من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الأديب أبو محمد الحسن بن أحمد حكينا البغدادي
بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله شاعر تتبّع من القصائد أبهجها، ونقّب عن الفوائد فاستخرجها؛ حاك من النّظم حللا، كأنّه بأشعّة الشّموس مزجها، وحاكى رضاب بنت الكرم، إلاّ أنّه بالشّهد لا بالماء مزجها.
وشعره زهريّ النفحات، زهريّ اللمحات، لدقّة معنى. تختلس القلوب، وتختلف بتغذية الأرواح، اختلاف النسيم عند الهبوب.
اتّفق أهل العراق على استحسان لطائفه، وإحسان دوحه المثمر، فيما أجناه لقاطفه وكانت تستروح ببرد سحره، وورد خضره، ورويّة ورد أفنانه في شجره.
وقدر ابن حكّينا فوق ما حكينا، وقد ذكره العماد الكاتب وشكره، بما تلمس الغواني عليه الترائب. وقال فيه: «ظريف الشعر مطبوعه. لم يجد الزمان بمثله في رقّة لفظه وسلاسته. وقد أجمع أهل العراق على أنّه لم يرزق أحد من الشعراء لطافة طبعه. وله الإشارات النادرة المذهبة، التي من حقّها أن
تكتب بماء الذهب» انتهى كلام العماد الكاتب.
وما المختار هاهنا من شعره - على قلة ما وقفت له عليه وقطفت من جنى جنيه، فمنه قوله:
عيناك ترمي قلبي بأسهمهافما لخدّيك تلبس الزّردا
ريقته الشّهد والدّليل علىذلك نمل بخدّه صعدا
ومنه قوله:
يا من تشكّى عنه، وبلاؤه منها، وفيها النّاس منها يشتكون وأنت منها تشتكيها
ومنه قوله:
تبرم بالعذار وظنّ أنّيأقاطعه وأخرج من يديه
وخافت عارضاه خلاص قلبيمن التّبريح فانقفلت عليه
ومنه قوله:
لافتضاحي في عوارضهسبب والنّاس نوّام
كيف يخفى ما أكتّمهوالذي أهواه نمّام
ومنه قوله:
يا سيّدي والذي مودّتهعندي روح تحيا به الجسد
من ألم الظّهر أستغيث وهليألم ظهر إليك يستند
ونظر إليه بعض إخوانه في يوم عاشوراء، وقد اكتحل وطرف أهدابه بالحداد لا بالكحل، فلامه لما رأى طرفه الكحول، ولم يعلم أنّه ممّا نزف الدمع من سواد عينه المحلول، فقال:
ولائم لام في اكتحالييوم استباحوا دم الحسين
فقلت دعني، أحقّ عضومنّي يلبس السّواد عيني
وباقي المختار من شعره قوله:
كم تقولون بعض عارضه قد تغيّرا
إنّما الحسن حيث مرربه الحبّ مسفرا
رام تبخيره فذرر على الجمر عنبرا
ومنه قوله:
وربّ جفون شاكلتني لأننيأقمت على سهم ولم أخل من سحر
قسا ثمّ أجرى دمعتي فكأنّهلفرقته الخنساء تبكي على صخر
ومنه قوله:
مولى تزايد في تواضعه عظماكذاك البدر في الأفق
ومنه قوله:
لست أحوي صفاته غير أنّيما رأيت الإعسار منذ رآني
وإذا أظهر التّواضع فينافهو من أنّه عظيم الشّأن
ومتى لاحت النّجوم على صفحة ماء، فما النّجوم دواني
ومنه قوله:
وكأنّ الوهاد بالدّم كاسات عقار فيها الرّءوس حباب
كلما ذمّت العدى ما أتاهممن عقاب أثنت عليك العقاب
ومنه قوله:
قصدت ربعي فتعالى به قدري فدتك النّفس من قاصد
ولم ير العالم من قبلهابحرا مشى قطّ إلى وارد
ومنه قوله:
ويكتب بالبيض الصّوارم أسطراعلى أوجه الفرسان تنقطها السّمر
وينظمهم في الرّمح نظما وإنّمارؤوسهم من بعد نظمهم نثر
ومنه قوله:
ناولني تفاحة أشبهت لوني وطيب الرّيح من فيه
ظبي جعلت القلب في أسرهفقد غدا محتكما فيه
ومنه قوله:
ما فيكم بخل ولا بي غنىعن نائل والنّجح في الصّدق
ولست أستبطي ولكنّنيينقطع الغيث فاستسقي
ومنه قوله يهجو:
للنّميريّ نكهةطال منها تحيّري
هي أفسا إذا تنففس من ألف مبعر
قلت لما شممتهامن خري جوف منخري
ومنه قوله في العزيز عمّ العماد الكاتب:
لنكتال من مال العزيز بصاعهفميلوا بنا نحو العراق ركابكم
ومنه قوله في الشّريف الشّجري النّحويّ:
يا سيدي والذي يعيذك مننظم قريض يصدا به الفكر
ما فيك من جدّك النّبيّ سوىأنّك لا ينبغي لك الشّعر
ومنه قوله:
ارض لمن غاب عنك غيبتهفذاك ذنب عقابه فيه
ومنه قوله:
مدحتهم فازددت بعدا بمدحهمفخيّل لي أنّ المديح هجاء
يقولون ما لا يفعلون كأنّهمإذا سئلوا رفدا هم الشّعراء
ومنه قوله:
أتاني بنو الحاجات من كلّ وجهةيقولون لي: أين الموفّق قاعد؟
فقلت لهم: فوق المجرّة دارهولكنني فارقته وهو صاعد
فإن شئتم أن لا تضلّوا فيمّمواإلى حيث سارت بالثّناء القصائد
ومنه قوله:
لاقى طريق النّسك شاسعةفاستصحب اللذّات وانحرفا
يهوى كؤوس الرّاح تذكرهقبسا أضاء وبارقا خطفا
يهدي المزاج بجيدها حببامثل السّهام تعاورت هدفا
وإذا دعاه طرف غانيةللوصل بادره ولو زحفا
منها:
واعقد بطرفك صدغ ذي ترفلّما ألمّ بخصره انعطفا
كالنّون منحنيا فإن عبثتكفّي أحالت شكله ألفا
والماء تطربه منادمتيفلو استبدّ برأيه وقفا
وخلائق مثل النّسيم جرىفإذا تعرّض للعدا عصفا
وتراه يرفدني وأنشدهمدحي فنظهر بيننا الطّرفا
ومنه قوله:
لم أجن ذنبا في مديح امرئقابل شعري بالمواعيد
إن قلت: بحر فبما نالنيمن هوله أيّام ترد يدي
أو قلت: ليث فبتكليحهإذا أتاه طالب الجود
ومنه قوله في ولده:
ابني بلا شكّ ولا خلففي غاية الإدبار والسّخف
كأنّه الحبّال في مشيهيزداد إقبالا إلى خلف
ومنه قوله:
سكن المجرّة واستهلّ نداوكذا الغمام إذا علا وكفا
لم آت أستكفيه حادثةإلاّ تهلّل بشره وكفا
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع