلا الناس ما لم تدّع فيه مطمعا
تبيت العتاق القبّ تحت سروجهالترسلها في غرّة الصّبح فزّعا
وتمنع ما تحوي لتعطيه ندىوغيرك ما ينفكّ يعطى ليمنعا
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع